إن التصعيد الأخير والهجوم الأميركي على فنزويلا، وما خلفه من تداعيات متباينة، هو نتيجة للأزمة الطويلة بين البلدين، التي تعود بالأساس إلى الخلافات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية.
فلا يمكن فهمها بمعزل عن سياق تاريخي ممتد، ارتبط بصعود مشروع سياسي فنزويلي مناهض للهيمنة الأميركية، وما خلفه من تحولات عميقة في تموضع فنزويلا الإقليمي والدولي، وهو ما تنظر إليه الولايات المتحدة الأميركية باعتباره تهديدا مباشرا لمكانتها كقوة مهيمنة في المنطقة والعالم.
واشنطن تتخذ قضية المخدرات ذريعة للضغط والتدخل. حيث تصاعدت التوترات مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في البحر الكاريبي، وإعلان فنزويلا التعبئة الوطنية الشاملة
جذور الأزمة
تعود جذور الخلاف الأميركي الفنزويلي إلى نهاية التسعينيات، مع صعود الرئيس السابق "هوغو شافيز" ذي التوجه اليساري والمناهض للهيمنة الأميركية، إلى حكم فنزويلا. حيث عمل على تأميم الموارد الطبيعية للبلاد، وجعلها خاضعة للسيادة الوطنية بعيدا عن الهيمنة الخارجية.
وأصبحت الموارد الطبيعية، وخصوصا النفط، أداة مرتبطة بتوجهات السياسة الجديدة، ومحددا للتموقع الخارجي للبلاد.
وعرف "شافيز" بمواقفه المناهضة للسياسة الأميركية وهيمنتها على العالم، إذ كان داعما كبيرا للرئيس الكوبي السابق "فيدل كاسترو"، وكانت تربطه علاقة وثيقة بكل من الصين، وروسيا، وإيران. مما جعل العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية تعرف توترا كبيرا وصداما أيديولوجيا.
واعتبرت واشنطن أن هذا التحول يشكل خطرا على سياستها في المنطقة وتوازنات القوى في القارة، خوفا من أن يصبح هذا التوجه نموذجا يحتذى به من قبل دول المنطقة. إضافة إلى التحدي الاقتصادي الذي شكله هذا التحول، في ظل الشروط الجديدة المرتبطة بتدفقات النفط نحو أسواقها، وفقدان الامتيازات السابقة.
العقوبات الأميركية
أفضى هذا الأمر إلى نهج الولايات المتحدة سياسة العقوبات تجاه فنزويلا، حيث فرضت في البداية عقوبات على شخصيات وأفراد مرتبطين بالنظام، لتشمل فيما بعد كيانات اقتصادية ومؤسسات حيوية في البلاد.
وأدى هذا الوضع إلى تأثير في سلسلة الإنتاج المرتبطة بالنفط، مما انعكس سلبا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، مع ارتفاع التضخم والبطالة، ودخول البلاد في أزمة اقتصادية خانقة.
ارتفاع حدة التوتر
استمر هذا التوتر الحاد بين البلدين رغم وفاة الرئيس السابق "هوغو شافيز" سنة 2013، وتولي نائبه "نيكولاس مادورو" الحكم. ومع عودة ترامب إلى الحكم في مطلع سنة 2025، وظفر "مادورو" بولاية جديدة في الرئاسة، عرفت العلاقة تصعيدا كبيرا ونهجا أكثر صدامية، مع اتهام الأميركيين لـ"مادورو" بقيادة شبكات لتهريب المخدرات نحو أميركا.
وقامت الولايات المتحدة باستهداف عدد من القوارب الفنزويلية بتهمة تهريب المخدرات، رغم أن تقرير الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) يوضح أن فنزويلا لا تعتبر من الدول الرئيسية المنتجة للمخدرات مقارنة بدول المنطقة.
وهذا ما يؤكد أن واشنطن تتخذ قضية المخدرات ذريعة للضغط والتدخل. حيث تصاعدت التوترات مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في البحر الكاريبي، وإعلان فنزويلا التعبئة الوطنية الشاملة. ووصل الأمر إلى الهجوم العسكري على فنزويلا واختطاف رئيسها "نيكولاس مادورو" وعقيلته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة الأميركية من أجل محاكمتهما.
الأزمة الفنزويلية الأميركية تتجاوز كونها خلافا ثنائيا عابرا، لتجسد صراعا جيوسياسيا عميقا بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى الحفاظ على الهيمنة الإقليمية وفق عقيدة مونرو، ومشروع يطمح إلى تكريس السيادة الوطنية والانفتاح على قوى دولية بديلة
الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية
يعكس هذا الهجوم الأميركي الأخير على فنزويلا توجها أميركيا نحو توسيع عقيدة "مونرو"، التي ترتكز على منع وجود أي قوى خارجية في القارة الأميركية. ويتماشى هذا التوجه تماما مع إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي تعتبر أن الشق الغربي من العالم يجب أن يكون فضاء حصريا للنفوذ الأميركي، وهو ما يجعل دول أميركا اللاتينية بمثابة حديقة خلفية للولايات المتحدة الأميركية.
وقد أكد الرئيس الأميركي ترامب هذا التوجه في تعليقه على العملية العسكرية في فنزويلا واختطاف رئيسها، إذ هدد كلا من الرئيس الكولومبي "غوستافو بيترو" ذي التوجه اليساري والمناهض للهيمنة الأميركية، متهما إياه بالتورط في إنتاج الكوكايين، إضافة إلى كوبا، العدو التقليدي للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وكذلك المكسيك التي يعتبرها ممرا للمخدرات نحو أميركا.
ولم يستبعد إمكانية تدخل أميركي لحل هذه "المشاكل"، وهو ما يوضح أن الولايات المتحدة ماضية في حسم الصراع مع دول المنطقة، ولن تسمح بوجود أي تهديد لسياساتها، أو ولاءات مناوئة، أو ارتباطات بقوى دولية منافسة.
إلى جانب ذلك، هناك أبعاد اقتصادية محضة لهذا الهجوم، إذ تتوفر فنزويلا على ثروات طبيعية كبرى؛ فهي تقع فوق أكبر احتياطي للنفط في العالم، يقدر بنحو 300 مليار برميل، ما يمثل قرابة 20% من احتياطات العالم، إضافة إلى رابع أكبر احتياطي للغاز الطبيعي عالميا، يقدر بحوالي 6 تريليونات متر مكعب.
وتمثل هذه الثروات عاملا جذابا للولايات المتحدة الأميركية، بالنظر إلى قربها الجغرافي، وقدرتها على تلبية جزء من احتياجات السوق الأميركية، فضلا عن إتاحة التحكم في سلسلة الإنتاج وخطوط التصدير، في ظل تنامي الحضور الصيني بوصفه أحد أبرز مستوردي النفط الفنزويلي.
في ضوء ما سبق، يتضح أن الأزمة الفنزويلية الأميركية تتجاوز كونها خلافا ثنائيا عابرا، لتجسد صراعا جيوسياسيا عميقا بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى الحفاظ على الهيمنة الإقليمية وفق عقيدة مونرو، ومشروع يطمح إلى تكريس السيادة الوطنية والانفتاح على قوى دولية بديلة، في سياق دولي يتسم بتصاعد التنافس على النفوذ والموارد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

