قديما، حينما كان يحالفني الحظ بالتعرف إلى صديق جديد، ويعلم أنني سوداني، كان يثني علينا قائلا: "أنتم -السودانيين- مثقفون جدا وسياسيون بطبعكم".
كان هذا الإطراء يعجبني وقتها، وقد أشعر بالزهو قليلا، لكنني الآن لست متيقنا من أن هذه نعمة، بل أغلب الظن أنها لعنة. فما الفائدة من السياسة إذا لم تجنبنا الحروب؟!
ما الحكمة في أن يكون كل السودانيين ساسة، ويعجزون عن الاتفاق على صياغة عقد اجتماعي ودستور يضمن الحرية، والتداول السلمي للسلطة، ويحقق العدالة الاجتماعية لهم جميعا، ومن ثم يعملون على حل مشكلات البلد الأخرى بنزاهة وتجرد؟!
لدينا فعلا فائض كبير في النخب السياسية، وجيوش من المثقفين، وأسراب من العلماء والمفكرين (أغلبهم بالطبع مهاجرون)، ورغم ذلك فبلدنا ليس آمنا ولا مستقرا!
رغم الإمكانيات الهائلة والموارد المتعددة، أجد هذا أشبه بشخص ورث ثروة كبيرة، لكنه لا يستطيع التصرف فيها بقدر ما يشاء ويستفيد منها، إلا إذا كبر وبلغ رشده. وهذا بحد ذاته يشعر كثيرين من السودانيين بالأسى.
يبدو أن مشكلات السودان هي نفسها أغلب مشكلات القارة السمراء، المتمثلة في ضعف الحوكمة، والانحراف السياسي، والمحاصصة، والفساد، والمحسوبية، والانقلابات العسكرية، وسوء الإدارة، وضعف التنمية، وغياب الشفافية، والنخب التي لا تقدم شيئا، وطائفة من المتاجرين بالدين في سوق السياسة.
يقول أحد العارفين إن هناك ثلاثة مواضيع يستطيع كل الناس الكلام فيها والحديث عنها، الجاهل قبل العالم، وهي الدين والكرة والسياسة، ونحن بارعون فيها جميعا!
هذه أعظم مشكلاتنا التي تجعلنا متأخرين عن ركب الأمم والشعوب، بل هي التي تجعلنا نواصل الانحدار نحو الهاوية، وتزيد معاناتنا وفقرنا، وتزيد ليالينا حلكة، رغم أن السودانيين أنقى الناس سريرة وأصدقهم لسانا. غير أن قليلا من الساسة يعملون لمصالحهم الخاصة بطريقتهم الخاصة مع كل نظام يأتي. فماذا يسمى هذا؟!
وما بين صروف الدهر وتقلبات السنين العجاف، تمر الأيام، وتتعاقب علينا الحكومات كتعاقب الليل والنهار، ثم يقع انقلاب، وينفجر تمرد، وتشتعل ثورة، وهكذا دواليك… لا حرب تتوقف، ولا أمان يسود، ولا أسباب تعالج.
يبدو أن السلطة في السودان لديها بريق قاتل وإغراء لا يقاوم، أكثر مما هي في أي مكان آخر، ولا بد أن فيها مغانم كثيرة لا علم لنا بها، وإلا فلم كل هذا التكالب عليها؟!
إن مشكلة السودان تبدو للوهلة الأولى بسيطة للغاية لدرجة التعقيد (حسب النوايا والجهد المبذول)، ويمكن حلها طبعا إذا توافر الوطنيون النزهاء حقا، الذين لديهم رؤية شجاعة وأيد قوية للعمل على جمع الشتات، واستئصال العلة، لا معالجة ظاهر المرض وتسكين الأعراض فقط.
يقول أحد العارفين إن هناك ثلاثة مواضيع يستطيع كل الناس الكلام فيها والحديث عنها، الجاهل قبل العالم، وهي الدين والكرة والسياسة، ونحن بارعون فيها جميعا!
حفظ الله السودان.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

