- رؤساء كونغوليون حاولوا الهروب من "قلب الظلام"
- اغتيال لومومبا في برميل حمض الكبريتيك
ولد باتريس إيمري لومومبا عام 1925 في إقليم ستانلي فيل (إقليم كيسنجاني لاحقا) في شرق الكونغو، وكان من بين القلة من أبناء شعبه ممن حظوا بتعليم عالٍ. في عام 1958 أسس لومومبا حزب الحركة الوطنية الكونغولية التي قادت البلاد إلى الاستقلال عن البلجيك.
في يناير/كانون الثاني عام 1960 أجريت انتخابات ديمقراطية انتهت بحصول حزبه على 90% من الأصوات، ولتجبر بلجيكا -على غير إرادتها بمنح أحد عملائها المحليين الوزارة- على تكليف لومومبا بتشكيل ورئاسة الحكومة في يونيو/حزيران 1960، التي أعلنت الاستقلال عن احتلال بلجيكي دام 80 عاما، في 30 يونيو/حزيران من نفس العام.
كانت مقاطعة لومومبا وخطابه اللحظة التي اتخذت فيها بلجيكا قرارا بتصفية الزعيم المحرر
أقيم احتفال لإعلان الاستقلال في اليوم ذاته بحضور شخصيات دولية، من بينهم رئيس وزراء بلجيكا وملكها بودوان.
تقدم رئيس وزراء بلجيكا لإلقاء كلمته فمنعه لومومبا لغياب اسمه عن قائمة المتحدثين، فقام ملك بلجيكا وألقى كلمة قال فيها: "إن بلجيكا ضحت بشبابها وأموال طائلة في تعليم الشعب الكونغولي ورفع مستواه"، محذرا إياه من اتخاذ إجراءات غير مدروسة تؤدي إلى تدمير المدنية التي أقامها البلجيك لهم.
وعلى الفور قاطع لومومبا ملك بلجيكا بخطاب أطلق عليه خطاب "الدموع والدم والنار"، قائلا: "أيها المناضلون من أجل الاستقلال وأنتم اليوم منتصرون. أتذكرون العبودية التي فرضها علينا المستعمر؟ أتذكرون إهانتنا على مدار عقود لمجرد أننا سود؟ لقد نهبوا ثرواتنا بقوانين وضعوها لحرماننا وإثراء أنفسهم. لقد تعرضنا للرصاص والسجون، وذلك لمجرد أننا نسعى للحفاظ على كرامتنا كبشر".
كانت مقاطعة لومومبا وخطابه اللحظة التي اتخذت فيها بلجيكا قرارا بتصفية الزعيم المحرر. فخلال أيام، أوعزت بلجيكا لحليفها تشومبي بالانفصال بإقليم كاتانغا الغني بمعدن النحاس، الواقع جنوب البلاد.
حاول لومومبا الهرب من معقله، لكن قبض عليه في الطريق مع اثنين من رفاقه، من بينهما نائب رئيس البرلمان
استنجد لومومبا بالاتحاد السوفياتي، الذي خذله، مما اضطره للجوء إلى الأمم المتحدة، التي استجابت لطلبه ظاهريا وأرسلت 200 ألف جندي، ولكن للتدخل ضده في الوقت المناسب.
وبالرغم من أن كازافوبو رئيس الجمهورية كان منصبه شرفيا بلا صلاحيات، فإن بلجيكا أمرته بعزل لومومبا وتجريده من صلاحياته وإقالة الحكومة، بالرغم من معارضة الأغلبية في مجلس الشيوخ.
بادر لومومبا بطلب الحماية من قوات الأمم المتحدة، لكنها تجاهلت طلبه، وبقي وحيدا في ميدان المعركة، فاضطر للجوء إلى معقل أنصاره في شمال البلاد. بيد أن العقيد موبوتو سيسيكو، رئيس أركان الجيش، الذي كان حليفا للومومبا، انقلب عليه بأوامر من السفير البلجيكي وبدعم من الولايات المتحدة.
حاول لومومبا الهرب من معقله، لكن قبض عليه في الطريق مع اثنين من رفاقه، من بينهما نائب رئيس البرلمان. وقام موبوتو بتسليمهم إلى تشومبي، الذي سلمهم بدوره إلى البلجيك.
وفي ليلة 17 يناير/كانون الثاني عام 1961 اقتيد لومومبا ورفيقاه إلى مكان ناءٍ في إقليم كاتانغا، حيث أعدموا رميا برصاص جنود بلجيكيين، وذلك قبل أن يتم تقطيع جسد الزعيم لومومبا ووضعه في حمض الكبريتيك.
وقد قام على تنفيذ هذه المهمة ضابط الشرطة البلجيكي جيرارد سويت، الذي اعترف بجريمته في لقاء تلفزيوني أجري معه عام 1999، وقال إنه احتفظ باثنتين من أسنان لومومبا كتذكار لسنوات عدة، قبل أن يلقيهما في بحر الشمال.
في غفلة من القوات المحاصرة، قامت قوة مصرية بتهريب أبناء لومومبا في السيارة الجيب، وتوجهت بهم إلى مبنى شركة النصر للاستيراد والتصدير في الكونغو
جوليان نجلة الرئيس الراحل لومومبا تحكي لي: كيف قام إسحاق، رجل المخابرات المصري، والشاذلي، قائد القوات الخاصة المصرية، بإنقاذ العائلة من مذبحة البلجيك؟
كانت قوات موبوتو قد حاصرت منزل لومومبا قبل هربه واعتقاله، مما دفع عبد العزيز إسحاق- وكان مسؤولا في المخابرات العامة المصرية في أفريقيا، ومركزه الكونغو، وكان صديقا شخصيا للومومبا- إلى زيارة الزعيم الكونغولي في منزله في بداية عام 1961.
قام إسحاق بهذه الزيارة مستخدما سيارة جيب تابعة للأمم المتحدة، بمساعدة من العقيد سعد الدين الشاذلي، قائد الفرقة المصرية المشاركة في قوات الأمم المتحدة، والذي أصبح فيما بعد رئيس أركان الجيش المصري الأشهر في حرب الاستنزاف وحرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973.
وفي غفلة من القوات المحاصرة، قامت قوة مصرية بتهريب أبناء لومومبا في السيارة الجيب، وتوجهت بهم إلى مبنى شركة النصر للاستيراد والتصدير في الكونغو -إحدى شركات جهاز المخابرات العامة- حيث تم تسجيل الأطفال على جواز سفر مزور لعبد العزيز إسحاق، على أنه متزوج من أفريقية، ومن ثم فهؤلاء أبناؤه.
وبصفته قائد إحدى الفرق الرئيسية في قوات الأمم المتحدة، قام سعد الدين الشاذلي بوضع وحدتين من القوات الخاصة المصرية في المطار لتأمين هروب إسحاق بأبناء لومومبا مهما كانت العواقب.
عاش أبناء لومومبا في مصر تحت رعاية رئاسة الجمهورية، حتى قام لوران كابيلا بخلع موبوتو سيسيكو عام 1996، ليعود أبناء لومومبا إلى وطنهم
في المطار، وقف ضابط الجوازات يدقق في جواز سفر عبد العزيز إسحاق وقد تملكه الشك، فقال: "مستحيل أن يكون هؤلاء أولاد هذا الرجل"، وطلب رؤيتهم قبل صعودهم إلى الطائرة. فرد عليه عبد العزيز إسحاق بأن الأولاد نائمون، ولن يسمح بإيقاظهم لمجرد شكوك سخيفة.
كان إسحاق يتحدث بثقة كبيرة، وحوله ضباط مصريون، مما أربك الضابط الكونغولي، وسمح لهم بالصعود على الطائرة التي حطت في الجزائر، قبل أن تطير إلى برشلونة في إسبانيا، ومنها إلى سويسرا، ثم إلى القاهرة.
وعاش أبناء لومومبا في مصر تحت رعاية رئاسة الجمهورية، حتى قام لوران كابيلا بخلع موبوتو سيسيكو عام 1996، ليعود أبناء لومومبا إلى وطنهم، ولتتولى كبرى بناته جوليان منصبا وزاريا رفيعا، ولكي تقص لي هذه الدراما في الكونغو عام 2000 بكل تفاصيلها، التي أجملتها في خطوطها العريضة فقط.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

