هل تنجح إسرائيل في تفتيت الضفة؟

جنود الاحتلال يعبثون في منزل بالضفة الغربية _ رويترز
جنود الاحتلال يعبثون في منزل بالضفة الغربية (رويترز)

"ليست الضفة الغربية مجرد أرض محتلة، بل خريطة ممزقة يراد لها أن تتحول إلى إمارات صغيرة بلا سيادة ولا مستقبل".

في قلب الضفة الغربية، حيث تتناثر المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، يتشكل مشهد جغرافي وسياسي فريد في قسوته. مدن محاصرة بالجدران الإسمنتية، قرى مفصولة بالحواجز العسكرية، وطرق تتحكم بها نقاط التفتيش والمستوطنات.

تبدو الضفة الغربية بهذا الواقع خريطة ممزقة تحكمها المعازل، كأنها فسيفساء من "إمارات صغيرة" لا يجمعها رابط سوى أنها خاضعة للاحتلال.

هذا المشهد ليس طارئا ولا نتاج صدفة، بل ثمرة رؤية إسرائيلية مدروسة تهدف إلى تفكيك وحدة الأرض والشعب، وتحويل الفلسطينيين إلى جزر سكانية معزولة يسهل ضبطها والسيطرة على مستقبلها.

 تريد إسرائيل الأرض دون السكان، والسيادة دون المسؤولية، فتعمل على تفكيك التجمعات وتحويلها إلى وحدات صغيرة غير قابلة للحياة كدولة

من الجغرافيا إلى السياسة

إسرائيل لا ترى الضفة الغربية كوحدة جغرافية متماسكة، بل كشبكة من الجيوب السكانية. كل مدينة أو بلدة فلسطينية أشبه بجزيرة مغلقة ومحاصرة بالمستوطنات والحواجز.

من جنين شمالا إلى الخليل جنوبا، تتكرر المعادلة ذاتها: تقطيع أوصال السكان وحصرهم في كانتونات منفصلة. وكأن الرسالة الإسرائيلية تقول: "ها هي الضفة الغربية، لكن دون سيادة، بلا استمرارية جغرافية، مجرد إمارات محلية محاطة بسيطرتنا الشاملة".

ذرائع الأمن ومشروع الاستعمار

لطالما قدمت إسرائيل مبرر "الأمن" لتسويغ هذا الواقع. فهي تزعم أن تجميع الفلسطينيين في مناطق مكتظة ومراقَبة أسهل من التعامل مع جغرافيا مفتوحة.

غير أن هذه الذريعة الأمنية ليست سوى قناع يخفي مشروعا أعمق: السيطرة على الأرض والتخلص من العبء الديمغرافي للفلسطينيين. بعبارة أخرى، تريد إسرائيل الأرض دون السكان، والسيادة دون المسؤولية، فتعمل على تفكيك التجمعات وتحويلها إلى وحدات صغيرة غير قابلة للحياة كدولة.

الخرائط تكشف النوايا

من يراجع خرائط الضفة يدرك بوضوح آليات هذا المشروع:

إعلان
  • المنطقة (أ): يعيش فيها الفلسطينيون تحت إدارة السلطة، لكنها عمليا محاطة بالمنطقة (ج) الخاضعة لإسرائيل، ما يجعلها أشبه بجيوب محاصرة.
  • المنطقة (ب): ذات الإدارة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية المشتركة، وتُستخدم كأداة ضغط متواصل على الحياة اليومية.
  • المنطقة (ج): وتشكل أكثر من 60% من الضفة، وتُستغل لتوسيع المستوطنات وشق الطرق الالتفافية والسيطرة على الموارد.

بهذا الشكل، لا تبقى المدن الفلسطينية سوى جزر متناثرة مرتبطة بخيوط هشة من طرق تقطعها الحواجز العسكرية. كل مدينة أو بلدة تتحول إلى "إمارة" محاصرة بمحيط استيطاني ومراقَبة مستمرة.

الحياة الاجتماعية والاقتصادية اليومية تأثرت؛ فالانتقال من مدينة إلى أخرى صار عملية معقدة تستنزف الجهد والوقت والمال، ما أدى إلى تفكيك الروابط المجتمعية والإنتاجية

اقتصاد مشلول تحت قبضة الاحتلال

انعكاسات هذا المشروع لا تقتصر على الجغرافيا، بل تمتد إلى الاقتصاد الفلسطيني الذي بات أسيرا لسياسات الاحتلال.

فإسرائيل تتحكم عمليا بمفاصل الاقتصاد، من المعابر إلى الموارد وحتى السياسات المالية. أموال الضرائب الفلسطينية (المقاصة) التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة تحولت إلى أداة ابتزاز سياسي؛ تُحتجز حين تشاء، وتُفرج جزئيا وفق شروط، لتبقى السلطة رهينة القرار الإسرائيلي.

  • الاقتصاد الفلسطيني يعاني من التفتت ذاته: لا سوق موحدة، ولا قدرة على التنقل الحر للبضائع أو العمال. الزراعة محاصَرة بمصادرة الأراضي وشح المياه، فيما الصناعة مشلولة بفعل القيود على الاستيراد والتصدير. الشركات الناشئة والمبادرات المحلية تواجه صعوبات في النمو، لأن الاحتلال يفرض قيودا على التكنولوجيا والاتصالات والبنية التحتية.

حتى الحياة الاجتماعية والاقتصادية اليومية تأثرت؛ فالانتقال من مدينة إلى أخرى صار عملية معقدة تستنزف الجهد والوقت والمال، ما أدى إلى تفكيك الروابط المجتمعية والإنتاجية. كل "إمارة فلسطينية" باتت مضطرة للتكيف مع شروط حصارها الخاص، في مشهد يفرغ الاقتصاد الوطني من معناه، ليصبح اقتصادا مراقبا وموجها وفق الإرادة الإسرائيلية.

 الفلسطيني يرى الأرض كلّها امتدادا لحقه التاريخي، لا خطوطا متقطعة على خرائط الاحتلال

أوسلو وبذور التشظي

ما نشهده اليوم ليس منفصلا عن اتفاق أوسلو. فقد قسم الاتفاق الضفة إلى مناطق (أ، ب، ج)، وفتح الباب أمام إسرائيل لاستغلال هذا التقسيم لترسيخ مشروع "الإمارات الفلسطينية".

السلطة الفلسطينية وُلدت كجهاز إداري لهذه الجيوب، بلا سيادة حقيقية أو سيطرة على الحدود والمعابر. إسرائيل استثمرت هذا الواقع لتعميق التفتت وربط كل مدينة أو قرية فلسطينية بالاحتلال أكثر مما تربطها بجوارها الفلسطيني.

وأد الدولة قبل ولادتها

هكذا تسعى إسرائيل إلى وأد فكرة الدولة الفلسطينية في مهدها. فكيف يمكن لدولة أن تنشأ من جزر مقطعة الأوصال، بلا وحدة جغرافية أو اقتصادية؟

حين يتحدث العالم عن "حل الدولتين"، ترد إسرائيل بواقع ميداني يقول: إسرائيل الكبرى تسيطر على الأرض، فيما الفلسطينيون محشورون في "إمارات" عاجزة عن الاستقلال.

صمود يتحدى الخرائط

مع كل ما تفرضه إسرائيل من جدران وأسوار وحواجز، يبقى الفلسطيني أكبر من أن يُختزل في كانتون أو إمارة معزولة. من جنين إلى نابلس، ومن رام الله إلى الخليل، يتجلى الوعي الجمعي في صور المقاومة الشعبية والمسلحة، وفي الإصرار اليومي على التمسك بوحدة الضفة كوطن واحد لا يتجزأ.

إعلان

الفلسطيني يرى الأرض كلّها امتدادا لحقه التاريخي، لا خطوطا متقطعة على خرائط الاحتلال. هكذا يكتب معادلة الصمود: الأرض لنا، والاحتلال عابر مهما طال الزمن.

تستطيع إسرائيل أن ترسم الخرائط كما تشاء، وتبني الجدران والأسوار كما تشاء، لكن التاريخ والجغرافيا، ومعهما إرادة الشعب، تظل أكبر من أن تُختزل في "إمارات محاصرة"

بين المشروع والواقع

إن مفهوم "الإمارات الفلسطينية" يكشف بدقة كيف تنظر إسرائيل إلى الضفة: ليس كوطن لشعب يطالب بالحرية، بل كخريطة من جزر معزولة يسهل التحكم بها. لكن الواقع يثبت أن هذا المشروع، مهما بدت هندسته محكمة، يواجه تحديا مستمرا من صمود الفلسطيني وإصراره على البقاء.

في النهاية، تستطيع إسرائيل أن ترسم الخرائط كما تشاء، وتبني الجدران والأسوار كما تشاء، لكن التاريخ والجغرافيا، ومعهما إرادة الشعب، تظل أكبر من أن تُختزل في "إمارات محاصرة".

فالضفة الغربية ليست فسيفساء عشوائية، بل قلب فلسطين النابض الذي يرفض أن يتحول إلى كانتونات بلا روح أو مستقبل.

وهنا تكمن الحقيقة الجوهرية: ما بين الخرائط الإسرائيلية والصمود الفلسطيني، يتحدد مستقبل القضية؛ إما أن يكون كانتونات محاصرة أو وطنا واحدا موحّدا لا يقبل القسمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان