تنتج غطرسة القوة التي أدمنتها الإمبراطوريات نوعا من العمى الإستراتيجي، بوصفه نتيجة حتمية لفائض الغرور. قبل أن نغوص في تفاصيل الخرائط وحسابات الحقل والبيدر في الشرق الأوسط، ثمة أسئلة جوهرية تفرض نفسها على العقل السياسي، وتعرّي جذور الأزمة التي تقف المنطقة على حافتها:
لماذا تتحدث واشنطن إلى العالم دائما بلغة الفوهات المشرعة، وتتعامل مع الجغرافيا السياسية وكأنها ثكنة عسكرية تابعة لها؟ من أين يستمد التحالف الأمريكي-الإسرائيلي هذه القناعة الراسخة بأن سرديته للأحداث هي "الحقيقة المطلقة"، وأن أوهامه الأمنية هي الخلاص الوحيد لمنطقة بأسرها؟
وقبل هذا كله، يقفز السؤال الأهم والمسكوت عنه: ماذا تفعل أمريكا أصلا في مياه الخليج؟ وكيف منحت نفسها حق الوصاية لتلعب دور المقامر الذي يضع أمن دول وشعوب بأكملها على طاولة "الروليت"؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات تقودنا مباشرة إلى تفكيك الخطيئة الكبرى التي تهندس الآن في الغرف المكيفة والمغلقة داخل أروقة صنع القرار في واشنطن وتل أبيب.
هناك تبدو الحرب وكأنها مجرد أوراق بحثية وعروض تقديمية تستعرض على شاشات أنيقة، وتصاغ لغة "الضربات الاستباقية" و"الردع التكتيكي" ببرود رياضي مفرط. لكن على بعد آلاف الأميال، حيث تتمازج رائحة النفط بعبق التاريخ المعقد، لا يبدو المشهد بهذه البساطة؛ فهناك فجوة آخذة في الاتساع بين "حبر" واشنطن المتفائل، و"دخان" الخليج الذي قد يغطي سماء المنطقة إذا ما انطلقت الرصاصة الأولى.
المأساة الحقيقية في العقيدة الأمنية للإدارات الأمريكية المتعاقبة هي تعاملها مع جغرافيا الخليج العربي كطاولة قمار، يرمى عليها النرد نيابة عن إسرائيل أو تصفية لحسابات واشنطن مع طهران
فخ الاختزال وأسطورة "الضربة النظيفة"
الخطيئة الإستراتيجية الكبرى التي يقع فيها التحالف الأمريكي-الإسرائيلي اليوم هي اختزال الحرب في مجرد "ضربة". هذا المنطق العسكري يتعامل مع الجغرافيا السياسية كلوحة شطرنج جامدة، متناسيا أن الميدان كائن حي يتنفس المفاجآت ولا يخلق انتصاراته عبر معادلات حسابية جافة.
يعتقد المخططون في البنتاغون أن بإمكانهم توجيه "ضربة جراحية" لإيران تقلم أظافرها دون أن ينزف جسد المنطقة بأكملها. هذا هو العمى الإستراتيجي بعينه؛ ففي الشرق الأوسط لا توجد حروب معقمة، والمراهنة على أن استهداف العمق الإيراني سيؤدي تلقائيا إلى خضوع المنطقة أو استعادة الاستقرار، مراهنة تتجاهل دروس التاريخ المكتوبة بالدم.
الخليج في قلب الحسابات الإستراتيجية
المأساة الحقيقية في العقيدة الأمنية للإدارات الأمريكية المتعاقبة هي تعاملها مع جغرافيا الخليج العربي كطاولة قمار، يرمى عليها النرد نيابة عن إسرائيل أو تصفية لحسابات واشنطن مع طهران.
إن أمريكا، بانسياقها خلف الرؤية الإسرائيلية المتعطشة للحسم العسكري السريع، تقامر بأمن حلفائها الإقليميين بطريقة فجة. رأس المال، وناطحات السحاب، وشرايين الطاقة التي تغذي الاقتصاد العالمي، تعامَل في القاموس الإستراتيجي الأمريكي وكأنها "أضرار جانبية محتملة" في سياق لعبة جيوسياسية كبرى. توزع واشنطن التصريحات المطمئنة، لكنها في الواقع تضع المنطقة بأسرها في فوهة المدفع، مراهنة بأمن الخليج في صراع لا يتحمل أحد وزر اندلاعه.
الخطأ الإستراتيجي لأمريكا وإسرائيل هو اختزال الحرب في "ضربة" أو ضربات استباقية؛ فالميدان مفاجآت لا حسابات، والقاعدة الذهبية للحروب تثبت دائما أن العبرة ليست بمن يبدأ، بل بمن يفرض النهاية
انقلاب السحر: عندما ترتد القوة على أصحابها
لقد علمنا التاريخ القريب، من رمال العراق إلى جبال أفغانستان، أن القوة العسكرية الغاشمة نادرا ما تنجب سلاما، بل غالبا ما تنقلب على أصحابها.
كل محاولة لـ"فرض" واقع جديد عبر فوهة البندقية انتهت بترك المنطقة في حالة من التشظي، ارتدت لاحقا على المصالح الغربية نفسها. عندما يتمادى الاستعراض العسكري، تتولد ديناميكيات عكسية؛ فالقوة المفرطة لا تلغي الخصم، بل تدفعه إلى تبني تكتيكات تحول الحروب التقليدية إلى مستنقعات استنزاف طويلة الأمد.
القاعدة الذهبية: الميدان لا يقرأ صحف واشنطن
في نهاية المطاف، لا تستطيع التصريحات الرنانة إيقاف صاروخ، ولا تطفئ الضمانات الشفهية حرائق الآبار. وهنا تتجلى الحقيقة الساطعة التي يتجاهلها صناع القرار: الخطأ الإستراتيجي لأمريكا وإسرائيل هو اختزال الحرب في "ضربة" أو ضربات استباقية؛ فالميدان مفاجآت لا حسابات، والقاعدة الذهبية للحروب تثبت دائما أن العبرة ليست بمن يبدأ، بل بمن يفرض النهاية.
وإلى أن تدرك واشنطن وتل أبيب أن استقرار المنطقة لا يبنى بالدخان، وأن أمن الخليج ليس شيكا على بياض يصرف في بنوك المغامرات العسكرية، ستبقى المنطقة بأكملها تتأرجح على حافة الهاوية، رهينة لغرور قوة يعتقد أن امتلاك السلاح يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

