- بيبرس والمستنصر بالله: جدل الشرعية بعد سقوط بغداد بيد المغول
عندما سقطت بغداد سنة 656هـ على يد المغول، بدا وكأن صفحة الخلافة العباسية قد طويت إلى الأبد. قتل الخليفة المستعصم بالله، وأبيد معظم من في القصر، وساد اعتقاد واسع بأن نسل العباسيين قد انقطع. غير أن التاريخ سيسجل فصلا غريبا في القاهرة بعد ثلاث سنوات، حيث استقبل السلطان الظاهر بيبرس رجلا يدعى أحمد بن عبد الله، ادعى أنه ابن الخليفة المقتول، ليبايع بلقب "المستنصر بالله".
هذه الحادثة لا تهم المؤرخين وحدهم، بل تطرح سؤالا أعمق عن كيفية تشكل الشرعية السياسية في لحظات الانهيار الكبرى: هل كان هذا الرجل عباسيا حقا، أم كان "صناعة سياسية" لترسيخ عرش المماليك؟
الرواية التي تبنتها الدولة المملوكية تقول إن أحمد بن المستعصم كان مريضا في البيمارستان العضدي وقت المذبحة، ثم اختفى خوفا من التتبع
لغز الناجين و"شهادة الصمت" لابن الفوطي
تجمع المصادر التي عاصرت نكبة بغداد على أن المذبحة كانت شاملة. والمثير للشك أن المؤرخين الذين سجلوا تفاصيل البيت العباسي بدقة لم يذكروا وجود ابن نجا يدعى أحمد.
وهنا تبرز شهادة الصمت الأقوى: ابن الفوطي، المؤرخ البغدادي الشهير وخازن كتب المدرسة المستنصرية، الذي كان شاهد عيان على السقوط، وأسر على يد المغول ثم اتصل بوزيرهم نصير الدين الطوسي.
ابن الفوطي، الذي يعد من أعلم الناس بالأنساب العباسية وأسماء الأمراء، لم يشر في تاريخه إلى نجاة ابن للمستعصم بهذا الاسم، وهو صمت يعد في علم النقد التاريخي "دليلا بالترك"، فلو كان للمستعصم ابن حي لكان ابن الفوطي أول من يعلم به وبمصيره.
رواية البيمارستان: نجاة أم ذريعة؟
الرواية التي تبنتها الدولة المملوكية تقول إن أحمد بن المستعصم كان مريضا في البيمارستان العضدي وقت المذبحة، ثم اختفى خوفا من التتبع، إلا أن كبار المؤرخين تعاملوا مع هذه الرواية بحذر وريبة.
- الإمام الذهبي: كان من أكثر المشككين، حيث ذكر في "سير أعلام النبلاء" أن دعوى نسبه لم تكن قوية، وألمح إلى أن الشهادات التي قدمت له كانت "سياسية" وتحت تأثير السلطة.
- ابن كثير: أشار في "البداية والنهاية" إلى أن قضية النسب كانت محفوفة بالشكوك، وأن المبايعة تمت برغبة سلطوية لتثبيت حكم المماليك.
- القطب الحلبي: ذكر بوضوح أن الكثيرين في عصره كانوا يتندرون على هذا النسب ويرون فيه حيلة سياسية.
عبقرية بيبرس والحاجة إلى الشرعية
كان الظاهر بيبرس سياسيا عبقريا، أدرك أن ملكه الذي انتزعه بقوة السيف بعد مقتل قطز يحتاج إلى صبغة روحية. فالمماليك، في نظر الفقهاء والعامة، هم "عبيد محررون"، ولا حق لهم في الحكم وفق الشروط التقليدية للخلافة.
لذا، كان العثور على خليفة عباسي يمثل "شرعية سياسية" لبيبرس لتحقيق أهدافه، حيث قام الخليفة بمنح بيبرس "تفويضا" شرعيا بلقب (قسيم أمير المؤمنين).
الزعامة الإقليمية: تصبح القاهرة "بغداد الجديدة" والمركز الروحي للعالم الإسلامي.
قطع الطريق على المنافسين: سارع بيبرس لاحتضان المستنصر ليمنع أمراء الشام من استخدام ورقة العباسيين ضده.
بعد أن نال بيبرس الشرعية واللقب، لم يبقَ المستنصر في القاهرة طويلا. أرسله بجيش صغير وضعيف لاستعادة بغداد، وهي مهمة انتحارية أمام جحافل المغول
صراع المستنصرين ورؤية ابن خلدون
ما يضعف رواية مستنصر القاهرة هو ظهور رجل آخر في حلب يدعى "أبو العباس أحمد" يدعي النسب العباسي أيضا، وتلقب بـ"الحاكم بأمر الله". هذا التضخم في عدد الخلفاء المفاجئين يؤكد ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته، حين حلل تهافت "المدعين" عند سقوط الدول، معتبرا أن الأنساب في تلك الفترات تصبح وسيلة للوصول إلى الجاه والسلطان، وغالبا ما تصنع لتلبية حاجات سياسية.
النهاية المريبة: التخلص من العبء
بعد أن نال بيبرس الشرعية واللقب، لم يبقَ المستنصر في القاهرة طويلا. أرسله بجيش صغير وضعيف لاستعادة بغداد، وهي مهمة انتحارية أمام جحافل المغول. وبالفعل، اختفى المستنصر في أول مواجهة، ولم يسمع له خبر.
يرى المحللون أن بيبرس حقق هدفه؛ نال الشرعية من "الخليفة"، ثم تخلص من عبء وجوده المادي الذي قد ينازعه السلطة لاحقا، ليبقى منصب الخليفة في القاهرة مجرد منصب شرفي "تحت الوصاية".
الخلاصة
لا يملك الباحث اليوم دليلا قاطعا يثبت نسب المستنصر العباسي. فصمت ابن الفوطي، وريبة الذهبي وابن كثير، وتحليلات ابن خلدون، كلها تشير إلى أننا أمام "صناعة رمزية".
إن التشكيك في نسب المستنصر ليس طعنا عبثيا، بل قراءة واعية لكيفية صناعة الرمز في الأزمات؛ حيث استطاع دهاء بيبرس أن يبعث الخلافة من مرقدها ليثبت عرشه، حتى لو ظل هذا النسب محل سؤال لم تحسمه الوثائق، بل حسمته موازين القوى السياسية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

