علم نفس السجون: استكشاف العقل خلف القضبان

صورة - سجن - امرأة مسجونة
الكاتب: تتميز السجون بطبيعتها بفرض قيود شديدة على الاتصال بالعالم الخارجي (غيتي إيميجز)

يُعد علم نفس السجون مجالا حيويا ومتعدد التخصصات، يقع عند تقاطع علم النفس الجنائي، وعلم الاجتماع، والقانون، والعدالة الجنائية. لا يقتصر دوره على مجرد فهم الدوافع الإجرامية، بل يتعمق في تحليل التأثيرات النفسية العميقة التي تتركها بيئة السجن على الأفراد- سواء كانوا نزلاء، موظفين، أو حتى عائلاتهم.

يهدف هذا الفرع المتخصص من علم النفس إلى الكشف عن السلوكيات والعمليات العقلية والتجارب النفسية الفريدة التي تتشكل خلف القضبان، وسُبل التعامل معها لتحقيق أهداف إعادة التأهيل، والحد من العودة إلى الجريمة (Recidivism)، وتعزيز نظام عدالة جنائية أكثر إنسانية وفاعلية.

تتميز السجون بطبيعتها بفرض قيود شديدة على الاتصال بالعالم الخارجي، وتوفير بيئة رتيبة تفتقر إلى التنوع في المثيرات الحسية والفرص للتفاعل الاجتماعي الطبيعي والبناء

حصار العقل والروح

تُعرف بيئة السجن بكونها قاسية، وتقييدية، ومجردة من الكثير من المحفزات الطبيعية، مما يترك آثارا نفسية عميقة تتجاوز مجرد الحرمان من الحرية الجسدية.

1- صدمة السجن (Prisonization) وتأقلم الأفراد

يُعتبر مفهوم "صدمة السجن" أحد أبرز المفاهيم في هذا المجال، وقد صاغه دونالد كليمير في 1940 ثم طوره جاري سايكس في كتابه "مجتمع الأسرى" (The Society of Captives). يشير هذا المفهوم إلى العملية التي يتأقلم من خلالها الأفراد مع ثقافة السجن ومعاييره وقيمه غير المكتوبة.

تتضمن هذه العملية تبني سلوكيات وعادات قد تساعدهم على البقاء على قيد الحياة داخل هذه البيئة العدائية، مثل عدم الثقة، والتحفظ العاطفي، والاعتماد على الذات بشكل مفرط.

ومع ذلك، يمكن لهذه التكيفات أن تكون عقبة كبيرة أمام إعادة الاندماج في المجتمع بعد الإفراج، حيث يصبح السجين "مؤسسيا" (institutionalized) ويجد صعوبة في التكيف مع متطلبات الحياة المدنية (Sykes, 1958).

هذا التأقلم يمكن أن يؤدي إلى فقدان الهوية الشخصية، وتقبل الأدوار السلبية، وصعوبة في اتخاذ القرارات المستقلة.

2- الحرمان الحسي والاجتماعي: شبح الوحدة

تتميز السجون بطبيعتها بفرض قيود شديدة على الاتصال بالعالم الخارجي، وتوفير بيئة رتيبة تفتقر إلى التنوع في المثيرات الحسية والفرص للتفاعل الاجتماعي الطبيعي والبناء.

إعلان

هذا الحرمان الحسي والاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى مشاعر قوية من الملل المزمن، والعزلة، واللامبالاة، واليأس، والتي يمكن أن تتفاقم لتصل إلى حالات خطيرة مثل الاكتئاب السريري، والقلق الشديد، وحتى الذهان في بعض الحالات، خاصة لدى الأفراد الذين لديهم استعداد سابق للاضطرابات النفسية (Liebling, 2004).

كما أن الانقطاع عن الأهل والأصدقاء وشبكات الدعم الاجتماعية يزيد من تفاقم هذه المشاعر السلبية.

السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية حادة غالبا ما يواجهون صعوبات أكبر في التكيف مع بيئة السجن، وقد يجدون صعوبة في اتباع القواعد، مما قد يؤدي إلى عقوبات إضافية

3- الاضطرابات النفسية الشائعة: الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة

تنتشر الاضطرابات النفسية مثل القلق، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بشكل كبير بين النزلاء. البيئة القمعية، والتهديد المستمر بالعنف، والتعرض للتنمر أو الاستغلال، بالإضافة إلى التجارب السابقة للصدمة التي قد تكون قد دفعتهم للسجن، كلها عوامل تساهم في تفاقم هذه الحالات.

دراسة منهجية واسعة النطاق وجدت أن انتشار الاضطرابات العقلية الخطيرة (مثل الذهان والاكتئاب الشديد) أعلى بكثير بين نزلاء السجون مقارنة بالعامة (Fazel & Danesh, 2002).

غالبا ما يعاني السجناء من الصدمات المتكررة، سواء تلك التي حدثت قبل السجن (مثل العنف المنزلي أو إساءة المعاملة) أو تلك التي تحدث داخله، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص لـPTSD.

4- تأثير السجن على الصحة العقلية

لا يؤثر السجن فقط على الصحة العقلية للمرة الأولى، بل يمكن أن يؤدي إلى تفاقم حالات الصحة العقلية الموجودة مسبقا بشكل كبير، أو ظهور مشاكل جديدة لدى الأفراد الذين لم يكن لديهم تاريخ سابق.

السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية حادة غالبا ما يواجهون صعوبات أكبر في التكيف مع بيئة السجن، وقد يجدون صعوبة في اتباع القواعد، مما قد يؤدي إلى عقوبات إضافية أو وضعهم في الحبس الانفرادي، مما يزيد من عزلتهم وتدهور حالتهم.

غالبا ما تكون الرعاية الصحية العقلية المتخصصة داخل السجون غير كافية أو غير متاحة بالقدر المطلوب، مما يترك العديد من النزلاء دون الدعم الذي يحتاجونه بشكل عاجل (Morgan et al., 2013).

يقوم علماء نفس السجون بإجراء تقييمات نفسية شاملة للنزلاء عند دخولهم، وخلال فترة احتجازهم، وقبل إطلاق سراحهم. تشمل هذه التقييمات تحديد الاضطرابات العقلية، وتقييم مخاطر العودة للجريمة

جسر الأمل والعلاج

يلعب علماء نفس السجون دورا محوريا ومتعدد الأوجه داخل المؤسسات الإصلاحية، حيث لا غنى عن خبرتهم لضمان بيئة أكثر أمانا وإنسانية، ولتسهيل عملية إعادة التأهيل.

1- التقييم والتشخيص الدقيق

يقوم علماء نفس السجون بإجراء تقييمات نفسية شاملة للنزلاء عند دخولهم، وخلال فترة احتجازهم، وقبل إطلاق سراحهم. تشمل هذه التقييمات تحديد الاضطرابات العقلية، وتقييم مخاطر العودة للجريمة (Recidivism Risk Assessment)، وتحديد نقاط القوة والضعف لدى الفرد، وتحديد الاحتياجات العلاجية والنفسية. يستخدمون أدوات ومقاييس نفسية موحدة لتقديم تشخيص دقيق يوجه خطط العلاج والتدخل.

2- تقديم العلاج والدعم النفسي

يُعد توفير العلاج والدعم النفسي جوهر عملهم. يقدمون مجموعة واسعة من التدخلات العلاجية المصممة خاصة لتلبية احتياجات هذه الفئة:

  • العلاج السلوكي المعرفي (CBT): لمساعدة النزلاء على تحديد وتغيير أنماط التفكير والسلوكيات غير الصحية التي قد تكون قد ساهمت في سلوكهم الإجرامي أو مشاكلهم النفسية.
  • العلاج الجماعي: لتوفير بيئة داعمة حيث يمكن للنزلاء تبادل الخبرات، وتطوير المهارات الاجتماعية، والشعور بالانتماء.
  • الاستشارات الفردية: لمعالجة القضايا الشخصية، وإدارة الغضب، والتغلب على الإدمان، والتعامل مع الصدمات، وتنمية مهارات حل المشكلات.
  • إدارة الأدوية النفسية: بالتعاون مع الأطباء النفسيين، يتم تقييم الحاجة إلى الأدوية النفسية ومراقبة تأثيرها.
إعلان

3- برامج إعادة التأهيل والاندماج

يشاركون بنشاط في تصميم وتنفيذ برامج إعادة التأهيل التي تهدف إلى تزويد النزلاء بالمهارات والمعارف اللازمة للاندماج الناجح في المجتمع بعد الإفراج. تشمل هذه البرامج:

  • برامج إدارة الغضب والعنف.
  • برامج علاج الإدمان: تنمية المهارات الاجتماعية ومهارات التواصل.
  • برامج التعليم والتدريب المهني: بالتعاون مع جهات أخرى، للمساعدة في اكتساب فرص عمل بعد الإفراج.
  • برامج إعادة التأهيل الإدراكي: لتعزيز التفكير النقدي ومهارات اتخاذ القرار.

4- تقديم الاستشارات للموظفين وتطوير السياسات

لا يقتصر دورهم على النزلاء فقط، بل يمتد ليشمل تقديم الدعم والاستشارات لموظفي السجون. ويقومون بتدريب الموظفين على كيفية التعامل مع النزلاء الذين يعانون من مشاكل صحة عقلية، وإدارة الأزمات، وتقنيات خفض التصعيد.

كما يساهمون في تطوير سياسات وإجراءات السجون التي تراعي الجوانب النفسية والإنسانية، بهدف خلق بيئة أكثر أمانا وفاعلية للجميع (American Psychological Association, n.d).

5- البحث العلمي وتطوير الممارسات

يُعد البحث العلمي جزءا أساسيا من عملهم. يجرون دراسات حول فاعلية برامج التدخل المختلفة، وتأثير بيئة السجن على الصحة العقلية، والعوامل التي تساهم في العودة للجريمة.

تُستخدم نتائج هذه الأبحاث لتحسين الممارسات الحالية وتطوير إستراتيجيات جديدة وأكثر فاعلية في مجال العدالة الجنائية، مما يساهم في بناء قاعدة معرفية قوية لهذا التخصص.

يحتاج موظفو السجون أنفسهم إلى تدريب مكثف على كيفية التعامل مع النزلاء الذين يعانون من مشاكل نفسية، بالإضافة إلى الدعم النفسي للتغلب على الضغوط النفسية التي يتعرضون لها في بيئة عملهم

عوائق على طريق الإصلاح

على الرغم من أهميته البالغة، يواجه علم نفس السجون تحديات كبيرة تعيق قدرته على تحقيق أهدافه بشكل كامل:

  • نقص الموارد والاكتظاظ: تعاني العديد من الأنظمة السجنية من نقص حاد في الموارد المالية والبشرية، مما يؤثر على جودة وتوفر الخدمات النفسية. كما يؤدي الاكتظاظ إلى زيادة الضغط على المرافق والموظفين، ويجعل من الصعب تقديم الرعاية الفردية الكافية.
  • الوصمة الاجتماعية والتحيزات: يواجه كل من النزلاء وموظفي السجون وصمة اجتماعية، مما قد يعيق قبولهم برامج المساعدة أو الاندماج في المجتمع بعد الإفراج.

كما قد توجد تحيزات داخل النظام نفسه تعرقل تطبيق الممارسات المبنية على الأدلة.

  • صعوبة تطبيق برامج إعادة التأهيل الفعالة: البيئة السجنية بطبيعتها تقييدية وتفتقر إلى الحوافز الإيجابية، مما يجعل من الصعب تطبيق برامج إعادة تأهيل شاملة وفعالة تحقق نتائج مستدامة.

غالبا ما تكون هناك مقاومة للتغيير من قبل النزلاء أنفسهم أو من قبل بعض جوانب النظام.

  • تدريب الموظفين وحمايتهم: يحتاج موظفو السجون أنفسهم إلى تدريب مكثف على كيفية التعامل مع النزلاء الذين يعانون من مشاكل نفسية، بالإضافة إلى الدعم النفسي للتغلب على الضغوط النفسية التي يتعرضون لها في بيئة عملهم الصعبة والمحفوفة بالمخاطر.

نحو نظام عدالة جنائية أكثر إنسانية وفاعلية

يُعد فهم علم نفس السجون أمرا ضروريا ليس فقط لتحسين ظروف النزلاء داخل المؤسسات الإصلاحية، بل لضمان سلامة المجتمع ككل على المدى الطويل.

من خلال التركيز على الصحة العقلية، وتوفير العلاج المناسب، وتطبيق برامج إعادة التأهيل الفعالة، يمكن لعلم نفس السجون أن يساهم بشكل كبير في تحويل نظام العدالة الجنائية من مجرد نظام عقابي إلى نظام يسعى إلى الإصلاح والحد من العودة للجريمة.

عندما يتم تزويد الأفراد بالأدوات والدعم اللازمين للتغيير، تزداد فرصهم في إعادة الاندماج بنجاح في المجتمع كأفراد منتجين، مما يعود بالنفع على الجميع.

الاستثمار في هذا المجال ليس رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لبناء مجتمعات أكثر أمانا واستقرارا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان