بين مرتقٍ والكاميرا على عاتقه، ومستشهِد وناقل الصوت في يده، يودع مكتب قناة الجزيرة مراسلي ومصوري تغطيته الميدانية المغدورين، الذين قضوا نحبهم بعدما أوفوا بما عاهدوا عليه من نقل الحقيقة وبث الحدث، بالصوت والصورة، في مهنية لا يعيبها إلا الانحياز للإنسانية!
ففي غارة قصف غادرة، بتاريخ 15 ديسمبر/ كانون الأول 2023، اغتال جيش الاحتلال الإسرائيلي مصور القناة سامر أبو دقة، في اعتداء بطائرة مسيرة استهدف مدرسة فرحانة، بخان يونس.
وتغليظا لسادية الجريمة، منع جيش الاحتلال سيارات الإسعاف من الوصول إلى موقع الاستهداف؛ ليرتقي المصور سامر شهيدا، بعد خمس ساعات من إصابته البليغة!
وقد بدا أن الاحتلال كان يريد أن يخنق صوت الحقيقة ويفقأ عينها، بالتخلص من حاملي الكاميرا والميكرفون، حتى يجهز على العين والصوت مرة واحدة! لكن عناية الله أنجت مدير مكتب قناة الجزيرة المصاب وائل الدحدوح، وذمته اصطفت المثخن سامر للشهادة.
ثم يَشرق المكتب بالدمع وهو يودع المراسل الذي تحدث -في آخر تغطية- عن: "قصف لا يتوقف، منذ ساعتين"، مستدركا أن "العدوان الإسرائيلي يشتد على مدينة غزة". وما لبث القصف إلا لحظات حتى طال خيمة الصحفيين بمحيط مجمع الشفاء الطبي
ثم تأتي فاجعة اغتيال المراسل والمصور مضاعفة، لما استهدفت مسيرة إسرائيلية خيمة الصحفيين بمحيط مستشفى الشفاء في مدينة غزة، في عدوان مكرور، جديده هذه المرة اغتيال أنس الشريف، سادس ستة إعلاميين، منهم المراسل ومنهم المصور، لينتشي الاحتلال بكتم صوت الحقيقة، وسمْل عين التغطية، في غارة "ناجحة"… وإنما اغتيل أنس يوم اغتيل سامر!
وبين كأسي نشوة مترعتين، علق جيش الاحتلال إثم جريمته على مشجب استهداف الإرهاب، معيدا اتهامات سابقة أطلقها المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي، زاعما أن أنس الشريف سادس ستة إعلاميين يغطون الأحداث خدمة لحماس، ليوافق الرقم المزعوم العدد المعلوم، في جريمة استهداف أثيمة، لا يرقُب مقترفها وازع مبدأ، ولا يعبأ بردع محاسبة!
وما كاد دم الحدثية يجف حتى اغتال طيران الاحتلال الحربي مصور القناة محمد سلامة، خامس خمسة إعلاميين تفرقت ذمة انتظامهم وتعاقدهم بين شبكات إعلامية عربية وعالمية، في قصف "إسرائيلي" استهدف مجمع ناصر الطبي بخان يونس.
ومن وراء الحدثية الحاضرة، لمع برق "تناص مشهدي"، بين اغتيال صحفيي مكتب الجزيرة في غزة، واغتيال مراسلها الفلسطيني الملهم طارق أيوب ببغداد، 2003، في قصف أميركي استهدف مقر مكتب القناة في العاصمة العراقية، قبل اجتياح بغداد واحتلال العراق، ليخيم حزن اغتيال المراسل الذي ذكر في آخر مراسلة أن "الحزن يخيم على عاصمة الرشيد"، ثم لتهب عاصفتا اغتياله، واجتياح بغداد؛ مصداقا لعبارته التخمينية، التي لم يستبعد فيها وقوع "الهدوء الذي يسبق العاصفة"، ليَشرق مكتب القناة بدمع فقْد المراسل الفذ الملهم.
ثم يَشرق المكتب بالدمع وهو يودع المراسل الذي تحدث -في آخر تغطية- عن: "قصف لا يتوقف، منذ ساعتين"، مستدركا أن "العدوان الإسرائيلي يشتد على مدينة غزة".
وما لبث القصف إلا لحظات حتى طال خيمة الصحفيين بمحيط مجمع الشفاء الطبي، ليرتقي الشهداء الستة (أنس الشريف، محمد قريقع، إبراهيم ظاهر، محمد نوفل، محمد الخالدي، مؤمن عليوة)، قبل فاجعة اغتيال خامس الخمسة في مجمع ناصر، المصور محمد سلامة، الذي بلغ باستشهاده عدد الإعلاميين الذين اغتالتهم آلة حرب الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة 245، وَفق الرقم الرسمي الذي أعلنه المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وكأنما استنسخ الاحتلال الإسرائيلي سيناريو حليفه الداعم (الولايات المتحدة الأميركية)، ممنيا نفسه باجتياح غزة، وتنفيذ مخطط احتلالها، الذي أمضاه "الكنيست"، واستنفر نتنياهو جيشه لفرضه عسكريا!
لعل أنس/ الصوت استحضر -وهو يكتب وصيته- معنى الشطر الشعري، فتمثل له شبح قاتله يسأله في استفزاز فج: كيف تريد أن تكون نهايتك؟! فرفع رأسه في شموخ وأجاب: "والميكرفون في يدي"!
وقد نفس الاحتلال عن نفسه باغتيال أنس، بعدما زاد طين غيظه بلة تردُد صدى الوسم "استمر، يا أنس.. أنت صوتنا"، ذلك النداء الذي انتقل من عبارة تثبيت مرتجلة، على لسان أحد المارة، إلى "ترند" سيار، على وسائل التواصل الاجتماعي، فقرر -في غلظة وصلف- أن يغيب الصوت إلى الأبد، ويعلق إسكاته على مشجب تصفية الصحفي الذي اتهمه سابقا بـ"تغطية أخبار حماس والجهاد الإسلامي"، في دعوى تولى كِبر حملتها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي؛ ليلبس الاحتلال الانتقامَ السادي بإصابة الهدف الإرهابي، مغلظا التنصل بالوقاحة، وهو يعترف باستهداف أنس الشريف شخصيا، عن سبق إصرار وترصد، بعدما اغتال من قبل والده، في قصف استهدف منزل العائلة!
وبذلك نفَث الاحتلال دعايته الإعلامية المغرضة ليغلظ فتل جريمته، ويلف حبل الإدانة حول عنقه. ولأنه ليس بعد جراءة التهديد إلا وقاحة تنفيذه، جاء اغتيال أنس وزملائه ليفسِر "الكريمَ" بـ"مراسل الميدان"، في شطر البيت الشعري السائر: ليس الكريم على القنا بمحرم!
ولعل أنس/ الصوت استحضر -وهو يكتب وصيته- معنى الشطر الشعري، فتمثل له شبح قاتله يسأله في استفزاز فج: كيف تريد أن تكون نهايتك؟! فرفع رأسه في شموخ وأجاب: "والميكرفون في يدي"!!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

