كراتشي.. جذور مقتلعة!

بدت عروس السند مدينة عظيمة الامتداد، تحتضن البحر وتتفسح في الصحراء (غيتي)

إنها الساعة الثالثة فجرا، وحلكة الليل تملأ الفضاء. على متن الطائرة القادمة من بوابة الحجاز «جدة» إلى كراتشي الخالدة في أفق الزمان، كان الركاب يغطون في سبات عميق لا يقطعه سوى اهتزاز المطبات الهوائية أو صوت مذيع داخلي -بالأوردية والإنجليزية- يعلن أحوال الطقس وعبور التضاريس أو قرب الوصول. أما أنا، فقد قاومت الكرى، وأطلقت عنان التفكير في مدينة ترجع جذورها إلى حضارة وادي السند الضاربة في القدم.

على متن طائرة معلقة بين السماء والأرض، كنت محاطا بباكستانيين يتحدثون الأوردية مثل أفلام بوليود تماما. كانت ظلمة الليل تخفي ملامحهم، وشكلت لغتهم ستارا حال بيني وبين فهم حديثهم.

وبما أن كل غريب جاهل، قلت في نفسي: ربما يتحدثون عن مرارة الغربة، وملامح الوطن بعد الغياب. ولعل لوعة الشوق قد شردت النوم عن جفونهم، بينما البحث عن أفضل المشافي وأمهر الأطباء قادني إلى متاهات من الأسئلة والتوقعات.

على بعد عشرات الأميال عن الأرض، كانت ابنتي سارة تجلس في حضني متشبثة بي، ويداها تعبثان بلحيتي. كنت أقبل جبينها وأهدهد رأسها بحنان أبوي، وكلما سرقني الملل إلى قراءة رواية "الإعجاب بالصمت" للكاتب عبد الرزاق قرنح، الفائز بجائزة نوبل للآداب عام 2021، أمسكت بيدي وأعادتها إلى رأسها.

بعيدا عن سارة التي كانت نسمة حانية هبت على حياتي، وفي طريقي إلى العيش مؤقتا في مدينة صاغتها الهجرات والنزوح وتحولات الهوية الثقافية، كانت الرواية مدخلا مهما للفهم.

من نافذة الطائرة بدت عروس السند مدينة عظيمة الامتداد، تحتضن البحر وتتفسح في الصحراء. ومع بدء هبوط الطائرة التدريجي، غمرتني بهجة عميقة، وظهرت باكستان -بكل تناقضاتها- ممدودة تحت جناح طائرة Airbus A321، تتباهى بقوة محركاتها.

خرج المسافرون من صالة المطار، التي تحولت إلى فضاء خالٍ تلعب فيه سارة تارة، وتتعثّر فيه تارة أخرى، ونحن ننتظر الموافقة الأمنية

سيدي.. إنه صومالي!

كان مطار جناح الدولي كما توقعت تماما؛ لا مزدحما ولا كئيبا، بل شبيها بدولته: لا يخلو ذكرها في الإعلام من دون أن يكون طاغيا كالهند أو تركيا أو النمور الآسيوية. وبما أن الزحام لم يكن كثيفا، كنا آخر من غادر الطائرة، التي تحولت مقاعدها إلى مسرح للاحتفال والضحكات المجلجلة فور هبوطها.

إعلان

وصلت إلى كونتر الجوازات حاملا ابنتي بيد، والجوازات باليد الأخرى. حييت الضابط بقليل من الأوردية التي تعلمتها من الأفلام مع ابتسامة نصف باردة ووجه أثقله السهر والمناوبة الطويلة. قلب صفحات الجوازات، وما إن وقعت عيناه على كلمة «الصومال» حتى لمعت عيناه، ورمقني بنظرة حادة. فجأة صاح: "سيدي.. سيدي.. إنه صومالي".

في لحظات هرع الضباط من الكونترات المجاورة، ومن المقاعد، ومن المكاتب. تجمهر حوله ستة منهم، تختلف رتبهم وملامحهم، وتجمعهم مضغ النسوار الذي جعل شفتهم السفلى تبدو متورمة. لم أكن أعرف أن هذا التبغ منتشر إلى هذا الحد بين الباكستانيين، حتى رأيت شيخا يضعه بوقار في فمه بعد صلاة الفجر مباشرة في مسجد صغير في المربع العاشر بحي "كلشن إقبال".

وصلوا مذهولين، وربما مفجوعين من شدة صراخه. أحداقهم مدققة وعيونهم فاحصة. وقبل أن يسألوه شيئا، ناول الجوازات إلى أعلى الضباط رتبة، «عبد السلام»، وما زال يكرر بصوت مرتفع: "ساب.. ساب.. ساب! وہ صومالي ہے!" (سيدي.. سيدي..  إنه صومالي). وبما أن الصوماليين، منذ أن فقدوا وجهتهم للالتقاء بدولة تنتشلهم من الإهانات والازدراء، اعتادوا السؤال القاسي: لماذا أنتم هنا؟، لم آخذ الأمر على محمل الجد. كنت أتوقع -مقارنة بمواقف سابقة، ووجود تأشيرة هندية في جوازي- أن يُنحّى بي جانبا، وأن أواجه وابلا من الأسئلة والعوائق والتحقيقات.

لكن، وعلى خلاف كل التوقعات، سألني الضابط بهدوء وأدب عن عنوان السكن وسبب القدوم. كان مقصد الزيارة واضحا، غير أن عنوان السكن لم يكن بحوزتي، وهو ما أربك المشهد للحظة، وجعل العيون تتابع حركاتي وسكناتي. وإمعانا في المساعدة، فتح لي الضابط نقطة اتصال (Hotspot) من هاتفه المحمول، بعد أن أخبرته بأن بعض الأصدقاء ينتظرون في الخارج ولديهم عنوان السكن.

خرجت من المطار، وحماسة التوغل في مدينة أخذت اسمها من الصيادة الأسطورية "ماي كولاتشي" تضرب في عروقي

خرج المسافرون من صالة المطار، التي تحولت إلى فضاء خالٍ تلعب فيه سارة تارة، وتتعثر فيه تارة أخرى، ونحن ننتظر الموافقة الأمنية. ورغم مساعدة الضابط، طال الانتظار، وتكاثرت الأوراق والملفات في يده. لوهلة ظننت أن التأشيرة الهندية الموجودة في الجواز سببت لي كل هذه المتاعب، لكنني علمت لاحقا أن الأمر لا يتجاوز بروتوكولا يعامل به الصوماليون منذ سنوات.

بعد قرابة ساعة من الملل والانتظار، خرجنا من المطار ومعنا استمارة يطلقون عليها C FORM، مخصصة للقادمين من الدول التي تعد خطرا على الأمن والسلم الدولي. ورغم الجهد الجبار الذي قام به السفير الصومالي الجديد شيخ نور، ما زالت الصومال -إلى جانب الهند وبعض الدول الأفريقية والعربية- في القائمة المحظورة، وما زال حاملو الجواز الصومالي يعاملون بوصفهم «إرهابا محتملا»!

«كن صبورا، ولا تتعجل، واستعد لجميع الاحتمالات!» كانت هذه الإشارة الأولى التي التقطتها في مدينة الأضواء. ومن أصعب الأمور علينا، نحن الصوماليين الذين تعودنا على الاستعجال، هو التريث، إذ لا يتحمل أحدنا الانتظار.

خرجت من المطار، وحماسة التوغل في مدينة أخذت اسمها من الصيادة الأسطورية "ماي كولاتشي" تضرب في عروقي. مسبقا، لم أبحث عن صور كراتشي في محرك البحث غوغل، ولم أحاول قراءة تفاصيلها، بل تركت لنفسي فرصة اكتشافها بعد عقود ظلت في ذاكرتي كمهد للدولة الباكستانية، ومدينة ملتصقة بالزعماء العظام والحركات الجهادية، ومأوى للمهاجرين، وزحمة المدن المتروبولية.

إعلان

المشاهد الأولى كانت صادمة؛ رائحة البالوعات تفوح في كل مكان، ومشردون نائمون تحت الجسور، ومتسولون حفاة، وكتابات وصور وشعارات سياسية، وحراس مسلحون يذكرون بتاريخ المدينة المضطرب. لم أكن أتوقع أن تكون أكبر مدن باكستان بهذه الحالة من الترهل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان