قافلة من برشلونة تكسر حصار غزة

Global Sumud Flotilla, a humanitarian expedition to Gaza, led by activists including Greta Thunberg, departs from the port of Barcelona, Spain August 31, 2025. REUTERS/Bruna Casas
سفن أسطول الصمود العالمي غادرت ميناء برشلونة متجهة إلى غزة (رويترز)

في صباح يوم الأحد، آخر أيام شهر أغسطس/آب، انطلقت قافلة الصمود العالمية لكسر حصار غزة من ميناء برشلونة الإسباني متجهة نحو القطاع المحاصر، مرورا بتونس، وهي تضم 24 سفينة مختلفة الأحجام.

لم يكن هذا المشهد مجرد تحرك بحري عابر، بل فعلا إنسانيا وسياسيا يحمل رسالة قوية إلى العالم، ويعكس ضميرا عالميا يرفض الاستسلام أمام جرائم الاحتلال الإسرائيلي والحصار الظالم المفروض على أكثر من مليوني إنسان منذ ما يزيد على 17 عاما.

الرحلة حملت على متنها وفودا من دول عديدة، شارك فيها سياسيون ونشطاء وصحفيون وأطباء ومتطوعون، جميعهم اتحدوا حول هدف واحد: المشاركة في الحملة العالمية للصمود، والمساهمة في كسر الحصار عن غزة، ونقل الأدوية والمساعدات الإنسانية إلى شعب يواجه حرب إبادة شاملة.

ومن بين المشاركين نواب من برلمانات أوروبية عدة، أحدهم نائب بولندي، إضافة إلى عشرات النشطاء، في تأكيد جديد على أن قضية فلسطين لم تعد شأنا إقليميا يخص العرب وحدهم، بل باتت قضية عالمية تخص كل إنسان يؤمن بالحرية والعدالة.

مشاركة نواب برلمانيين لدول مختلفة، إلى جانب نشطاء من أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، تؤكد أن قضية فلسطين تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة، لتصبح قضية أخلاقية وإنسانية تخص كل إنسان حر

انطلاق هذه القافلة الإنسانية يأتي بعد مرور سنتين داميتين من حرب شاملة شنها جيش الاحتلال بقيادة المجرم بنيامين نتنياهو، وبدعم أميركي سياسي وعسكري ومالي غير محدود، وبصمت عربي مخزٍ يصل حد التواطؤ.

خلال هذين العامين، تعرض قطاع غزة لأبشع صور التدمير، حيث شُنت آلاف الغارات الجوية والاقتحامات البرية، واستُهدفت المستشفيات والمدارس والمخيمات، ودُمرت البنية التحتية من كهرباء ومياه وصرف صحي.

والأخطر من ذلك كله هو سياسة التجويع التي فرضها الاحتلال على سكان غزة؛ فمنْع دخول الغذاء والدواء والوقود حوّل القطاع إلى سجن كبير بلا منافذ حياة، واستشهد العشرات من الأطفال؛ بسبب الجوع ونقص الحليب والأدوية، فيما توقفت المستشفيات عن تقديم أبسط الخدمات الطبية. إنها جريمة إبادة بطيئة لا تقل وحشية عن القنابل والصواريخ.

إعلان

ورغم كل ذلك، فإن رسالة هذا الأسطول واضحة: العالم لم يصمت كله! فمنذ 2008 شهدنا محاولات متكررة لأساطيل الحرية التي حاولت كسر الحصار على غزة، وبعضها تعرض لاعتداءات عسكرية إسرائيلية، كما حدث مع أسطول الحرية عام 2010 حين ارتكب الاحتلال مجزرة على متن السفينة "مافي مرمرة"، لكن هذه المبادرات لم تتوقف.

واليوم، يأتي أسطول الصمود ليؤكد أن هناك أصواتا حرة في العالم ما زالت ترفض الاستسلام أمام الظلم.. مشاركة نواب برلمانيين من دول مختلفة، إلى جانب نشطاء من أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، تؤكد أن القضية الفلسطينية تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة، لتصبح قضية أخلاقية وإنسانية تخص كل إنسان حر.

قد يواجه أسطول الصمود اعتراضا عسكريا إسرائيليا كما حدث في تجارب سابقة، وقد يُمنع من الوصول إلى شواطئ غزة، لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة ليست فقط في إيصال المساعدات، بل في إيصال الصوت الفلسطيني إلى العالم

وإذا كان العالم يشهد اليوم تواطؤا رسميا من أنظمة عربية اختارت الصمت المذل، أو حتى التطبيع مع الاحتلال، في وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لأبشع صور القتل والتدمير؛ فإن الشعوب أثبتت أنها أكثر وعيا والتزاما بالقيم.

المظاهرات التي خرجت في العواصم العربية والإسلامية والعالمية كانت الدليل الأقوى على أن فلسطين لا تزال حية في وجدان الشعوب، وأن دماء الشهداء لم تذهب هدرا. لقد أثبتت هذه المرحلة أن الرهان الحقيقي لم يكن يوما على الأنظمة، بل على الأحرار الذين يرفعون أصواتهم رغم كل القيود.

الصمود في غزة بات ملحمة إنسانية بكل معنى الكلمة! ورغم حجم الدمار غير المسبوق والمجازر المتكررة، فإن الشعب الفلسطيني يُثبت يوما بعد يوم أنه شعب لا يُهزم.

في ظل القصف والجوع، ما زالت الحياة تنبض؛ فالأطفال يتعلمون في خيام مؤقتة، والأطباء يُجرون العمليات الجراحية في ظروف تكاد تكون مستحيلة، والأسر تقتسم لقيمات الخبز القليلة بروح من التضامن والإيمان.

هذا الصمود البطولي كان الملهم لإطلاق اسم أسطول الصمود على هذه الحملة؛ فهي ليست مجرد سفن تحمل مساعدات، بل هي رمز لعزيمة شعب يقاوم الإبادة ويثبت وجوده كل يوم.

انطلاق الأسطول من برشلونة لم يكن صدفة، فإسبانيا شهدت خلال السنوات الأخيرة مظاهرات حاشدة تضامنا مع غزة، ورفعت بلدية برشلونة صوتها عاليا ضد الاحتلال، وقطعت علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي.

المشاركة الأوروبية الواسعة في هذا الأسطول تؤكد أن الشعوب الأوروبية أكثر وعيا وإنسانية من حكوماتها، التي غالبا ما تنحاز لإسرائيل تحت ضغوط أميركية. من باريس إلى وارسو، ومن كوبنهاغن إلى برلين، هناك حراك مدني وشعبي متزايد يرفض استمرار الحصار ويطالب بإنهاء الجرائم الإسرائيلية.

قد يواجه أسطول الصمود اعتراضا عسكريا إسرائيليا كما حدث في تجارب سابقة، وقد يُمنع من الوصول إلى شواطئ غزة، لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة ليست فقط في إيصال المساعدات، بل في إيصال الصوت الفلسطيني إلى العالم.

كل خبر يُنشر عن هذا الأسطول، وكل صورة لعلم فلسطيني يرفرف على متن سفينة في البحر المتوسط، أيا كان الأمر، هو انتصار صغير على ماكينة الدعاية الصهيونية، التي تحاول شيطنة الفلسطينيين وتجريدهم من إنسانيتهم.

أسطول الصمود ليس النهاية، بل هو بداية لمسار نضالي طويل؛ فما دام الحصار مستمرا فستبقى السفن تبحر، والوفود تتحرك، والشعوب تهتف

إنها معركة الرواية بقدر ما هي معركة البقاء. فالاحتلال قد يمتلك تفوقا عسكريا، لكنه خسر المعركة الأخلاقية والإنسانية. لقد انتصر الكيان في ميادين الحرب التقليدية، لكنه خسر وسينهزم في ميادين الوعي والضمير داخل المجتمعات الأوروبية والأميركية، التي كانت في السابق داعمة له، لكنها اليوم بدأت ترى الحقيقة وتكتشف زيف الرواية الصهيونية.

إعلان

ولعل أسطول الصمود يكون أيضا حافزا للشعوب العربية كي تتحرك أكثر وتكسر حاجز الصمت، ولعله يوقظ الحكام العرب، ليعودوا إلى موقعهم الطبيعي في الدفاع عن القضية المركزية للأمة.

فغزة اليوم ليست مجرد قضية فلسطينية، بل هي امتحان للإنسانية كلها، ومرآة تكشف من يقف مع العدل والحرية ومن يصطف إلى جانب القتل والاحتلال.

أسطول الصمود ليس النهاية، بل هو بداية جديدة لمسار نضالي طويل؛ فما دام الحصار مستمرا فستبقى السفن تبحر، والوفود تتحرك، والشعوب تهتف. وكما أن غزة لم تنكسر رغم القنابل والتجويع، فإن حركة التضامن العالمي لن تتوقف رغم القمع والتهديدات!

غزة اليوم هي مرآة العالم: إما أن نكون مع الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، أو أن نصطف مع الاحتلال والقتل والتجويع.. والأسطول الذي انطلق من برشلونة هو تذكير صارخ بأن الأحرار في كل مكان يرفضون الصمت، ويصرون على أن يبحروا مع غزة حتى تصل إلى شاطئ الحرية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان