- موجز مكثف لعام مضى -وفي رواية أخرى- رسالة فيما لا يعول عليه
ربما على المرء، بين كل فينة وأخرى، أن ينظر إلى الأحداث في حياته بوصفها فهرسة لكتاب ما. يقول محمود شاكر: «مفتاح كل كتاب فهرس، فاقرأ الفهرس قبل كل شيء»، ولتكن كلماتنا هذه محاولة للظفر بمفاتيح هذا العام. وأنا هنا أحاول صياغة هذا الفهرس، لعلّي أفيد به غيري، أو علّ تائها يقرأ كلماتي، فتندلع «القصيدة في قلبه بغتة» ويجد السبيل نحو إلهامه.
وهي فهرسة شخصية تمثل خلاصة ما تعلمته خلال العام. لكن، ونحن نعيش في سياق واحد، وتحت ظروف واحدة، ونتأثر جميعنا يوميا بما يرد علينا من مدخلات ومؤثرات، هل سيظل ثمة فرق بين الشخصي وغيره؟ وعلى سبيل رسالة «ما لا يعول عليه» لمحيي الدين بن عربي، فكل تجربة شخصية، في وقتنا الحالي، لا تجد فيها بعض الانعكاس من ذاتك، لا يعول عليها.
الذين يقتنعون أن السعادة مفهوم دائم أصبحوا يبحثون عنها من خلال اللذة، وحين وصلوا إلى أقصاها زادت مطالبهم أكثر، ثم ختموا مسارهم باللاجدوى
أول ما تعلمته، يا عزيزي، أن لا شيء سوى ما نعرفه في تمثلاته المتعددة. طريق الحرية ما زال طويلا جدا، وما زلنا كما نحن، تتخطفنا الأحداث هنا وهناك، وتسير بنا الانفعالات أمتارا معدودة لتعيدنا إلى مكاننا الأول. فورات مؤقتة، تحدث جعجعة صاخبة ثم تخمد دفعة واحدة.
«كائن يعتاد كل شيء»؛ هذا هو الإنسان كما يقول دوستويفسكي، وشيئا فشيئا يعتاد خيباته كذلك، وتصبح أمرا واقعا ومقبولا. ما أريد قوله أن الأثر الحقيقي يأتي بعد اطراد طويل، وضمن أرضية صلبة، تتراكم فيها كل الأسس والخبرات لتنتج الفعل كما يليق به أن يكون. الانفعالات لا تخلق الأفعال، يا صاحبي، وكل انفعال يراد به طول الأثر لا يعول عليه.
أريد الآن أن أطلق حكما جزافيا قد يكون قاسيا، ولكنه حقيقي: أننا في الواقع محكومون بالألم، بل لعل هذه الدنيا كلها تقوم عليه. أذكر مرة أخرى ما سئل عنه الإمام الشافعي: «أيما أفضل للرجل أن يمكّن أو أن يبتلى؟»، فأجاب: «لا يمكن حتى يبتلى، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة».
أيام طويلة من التأمل أوصلتني إلى أن مفهوم السعادة مجرد نموذج مثالي. هناك طمأنينة، أن تواجه العالم كله بصعوباته ومآسيه، لكنك محمل بطمأنينة ويقين. أما السعادة فلا وجود لها، وإن وجدت فعلى مدى قصير، شأنها شأن كل شيء في هذا العالم.
الذين يقتنعون أن السعادة مفهوم دائم أصبحوا يبحثون عنها من خلال اللذة، وحين وصلوا إلى أقصاها زادت مطالبهم أكثر، ثم ختموا مسارهم باللاجدوى. تسألني: وما الحل إذن؟ وأقول: مواجهته والتعامل معه، بكل بساطة. كل سعادة يراد بها المدى الطويل، لا يعول عليها.
دليل الرحلة لا غنى عنه، يا صاحبي، مهما توهمنا أننا نحقق اكتفاء ذاتيا، وأننا نستطيع تدارك الأمور وحدنا
الأمر الثالث، يا صاحبي، أنه لا مفر للإنسان من المقدس. سيبحث عنه أينما وجد، في أماكنه الصحيحة وأماكنه الخاطئة، وفي كل التجسدات. يعجبني وصف جميل لجون بوسي يقول فيه إن ما نعيشه في عالمنا اليوم هو مجرد «هجرة للمقدس» من الكنيسة إلى الدولة، من الفعل إلى اللافعل، من القبيلة إلى الأنا، من الوضوح إلى اللايقين، من البطء إلى السرعة، من هذا إلى ذاك.
هنا وهناك، لا بد للإنسان من مقدس يتكئ عليه كلما احتاج إلى ذلك. لا بد له أن يشعر بالقوة الخفية، بالعصا السحرية، تجسدا أو تجريدا. يقول عالم الاجتماع الفرنسي الشهير إميل دوركهايم: «مهما كان المجتمع الحداثي علمانيا، فإنه يحوم حول طقوس مماثلة للطقوس الدينية في الغايات والنتائج». دعني إذن أطلق حكما: كل مقدس لا يقودك نحوه، ولا يدلك عليه، لا يعول عليه.
الأمر الرابع عن قباطنة الرحلة. كم مرة نفضتك الحياة نفضا قاسيا، ثم لمحت في عتمة الطريق الموحشة بصيصا من الضوء، كان سببه كلمة من هنا، وتوجيها من هناك؟ المعارف، الغرباء، العلماء، البسطاء، الأصدقاء، الأعداء، كلهم سيتركون لك إشارة، وستستعين بها، وستنجيك من المهالك.
دليل الرحلة لا غنى عنه، يا صاحبي، مهما توهمنا أننا نحقق اكتفاء ذاتيا، وأننا نستطيع تدارك الأمور وحدنا. أيها الناظر وقد حجبت انعكاسات الأنا رؤيته، وهو يظن أن الوصول ثمرة لاجتهاده المحض؛ الطريق تراكمات، ويؤسفني أن أقول، وبصراحة كاملة، سيكون للقباطنة فضل عليك، رغم أنفك. كل طريق لا تستعين فيه بدليل، لا يعول عليه.
الأمر الخامس، ولنكن صرحاء فيه، أن التاريخ يجب أن يصل إلى القاع، أن يفلس، ويخسر، وينحدر. وحين يحدث ذلك، لن تكون نهاية التاريخ كما قال فرانسيس فوكوياما في مقالته الشهيرة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. الإفلاس هو طريق البداية الحقيقية، التي تأتي بعد مخاض طويل، ثم تقطع الصلة بكل أنصاف الوقائع، والطرق الممجوجة والمستهلكة، وتهيئ لقدرة جديدة على البدء. كل بداية لا يسبقها انحدار إلى القاع، لا يعول عليها.
أن نتجرأ على الجنون. ولا أقصد الجنون الانفعالي الذي انتقدته في بداية حديثي، وإنما الجنون الحقيقي، النابع عن شجاعة استثنائية في مواجهة الأحداث، الجنون الضروري لحسم الأمور، وقطع الشكوك باليقين
الآن، ولنعد إلى الجزء المشترك بيننا، إلى الأمنيات. لدي أربع أمنيات مكررة، سأكتبها من جديد.
الأمنية الأولى، أن نكف عن اعتبار حفنة من التراب الفاصل بين أراضينا حدودا حقيقية. أن ننظر إلى المشهد بقليل، قليل فقط، من العقل والبداهة، ونرفض هذا العبث.
الأمنية الثانية تنبع من واقع أن الثورات فرصة تاريخية لا تحدث في كل مرة، وأن المرء يجب أن يكون محظوظا لكي يشهد ثورة في حياته. أريد أنا، ريحان مرغم، أن أكون محظوظة بما يكفي لأشهد اندلاع الثورة، وأكون جزءا منها، شريطة أن تكون هذه الثورة حقيقية بالفعل، وحصيلة فعل تراكمي، ومعدا لها مسبقا. لقد تفتت فؤادي من الثورات التي تحفز وجداننا بشكل متهيج عميق، ثم تفشل وتخمد.
الأمنية الثالثة، أن نتجرأ على الجنون. ولا أقصد الجنون الانفعالي الذي انتقدته في بداية حديثي، وإنما الجنون الحقيقي، النابع عن شجاعة استثنائية في مواجهة الأحداث، الجنون الضروري لحسم الأمور، وقطع الشكوك باليقين.
الأمنية الأخيرة شخصية وشخصية جدا: يود المرء أن ينزوي في بيت بأعلى الجبل، ويرعى الأغنام، ويكمل حياته في هدوء وسلام. وهل يقدر؟
لكن، مهلا، غيرت رأيي. لن أنهي بالأمنيات. سأنهي بحكمة لا تسقط بالتقادم: «إنما يصبرهم على ما جرى علمهم بأنه يرى».
ثم سأرفقها بدعاء، دعاء الجاحظ: عصمك الله من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة وما في الجهل من القلة. آمين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

