عندما تمحى الأسماء.. تعاد كتابة الأرض

فلسطين - نابلس - الشيخ جعفر هاشم يمشي إلى مسجد التينة - تصوير علا مرشود خاص الجزيرة نت - 16_2_26
الكاتب: منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 لم تتوقف عملية التحول عند تهجير السكان الفلسطينيين وتدمير مئات القرى (الجزيرة)
  • التسمية الجغرافية كأداة استعمار في فلسطين

في التجارب الاستعمارية الكلاسيكية، لا تمارس السيطرة على الأرض بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر منظومة متكاملة تشمل القانون، والديمغرافيا، وإعادة تشكيل اللغة.

فالتسمية الجغرافية ليست فعلا محايدا، بل ممارسة سيادية تهدف إلى نزع الشرعية عن المكان كما كان، وإعادة إدراجه ضمن سردية سياسية جديدة تنتج واقعا بديلا.

في فلسطين، شكّل تغيير أسماء المدن والقرى أحد الأعمدة الأساسية للمشروع الصهيوني، بوصفه مشروعا استعماريا إحلاليا لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى استبدال السكان، وإعادة كتابة التاريخ، وبناء شرعية رمزية جديدة للأرض تترسخ تدريجيا في الوعي الفردي والجمعي.

وعلى خلاف حالات أخرى يكون فيها الصراع على التسمية جزءا من تنازع سرديات داخل دولة قائمة، تمثل الحالة الفلسطينية نموذجا مختلفا جذريا، تتحول فيه التسمية إلى أداة تأسيس استعمارية بحد ذاتها.

لم يكن هذا المسار عفويا ولا ثقافيا بحتا، بل سياسة واعية ترى في الاسم خطوة أولى نحو تثبيت السيادة؛ فالقرية التي يمحى اسمها من الخريطة لا تمحى لغويا فقط، بل تجرد من تاريخها وسكانها وشرعيتها الرمزية

العبرنة بوصفها سياسة دولة

مع قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم تتوقف عملية التحول عند تهجير السكان الفلسطينيين وتدمير مئات القرى، بل رافقها مشروع منظم لإعادة تسمية المكان.

فقد أنشئت لجان رسمية أوكلت إليها مهمة «عبرنة» الجغرافيا الفلسطينية، أي وضع أسماء عبرية محل الأسماء العربية التاريخية، تقدم بوصفها إحياء لأسماء توراتية، أو إعادة وصل بما يسمى «الذاكرة اليهودية القديمة».

لم تكن هذه الخطوة ذات طابع ثقافي أو لغوي فحسب، بل جزءا من سياسة دولة هدفت إلى تثبيت واقع جديد على الأرض، يبدأ من الخرائط ولا ينتهي عند الوعي.

الاسم كأداة إحلال

لم يكن هذا المسار عفويا ولا ثقافيا بحتا، بل سياسة واعية ترى في الاسم خطوة أولى نحو تثبيت السيادة؛ فالقرية التي يمحى اسمها من الخريطة لا تمحى لغويا فقط، بل تجرد من تاريخها وسكانها وشرعيتها الرمزية.

إعلان

وبإزاحة الاسم العربي من التداول الرسمي والإعلامي، لم يعد الاسم مجرد توصيف مكاني، بل أداة إحلال تستخدم لإعادة تعريف من هو «الأصيل»، ومن يقدم بوصفه طارئا أو غائبا عن التاريخ.

في هذا السياق، تستبدل بالأسماء العربية إحالات توراتية أو تأويلات دينية انتقائية، لا بوصفها توصيفا تاريخيا موثقا، بل كجزء من بناء سردية سياسية تقدم على أنها امتداد طبيعي للمكان.

مئات القرى التي هجر سكانها ودمرت عمرانيا، مسحت أسماؤها كليا، وأعيدت تسميتها بأسماء عبرية جديدة، أدرجت في الخرائط الرسمية، في عملية محو لغوي ممنهجة رافقت المحو المادي

مدن أعيد تعريفها لغويا

لم تقتصر عملية العبرنة على القرى الفلسطينية التي دمرت خلال النكبة، بل شملت أيضا المدن الفلسطينية الكبرى، بما فيها المراكز الحضرية والتاريخية الأساسية، التي أعيد تعريفها لغويا ضمن المشروع نفسه، ومن بينها:

  • يافا ← يافو
  • القدس ← أورشليم
  • عكا ← عكو
  • صفد ← تسفات
  • عسقلان ← أشكلون
  • بئر السبع ← بئر شيبع
  • أم الرشراش ← إيلات
  • طبريا ← طبرية
  • الناصرة ← نتسيرت
  • تل الربيع ← تل أبيب

أما مئات القرى التي هجر سكانها ودمرت عمرانيا، فقد مسحت أسماؤها كليا، وأعيدت تسميتها بأسماء عبرية جديدة، أدرجت في الخرائط الرسمية، في عملية محو لغوي ممنهجة رافقت المحو المادي.

تعتمد الرواية الصهيونية في إحدى ركائزها على فكرة «أرض بلا شعب»، وهي فكرة لا يمكن تثبيتها من دون تفريغ المكان من لغته الأصلية

اللغة بوصفها امتدادا للاستيطان

تكمن خطورة التسمية في كونها لا تبقى حبيسة الوثائق والخرائط، بل تنتقل إلى المناهج التعليمية، والخطاب الإعلامي، والخرائط الدولية، ثم إلى الاستخدام اليومي. ومع مرور الزمن، تتحول الأسماء الجديدة إلى مرجع «طبيعي»، يستخدم أحيانا من دون وعي بدلالاته السياسية، ويشمل ذلك أحيانا السياقات اليومية للفلسطينيين أنفسهم.

بهذا المعنى، تتحول اللغة إلى واحدة من أكثر أدوات الاستعمار استدامة، لأنها تعمل بصمت، وتعيد تشكيل الإدراك من دون مواجهة مباشرة.

الجغرافيا كسردية

تعتمد الرواية الصهيونية في إحدى ركائزها على فكرة «أرض بلا شعب»، وهي فكرة لا يمكن تثبيتها من دون تفريغ المكان من لغته الأصلية. فالأسماء العربية، بما تحمله من دلالات حضارية وتاريخية، تشكل دليلا يوميا على الوجود الفلسطيني المتواصل، ولذلك كان لا بد من إزاحتها لصالح أسماء تعيد رسم الخريطة الذهنية للمنطقة.

في هذا السياق، لا تستخدم التسمية لإحياء التاريخ، بل لإعادة اختراعه، بحيث تقدم الأرض كما يريدها المشروع السياسي، لا كما عرفها سكانها.

تظهر التجربة الفلسطينية أن الاستعمار لا يعمل فقط على الأرض، بل على معناها؛ فمحو الأسماء هو خطوة مركزية في محو الرواية، وإعادة تعريف التاريخ بما يخدم مشروعا إحلاليا متكاملا

ما بعد اللغة: الاسم كشرعية

حين يكرس الاسم الجديد في الوثائق الرسمية، والخرائط، والقوانين، يتحول إلى أساس قانوني للسيادة. فاللغة هنا لا تصف الواقع فحسب، بل تنتج شرعية سياسية جديدة، تستخدم لاحقا في المفاوضات، والاتفاقيات، وإعادة تعريف ما يسمى «الحق التاريخي».

تكمن خطورة هذا المسار في أن الاسم المعتمد رسميا يتحول إلى مرجع قانوني يستخدم لتثبيت الأمر الواقع، وكأن اللغة نفسها تصبح دليلا قانونيا على الملكية والسيادة.

إعلان

تظهر التجربة الفلسطينية أن الاستعمار لا يعمل فقط على الأرض، بل على معناها؛ فمحو الأسماء هو خطوة مركزية في محو الرواية، وإعادة تعريف التاريخ بما يخدم مشروعا إحلاليا متكاملا.

إن الدفاع عن الاسم في فلسطين ليس شأنا لغويا أو رمزيا فحسب، بل هو دفاع عن الوجود ذاته، وعن حق لا يمكن إلغاؤه بتغيير الخرائط أو استبدال اللافتات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان