صلى الله وسلم على النبي الذي قال لأهل المدينة حين فزعوا: "لن تراعوا"، وذلك أن أهل المدينة سمعوا صوتا قويا ليلا، فخرجوا متبادرين إليه، ففوجئوا برسول الله، صلى الله عليه وسلم، على فرس لأبي طلحة الأنصاري عليه الرضوان، يطمئنهم، وقد تقصى الخبر وعاد، فقال لهم قولته المطمئنة تلك.
هذا الحديث يذكَر في شجاعته صلى الله عليه وسلم، وهي خصيصة بارزة فيه، فقد بادر صلى الله عليه وسلم إلى مصدر الصوت، وتقصى، وعاد مطمئنا إياهم، ويدل على قوته البدنية، فقد ركب حصانا بلا سرج، ولم يكن الحصان له فيألفه، ومع ذلك تمكن من ترويضه، والركوب عليه، والوصول به، والعودة.
ينبغي أن نتذكر أن الله تعالى من وراء كل هذه الأقدار، سواء بالسرور فيها أو الأكدار. فالله تعالى يقلب الليل والنهار، وبيده ملكوت كل شيء، وبيده قلوب الفاعلين السياسيين وغيرهم، هو من يملكها ويقلبها كيف يشاء
ولكن هذا الحديث يلفتنا إلى موقف آخر، وهو: كيف نتعامل مع الأزمات؟
نحن الذين نعيش في أمن وأمان هنا في قطر، وبعد ما يجاوز سبعة وثلاثين عاما، أكاد أجزم أن أقوى الأصوات التي سمعتها كانت صادرة عن إطارات سيارات، أو ما يشبه ذلك. هنا حيث يمكنك ترك الباب مفتوحا، والذهاب إلى النوم بعمق، يبدو ما يحدث حولنا خبرة جديدة. فبعد أن كنا نسمع الأخبار عن غيرنا، صرنا في قلبها بوجه من الوجوه.
نحتاج اليوم أن نتذكر نعمة الأمن والأمان، وعمق أثرها. يقول تعالى: (وآمنهم من خوف). ونحن قد وقعنا في إلف النعمة، فلم نتبصر قيمتها إلا ضحى تصدي الرجال الساهرين لها في أفق السماء.
وفي زحام القلق، واضطراب القلوب، ينبغي أن نتذكر أن الله تعالى من وراء كل هذه الأقدار، سواء بالسرور فيها أو الأكدار. فالله تعالى يقلب الليل والنهار، وبيده ملكوت كل شيء، وبيده قلوب الفاعلين السياسيين وغيرهم، هو من يملكها ويقلبها كيف يشاء. فقراراتهم وإن بدت منهم، فإنما هي إنفاذ الإرادة العلية الإلهية، وتنفيذ لحكمتها الرفيعة عن الإدراك المباشر.
وفي خضم ما نحن فيه من توتر، علينا أن نتذكر أننا في شهر رمضان، شهر القرآن، وهو الدواء والشفاء من علل النفوس، وهو الذي يعلمنا أن من يتوكل على الله فالله حسبه، وهو هادي قلبه، وهو من يتولى أمره.
وفي خضم ما نواجهه اليوم من احتمالات لا يدري أحد منتهاها، علينا أن نتبصر بأن أكبر مشاكلنا اليوم قد ذابت إزاء ما نواجهه، ونسينا كثيرا مما كان يقلقنا في حياتنا اليومية، وتذكرنا بعض النعم التي تجاهلناها طويلا، وفي ذلك لعبرة لكل صبور شكور، ولكنْ قليل من عباد الله الصبور الشكور.
في خضم الأزمة، نتذكر أنه شهر رمضان، وأن وظيفتنا العليا هي العبودية في كل زمان ومكان، والترقي بنفوسنا الخاطئة في مراقي الإحسان
في خضم الأزمة، لنكن مصدر طمأنينة لا مصدر قلق. علينا أن نردد: لم تراعوا. فالله خير حافظا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وعليه فلا نُرع، فلنا رب لطيف، وبتدبير أمورنا خبير حكيم عليم.
في خضم الأزمة، يتسارع الكل ركضا إلى مصادر المعلومات التي تزيدنا تشتتا، ونحن في عصر الشتات والقلق الروحي. وهناك نكتشف حقيقة مدهشة، أن المؤسسات الرسمية التي تمتلك الحقيقة تعطيها بالصورة الملائمة وبكل شفافية، فمنذ اللحظات الأولى في قطر مثلا كانت البيانات جلية واضحة ومفيدة، لا شيء يخفى، بل يجري توضيح التفاصيل بهدوء، وما على الجميع إلا التعاون.
وفي خضم الأزمة، نتذكر أن علينا التعاون وبذل الجهد كل فيما يحسنه، وليس التقصي، فقد كفينا. وعلينا بذل ما نستطيع، كل حسب دوره وأدائه وجهده، كما ركب الرسول، صلى الله عليه وسلم، فرسا، وعاد بالخبر، وطمأن الكل.
وفي خضم الأزمة، نتذكر أنه شهر رمضان، وأن وظيفتنا العليا هي العبودية في كل زمان ومكان، والترقي بنفوسنا الخاطئة في مراقي الإحسان. وأن التشتت هنا وهناك لن يفيد كثيرا، بل سندفع ثمنه في تشتت الذهن وتوتر النفس.
في خضم الأزمة، نتذكر أن لنا ربا لطيفا بعباده، وعلينا أن نعبده، وهو الكفيل بأمورنا.
السلام النفسي نعمة، والاستماع لصوت الروح هو السر.
فلنعد إلى رمضان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

