كما يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة: "إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى! لحاها الله من كلمة تطرب وتغري، فالحق ليس هدية تعطى ولا غنيمة تغتصب، وإنما هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب، فهما متلازمان، والشعب لا ينشئ دستور حقوقه إلا إذا عدل وضعه الاجتماعي المرتبط بسلوكه النفسي".
هذه المقولة تؤكد أن الحقوق والعدالة ليستا شيئا يُستجدى، بل نتاج نضال وجهد متواصل، وهو ما ينعكس مباشرة على فهمنا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فحين يُطرح نزع السلاح كحل سحري، فإن الخطاب يتجاهل جذور الصراع الحقيقية، ويغفل أن السلام الحقيقي لا يتحقق بإلقاء الأسلحة فحسب، بل بإنصاف الحقوق ومعالجة الظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجت هذا النزاع.
فالحديث عن إلقاء حماس سلاحها كطريق للسلام يعكس إما جهلا مطبقا بالتاريخ، أو تجاهلا متعمدا للحقائق المؤلمة التي شكلت هذا الصراع عبر عقود طويلة. ليس هذا دفاعا عن حماس كتنظيم، بل انتصارا للحق وإنصافا للتاريخ. فالقضية أكبر من حماس، وأعمق من أي فصيل، هي قضية شعب بأكمله يقاوم الاحتلال والإجلاء القسري منذ عقود.
على أي أساس تُصنّف مقاومة الاحتلال كإرهاب، بينما يعتبر الاحتلال نفسُه دفاعا عن النفس؟ هذا التصنيف لا يستند إلى أي منطق قانوني، بل إلى اعتبارات سياسية محضة تخدم مصالح القوى الكبرى في المنطقة
الشرعية الدولية.. حق المقاومة المكفول قانونيا
إن الحديث عن شرعية المقاومة الفلسطينية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو في الواقع حقيقة قانونية راسخة في القانون الدولي. فالفلسطينيون لهم حق معترف به في إطار القانون الدولي لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي تحت البروتوكول الأول من اتفاقيات جنيف، وهذا الحق مؤكد في سياق حق تقرير المصير لجميع الشعوب تحت الحكم الأجنبي والاستعماري.
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 37/43 (1982) أعاد تأكيد الحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني وجميع الشعوب تحت الهيمنة الأجنبية والاستعمارية في تقرير المصير. وفي 1974 أعادت الجمعية العامة تأكيد الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والاستقلال الوطني، والسيادة، والعودة.
المعايير المزدوجة في التصنيف
حين نتساءل عن المعايير التي تستخدمها الولايات المتحدة وأوروبا لتصنيف حماس كحركة إرهابية، نجد أنفسنا أمام ازدواجية صارخة في المقاييس. فإذا كان الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني ـ وهو كذلك في إطار القانون الدولي ـ فإن المقاومة الفلسطينية لهذا الاحتلال مشروعة بحكم التعريف.
فلنسأل أنفسنا: على أي أساس تُصنّف مقاومة الاحتلال كإرهاب، بينما يعتبر الاحتلال نفسُه دفاعا عن النفس؟ هذا التصنيف لا يستند إلى أي منطق قانوني، بل إلى اعتبارات سياسية محضة تخدم مصالح القوى الكبرى في المنطقة.
فالحديث عن الإرهاب في هذا السياق يقتضي منا العودة إلى جذور هذا الصراع لنرى من بدأ باستخدام العنف ضد المدنيين كوسيلة سياسية. ففي فترة ما قبل قيام الدولة، أي في العشرينيات والأربعينيات، شاركت المنظمات شبه العسكرية الصهيونية مثل الإرغون، ولحي، والهاغاناه، والبلماح في حملات عنيفة ضد السلطات البريطانية والعرب الفلسطينيين واليهود المعتدلين لتحقيق أهدافها السياسية.
منظمة الإرغون، المعروفة باسم "المنظمة العسكرية القومية" والقطاع العسكري للحركة التنقيحية، أعلنت أن "العنف السياسي والإرهاب هما أدوات مشروعة في الكفاح القومي اليهودي من أجل أرض إسرائيل". هذا ليس تحليلا من أحد المعارضين، بل هو إعلان صريح من المنظمة نفسها.
وفي 9 أبريل/ نيسان 1948، ارتكبت وحدات من الإرغون ولحي مذبحة في قرية دير ياسين، التي كان عدد سكانها حوالي 700 نسمة. أكثر من مائة منهم قُتلوا بدم بارد. هذه لم تكن مجرد حادثة معزولة، بل جزءا من إستراتيجية مدروسة لخلق الرعب وإجبار الفلسطينيين على الرحيل.
الجماعات اليهودية، بما في ذلك الهاغاناه والإرغون وعصابة شتيرن، استخدمت الإرهاب بنشاط ضد الانتداب البريطاني على فلسطين ولخلق الخوف بين المواطنين العرب. هذا ما يؤكده المؤرخون اليوم، ليس كاتهام، بل كحقيقة تاريخية موثقة.
إن خطاب نزع السلاح كحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو خطاب مضلل يتجاهل جذور المشكلة الحقيقية. فالمشكلة ليست في المقاومة، بل في الاحتلال. المشكلة ليست في حماس أو أي فصيل آخر، بل في النظام الاستعماري الاستيطاني الذي يحاول محو الوجود الفلسطيني
وهم الحل: لماذا لا ينهي نزع السلاح الصراع؟
إن فكرة أن نزع السلاح سيحل المشكلة تتجاهل كل الدروس التاريخية. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يبدأ مع حماس، ولن ينتهي بانتهائها. لقد كانت هناك فترات طويلة لم تكن فيها مقاومة مسلحة منظمة، ومع ذلك لم يتوقف الاستيطان، ولم تتوقف مصادرة الأراضي، ولم تتوقف انتهاكات الحقوق الأساسية للفلسطينيين.
في الضفة الغربية، حيث لا توجد مقاومة مسلحة منظمة كما في غزة، نجد أن عدد المستوطنين تضاعف عدة مرات منذ اتفاقيات أوسلو. الاستيطان لم يتوقف، بل تسارع. مصادرة الأراضي لم تتوقف، بل اشتدت. إذن، أين هو السلام الموعود مقابل نزع السلاح؟
العلماء الذين يؤيدون الحق في المقاومة المسلحة يتفقون على أن هذا الحق يجب أن يُمارس وفقا للقانون الإنساني الدولي، والمقاومة المشروعة تستهدف القوات المحتلة لا المدنيين.
إن طرح نزع السلاح كحل يعني ضمنيا قبول الوضع الراهن: قبول الاحتلال، قبول الحصار، قبول الاستيطان، وقبول انتهاك كل الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. وهذا ليس حلا، بل استسلاما مقنعا بثوب السلام.
الحق لا يُستجدى
إن الحقوق لا تُعطى من منطلق الكرم، بل تُنتزع انتزاعا. هذه حقيقة تاريخية لا جدال فيها. لم تحصل أي أمة على حريتها بالتسول، بل بالنضال والمقاومة.
الحق الفلسطيني في تقرير المصير، والعودة، والاستقلال، ليس منحة يمكن أن تُقدَّم أو تُمنع حسب مشيئة المحتل، بل حقا أصيلا لا يسقط بالتقادم ولا يخضع للمساومة.
بالتركيز على الأراضي الفلسطينية، تجادل الدراسة بأن للفلسطينيين حقا مشروعا في مقاومة الاحتلال، مدعوما بقرارات مختلفة للأمم المتحدة. هذا ليس رأيا سياسيا، بل موقفا قانونيا مؤسسا على قواعد القانون الدولي الراسخة.
القانون الدولي يكفل للشعب الفلسطيني الحق في مقاومة الاحتلال، وهذا حق لا يمكن إنكاره أو التنكر له. أما المعايير المزدوجة التي تُطبق في تصنيف المقاومة كإرهاب بينما يُبرر الاحتلال كدفاع عن النفس، فهي معايير سياسية وليست قانونية أو أخلاقية
الاحتلال أصل المشكلة
إن خطاب نزع السلاح كحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو خطاب مضلل يتجاهل جذور المشكلة الحقيقية. فالمشكلة ليست في المقاومة، بل في الاحتلال. المشكلة ليست في حماس أو أي فصيل آخر، بل في النظام الاستعماري الاستيطاني الذي يحاول محو الوجود الفلسطيني.
التاريخ يشهد أن الذين بدؤوا باستخدام الإرهاب ضد المدنيين كوسيلة سياسية هم المنظمات الصهيونية قبل قيام إسرائيل، والذين جعلوا من الإرهاب إستراتيجية للسيطرة على الأرض وإجلاء سكانها الأصليين.
القانون الدولي يكفل للشعب الفلسطيني الحق في مقاومة الاحتلال، وهذا حق لا يمكن إنكاره أو التنكر له. أما المعايير المزدوجة التي تُطبق في تصنيف المقاومة كإرهاب بينما يُبرر الاحتلال كدفاع عن النفس، فهي معايير سياسية وليست قانونية أو أخلاقية.
الحل الحقيقي لا يكمن في نزع السلاح، بل في إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، ووقف الاستيطان، وإعادة الحقوق المغتصبة لأصحابها الشرعيين. هذا هو طريق السلام الحقيقي، وما عداه مجرد تأجيل للصراع وليس حلا له.
الحق قوة، ولكن القوة وحدها لا تصنع الحق. ومع ذلك، من دون القوة يبقى الحق حلما بعيد المنال.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
