العلاقات بين أفغانستان وباكستان: أسباب النزاع وسبل التفاهم

This photograph taken on December 29, 2025 shows a Taliban security personnel standing guard near the zero-point border crossing between Afghanistan and Pakistan at the Spin Boldak district of Kandahar province.
معبر الحدود الفاصل بين أفغانستان وباكستان بولاية قندهار (الفرنسية)

حين تثور لدى بعض الجهات أو الحكومات نزعة لصياغة سرد بطولي، تصبح القضايا في تلك البلاد عصية على الفهم السريع وبعيدة عن الحل الأمثل.

وللأسف، أفغانستان عالقة في مثل هذا المأزق مع باكستان، لأن الجيش الباكستاني لم يشرح أيا من قضاياه، بما فيها القضية الأفغانية، لمواطنيه شرحا حقيقيا يبين أسبابها ونتائجها.

والجيش الباكستاني- كما ينتقده قائد جمعية علماء الإسلام فضل الرحمن- هو دائما المحق والمضطهد في الوقت نفسه، ومن يخالفه لا بد أن يكون مبطلا وظالما دائما.

لذلك، بدلا من البحث عن حل للقضية، وقد صرح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قبل شن الهجمات بأن «أفغانستان عدوة لنا»، ليبرر ما كان جيشه يعتزم القيام به لاحقا.

وبوصفي أفغانيا، أقول بصراحة: إن الأفغان لا ينظرون إلى باكستان بعين العداء، وستظل أفغانستان وباكستان جارتين دائما، لكن حين شنت باكستان في 9 أكتوبر/تشرين الأول عام 2025 غارة جوية على ولاية بكتيكا، منتهكة المجال الجوي الأفغاني، نشأ لأول مرة في نفوس الأفغان شعور بالعداء تجاه الجيش الباكستاني؛ فقد كان ذلك اعتداء واضحا حاول الجيش من خلاله أن يصوغ لنفسه سردا بطوليا زائفا.

منذ قيام باكستان عام 1947، ارتكب جيشها أربعة انقلابات، وكان السبب الرئيس في كل منها هو حاجة المؤسسة العسكرية إلى تأكيد وجودها وعرض مكتسباتها بين الحين والآخر؛ ففي كل عقدين تقريبا يجب أن يذكَر المواطنون بأن المنقذ لباكستان ليس سوى الجيش.

وعلى هذا يفهم أن قائد الجيش، الجنرال عاصم منير، ربما يهيئ لتمديد ولايته أو للانخراط في مخططات تشبه الانقلاب للمرة الخامسة.

ولدت حركة طالبان الباكستانية كرد فعل على الاضطهاد المستمر الذي تعرضت له قبائل البشتون الواقعة على جانبي خط ديوراند: 25 عاما من القصف والهجمات، واستشهاد عشرات الآلاف، وتدمير المدارس، وقتل العلماء

وثمة قرينة بارزة أخرى هي أن علاقات باكستان مع الغرب تبلغ ذروتها في عهود الحكومات العسكرية؛ فالحكومات المدنية لا تستطيع تقديم التعاون بمستوى ما تقدمه الأنظمة العسكرية. لذلك تتكثف المزايادات السياسية والعسكرية عندما يترأس البلاد جنرال، مقارنة بما عليه الحال مع الرئيس المدني.

إعلان

قد تكون لزيارات شهباز شريف وعاصم منير الأخيرة، ولقائهما مع ترامب، آثار سلبية على سلوك الجيش الباكستاني تجاه أفغانستان. وقد انعكست بعض هذه الأصداء داخل باكستان نفسها، إذ بينما كانت الغارات على كابل وقندهار جارية، شهدت باكستان أيضا هجوما دمويا على تظاهرة سلمية ضد إسرائيل نظمتها حركة "لبيك يا رسول الله"، كان الهجوم جزءا من هذه السلسلة، مما أسفر عن مئات الشهداء والجرحى، كما اعتقل مئات المتظاهرين.

في خضم هذه الصراعات، تبرز مسألة أساسية: ما المشكلة الفعلية بين أفغانستان وباكستان، التي أدت إلى احتدام الاشتباكات مؤخرا؟ يرى بعض الناس أن السبب هو قضية خط ديوراند الافتراضي؛ فهل هذا صحيح؟

أولا، مر على خط ديوراند أكثر من 100 عام، أي إنه أقدم من باكستان نفسها. وقبل قيام الإمارة الإسلامية، كانت جميع الحكومات الأفغانية تضع قضية ديوراند في صميم سياساتها العميقة، أما في سياسات الإمارة فلم تكن ديوراند قضية بارزة، غير أن هذه المسألة نبتت من صلب النزاعات الأخيرة، وقد تصير لاحقا إحدى ركائز السياسة الأفغانية تجاه باكستان.

ومع أن الحكومات السابقة اعتبرت خط ديوراند عنصرا مهما في سياساتها، فإنها لم تبلغ حد الاشتباكات الميدانية مع باكستان كما حدث مؤخرا.

ويقول البعض إن هذه الحوادث وقعت لأن وزير خارجية أفغانستان، المولوي أمير خان متقي، كان آنذاك زائرا للهند، وأن الجيش الباكستاني أرسل رسائل على خلفية تلك الزيارة. وهذا أيضا غير دقيق؛ لأن أفغانستان كانت دائما تقيم علاقات مع الهند دون أن يسبب ذلك قلقا بين البلدين بهذا الشكل.

مع دخول الولايات المتحدة إلى المنطقة، عُد الجيش الباكستاني حليفا إستراتيجيا لواشنطن، وكان الجنرال برويز مشرف يفتخر بذلك. وقدمت باكستان للولايات المتحدة خدمتين كبيرتين

كان السيد متقي يريد زيارة إسلام آباد قبل دلهي، لكن مجلس الأمن الدولي خالف تلك الزيارة، ولم تستطع باكستان إقناع المجلس، بينما نجحت الهند في ذلك، فوافق المجلس وتمت الزيارة. لذا، فزيارة متقي للهند كانت عملا روتينيا في إطار إدارة العلاقات الخارجية، وليست سببا لهذا القلق المفرط.

ثم هناك من يقول إن أفغانستان تستضيف عناصر حركة طالبان الباكستانية، وتدعمهم في شن هجمات على الجيش الباكستاني. وهذا أيضا لا يبدو منطقيا؛ فحركة طالبان الباكستانية تأسست قبل نحو عشرين عاما، وبدأت هجماتها في وقت كانت فيه الولايات المتحدة وقوات الاحتلال موجودة في المنطقة بقوة. فأين كانت هذه الحركة تنظم عملياتها من قبل؟ ومن أين جاءت تلك الضربات الواسعة؟

وفي ضوء هذه الوقائع، أشير إلى نقطة خاصة: لم تبحث أسباب نشوء حركة طالبان الباكستانية داخل باكستان بجدية خلال العقدين الماضيين، إذ أصبحت مناقشة تلك الأسباب ضحية للسرد الذي يمارسه الجيش الباكستاني.

مع دخول الولايات المتحدة إلى المنطقة، عُد الجيش الباكستاني حليفا إستراتيجيا لواشنطن، وكان الجنرال برويز مشرف يفتخر بذلك. وقدمت باكستان للولايات المتحدة خدمتين كبيرتين:

  • أولا: استخدمت قواعدها الجوية لإطلاق الغارات على أفغانستان، وكانت خطوط الإمداد للغزاة تمر عبر أراضيها.
  • ثانيا: قصفت القبائل البشتونية القريبة من خط ديوراند تحت شعار "إنقاذ باكستان"، ثم أديرت الحروب ضد تلك القبائل بأجندة محلية. في تلك الحقبة، رفع مشرف شعاره المزيف "باكستان أولا"؛ وهكذا صار تدمير أفغانستان وإشعال الصراعات داخل باكستان والمناطق البشتونية جزءا من مبدأ "اختيار أهون الشرين" وفق تلك الحسابات.
إعلان

ولدت حركة طالبان الباكستانية كرد فعل على الاضطهاد المستمر الذي تعرضت له قبائل البشتون الواقعة على جانبي خط ديوراند: 25 عاما من القصف والهجمات، واستشهاد عشرات الآلاف، وتدمير المدارس، وقتل العلماء، وهدم المنازل، والإذلال اليومي. كما تأسست أيضا حركة "إنقاذ البشتون" السلمية بقيادة منظور بشتين، التي هي ثمرة تلك المعاناة والظلم.

وليس غريبا أن تقابل مطالب هذا الحراك السلمي بالحصار والقمع؛ فجيش باكستان يخاف من الكلمة بمقدار خوفه من الرصاصة، إنه يضطهد هذا الحراك؛ يستشهد أفراده، وتختفي أسرهم قسريا، وتحرق بيوتهم وتنتهك كرامتهم، وحتى يعتقل الأطفال والنساء.

ينبغي لباكستان أن تطلق نقاشات وطنية عميقة لتحديد علل هذه الحرب، وأسباب استمرارها، وهل هي في تراجع أم تتقد نارها يوما بعد يوم؟

هذه هي الأسباب الجذرية التي قامت عليها حركة طالبان الباكستانية وظلت قائمة بذاتها؛ وبدلا من أن يفتح في باكستان نقاش داخلي عميق حول أسباب الحرب وسبل إيقافها، يصرف التركيز إلى مسائل ثانوية أو جانبية. وما دامت لم تعالج أسباب الحرب داخليا في باكستان، فإن نقاشات اللجوء أو الدعم الخارجي لن تجدي نفعا.

ينبغي لباكستان أن تطلق نقاشات وطنية عميقة لتحديد علل هذه الحرب، وأسباب استمرارها، وهل هي في تراجع أم تتقد نارها يوما بعد يوم؟ أما القاطنون على جانبي خط ديوراند، فهم أبناء عمومة تجمعهم صلات رحم لا تنقطع، فهل يستطيع أحد أن يفصل قرابتهم أو يغير أنماط عيشهم ومقاصد حياتهم؟

بإمكان كل طرف أن يحدد أسباب الحرب بدقة ويدرسها، ليستنتج منها حلولا لوقف النزاع بين البلدين. ويذكر هنا أن الجيش الباكستاني قد أحبط جميع محاولات التفاوض بين السياسيين الباكستانيين وحركة طالبان الباكستانية، لأنه يتصرف وكأن باكستان ملك شخصي له، لا دولة تمتلك جيشا يخدمها ويحميها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان