- عندما يتحول القتل الميداني إلى جريمة ضد الحقيقة، يصبح الصمت الدولي شريكا في الجريمة
في غزة، لم تكن المسيّرة التي اغتالت الصحفي أنس الشريف وزملاءه في خيمتهم قرب مستشفى الشفاء مجرد أداة قتل، بل كانت فعلا متعمدا لإسكات الشهادة وطمس الرواية وإحداث فراغ في ذاكرة الإنسانية.
فالصحفي، في جوهر مهمته، ليس مجرد ناقل خبر، بل هو شاهد على الجريمة، وحارس لذاكرة الشعوب، وحامل لواء الحقيقة في وجه "آلة الدعاية الحربية".
الحقيقة العصية على الموت
هل تُقتل الحقيقة؟ في تاريخ الفكر الإنساني، من محاكمة سقراط إلى اضطهاد غاليليو، نجد أن السلطة المستبدة قد تحاصر الحقيقة وتضطهد حامليها، لكنها تعجز عن محو جوهرها. فالحقيقة، حين تتجذر في الوعي الجمعي، تتجاوز الأجساد الفانية لتصير فكرة عابرة للحدود وعصية على الفناء.
تتجلى هذه الحقيقة الخالدة في كل صورة تُهرَّب من غزة المحاصرة، وكل شهادة تُنقل عبر الأثير رغم القصف، وكل تقرير يصل إلى العالم رغم استهداف كاتبه. إن الصحافة، في أقسى الظروف، تبرهن أن الكلمة أقوى من الرصاصة، وأن الشاهد الواحد يستطيع أن يهز عروش الظلم.
مع استمرار العدوان على قطاع غزة، تفاقمت هذه المأساة الإنسانية، حيث ارتفعت الحصيلة -بحسب أحدث بيانات لجنة حماية الصحفيين- لتصل إلى نحو 186 صحفيا وإعلاميا حتى 24 يوليو/تموز 2025
العنف البنيوي ضد الحقيقة
استهداف الصحفيين في غزة ليس حادثا عرضيا، بل جزءا من منظومة متكاملة لما يسميه عالم السلام النرويجي يوهان غالتونغ (Johan Galtung) "العنف البنيوي"؛ أي استخدام القوة المنهجية لتدمير الهياكل التي تحمي الحقوق الأساسية. هذا العنف لا يستهدف الأفراد فحسب، بل يسعى لتفكيك البنية المعرفية التي تجعل من الصحافة مهنة، ومن الحقيقة قيمة، ومن الشاهد ضميرا حيا.
لا يقتصر هذا الاستهداف على الجانب النظري، بل تدعمه وقائع ميدانية مؤلمة وصادمة. ووفقا لتقرير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) الدولية، سُجل مقتل 124 صحفيا خلال 2024 وحده، منهم 82 صحفيا فلسطينيا في غزة، أي ما يمثل نحو 70% من إجمالي الضحايا.
والأمر الأكثر إيلاما أن كثيرا من هؤلاء الصحفيين كانوا يرتدون سترات واضحة تحمل علامة "PRESS"، وهو ما يُفترض أن يوفر لهم الحماية وفقا للقانون الدولي.
هذه الأرقام المفزعة جعلت عام 2024 الأخطر في تاريخ مهنة الصحافة منذ تأسيس اللجنة. كما وثّقت منظمة "مراسلون بلا حدود" (RSF) أن نصيب غزة وحده شكل حوالي 30% من إجمالي الصحفيين المقتولين عالميا في ذلك العام.
ومع استمرار العدوان على قطاع غزة، تفاقمت هذه المأساة الإنسانية، حيث ارتفعت الحصيلة -بحسب أحدث بيانات لجنة حماية الصحفيين- لتصل إلى نحو 186 صحفيا وإعلاميا حتى 24 يوليو/تموز 2025، من بينهم 178 فلسطينيا، سقط معظمهم في قطاع غزة المحاصر.
تكشف هذه الأرقام عن تطورات مقلقة تشمل قصف مكاتب الإعلام، وتدمير أبراج الاتصالات، وملاحقة عائلات الصحفيين. كل المؤشرات تُظهر أن استهداف الصحفيين يُشكل نمطا ممنهجا يُهدد وجود الحقيقة ويخلق فراغا إعلاميا يحجب الأحداث عن الرأي العام العالمي.
وتُعزز الإحصائيات هذه المخاوف، حيث تمت 80% من الهجمات على المرافق الإعلامية في غزة دون سابق إنذار، رغم علم الأطراف المعنية بوجود صحفيين مدنيين فيها. هذه الوقائع تطرح تساؤلات جدية حول التزام جميع الأطراف بأحكام القانون الدولي، الذي يُجرّم صراحة استهداف الصحفيين كمخالفة جسيمة لاتفاقيات جنيف.
إن الرصاصة التي اخترقت خيمة الصحفيين في غزة كانت موجهة أيضا إلى خيمتنا الكبرى: خيمة القيم الإنسانية المشتركة. فعندما نسمح بقتل حملة الحقيقة، نسمح بتآكل الأسس التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية
المواثيق الدولية: حروف على ورق؟
وفق المواثيق الدولية، من المادة 19 في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن حرية الصحافة ليست ترفا أو امتيازا، بل شرط وجود للعدالة والكرامة الإنسانية. كما تنص اتفاقيات جنيف على حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين، وتعتبر استهدافهم جريمة حرب.
لكن ما قيمة هذه النصوص حين تتحول إلى حروف ميتة على ورق أصفر؟ وما معنى القانون الدولي حين يصبح انتقائيا في تطبيقه؟ إن الصمت المؤسسي الذي يلف جرائم قتل الصحفيين يكشف عن أزمة في النظام الدولي نفسه، الذي يبدو وكأنه يطبق قانونين: واحدا للقوي وآخر للضعيف.
الصمت بوصفه شراكة في الجريمة
من منظور فلسفة العدالة العالمية، كما يطرحها الفيلسوف الألماني توماس بوغه (Thomas Pogge)، فإن الصمت الدولي حيال هذه الجرائم ليس حيادا، بل مساهمة فعلية في الإبقاء على بنية الظلم. فالواجبات السلبية تفرض على المجتمع الدولي ألا يكون شريكا -بالفعل أو بالصمت- في استمرار منظومة القمع.
هذا الصمت له أشكال متعددة: تجاهل إعلامي، وتبرير دبلوماسي، وعدم تفعيل للمحاسبة الدولية، واستمرار في الدعم العسكري واللوجيستي للقوات التي تقتل الصحفيين. إن كل طرف يختار الصمت يصبح، بطريقة أو بأخرى، شريكا في العملية الإجرامية التي تستهدف ليس فقط أرواح الصحفيين، بل منظومة الحقيقة ذاتها.
يكمن التحدي الحقيقي ليس في البحث عن تفسيرات أو تبريرات، بل في الاعتراف بأن هذه الجرائم تمس جوهر إنسانيتنا المشتركة. فالصحفي المقتول في غزة كان يحمل صوتنا جميعا، وعينه التي أُطفئت كانت عيننا الجماعية على الحقيقة
خيمة القيم المشتركة في خطر
إن الرصاصة التي اخترقت خيمة الصحفيين في غزة كانت موجهة أيضا إلى خيمتنا الكبرى: خيمة القيم الإنسانية المشتركة. فعندما نسمح بقتل حمَلة الحقيقة، نسمح بتآكل الأسس التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية نفسها.
عندما يُقتل صحفي في غزة، لا يُغتال مجرد إنسان، بل تُسرق ذاكرة جماعية. فالكاميرا التي يسقط حاملها ليست أداة تقنية فحسب، بل عينا تمنع الظالمين من الانتقام من الشهود.
والتاريخ يعلمنا أن الحقيقة لا تموت بموت حامليها، لكن جرائم غزة تُذكرنا بأن هناك من يحاول تأجيل كشفها عبر إبادة الشهود. ومع كل رصاصة تُطلق صوب صحفي، يتسع الفاصل بين العالم وبين رؤية الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.
هنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس في البحث عن تفسيرات أو تبريرات، بل في الاعتراف بأن هذه الجرائم تمس جوهر إنسانيتنا المشتركة. فالصحفي المقتول في غزة كان يحمل صوتنا جميعا، وعينه التي أُطفئت كانت عيننا الجماعية على الحقيقة.
إن أقوى سلاح يخشاه قاتل الصحفيين هو استمرار الحقيقة في الوصول رغم القتل. ولن يحدث ذلك إلا إذا أدركنا أن الدفاع عن الصحفيين ليس مجرد موقف مهني أو أخلاقي، بل ضرورة وجودية لضمان بقاء المجتمعات الحرة والكريمة
دعوة للفعل
السؤال الذي يواجهنا اليوم، كأفراد ومؤسسات ومجتمعات، ليس فقط ما إذا كنا سنترك خيمة القيم المشتركة بلا حراسة، بل كيف سنحرسها عمليا. أنكتفي بالشجب والاستنكار، أم سنتحرك لبناء آليات حماية فعلية للصحفيين؟
إن مواجهة هذه الجرائم تتطلب خطوات عملية تتجاوز إصدار البيانات الاستنكارية:
- تحقيق دولي مستقل: يجب على الأمم المتحدة تشكيل لجنة تحقيق خاصة بجرائم قتل الصحفيين في غزة، مع تفعيل آلية المحاسبة عبر المحكمة الجنائية الدولية.
- ضغط إعلامي موحد: على المؤسسات الإعلامية العربية والدولية تكثيف حملاتها لكسر حاجز الصمت، عبر توثيق كل حادثة وتعميمها بكل اللغات.
- حماية ميدانية: تطالب المنظمات الحقوقية بتوفير معدات وقائية للصحفيين في مناطق النزاع، مثل سترات واقية من الرصاص، ووسائل اتصال مشفرة.
أنواصل استهلاك الأخبار بلا مبالاة، أم سنعي أن خلف كل خبر حياة إنسانية تخاطر من أجل إيصال الحقيقة؟
إن أقوى سلاح يخشاه قاتل الصحفيين هو استمرار الحقيقة في الوصول رغم القتل. ولن يحدث ذلك إلا إذا أدركنا أن الدفاع عن الصحفيين ليس مجرد موقف مهني أو أخلاقي، بل ضرورة وجودية لضمان بقاء المجتمعات الحرة والكريمة.
فلنقف جميعا، كلٌّ من موقعه، حراسا على خيمة الحقيقة، لأن سقوطها يعني سقوطنا جميعا في عتمة لا ترحم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

