"هدهد" غزة

TOPSHOT - Al-Jazeera correspondent Anas al-Sharif reports near the Arab Ahli (Baptist) Hospital in Gaza City on October 10, 2024.
الصحفي أنس الشريف استشهد يوم 10 أغسطس/آب 2025 إثر غارة لطائرات الاحتلال الإسرائيلي استهدفت خيمة للصحفيين بغزة (الفرنسية)

هو تفصيلتنا اليومية، هو برقية الألم الساكن هناك، هو "البحر" الذي لم يفكر يوما أن يهجر المكان أو يخلع "زرقة" الصحافة أو لون السماء.. هو "هدهد"غزة.

تشييع أنس هو تشييع لصوتنا، وكرامتنا، وإنسانيتنا.. أنس إلى جوار ربه فرح بما أتاه الله، لكن هذا العالم المتخاذل.. إلى أين؟؟

لا تفارقني صورته قبل أيام قليلة، عندما بكى على الهواء مباشرة، فقال له أحد المارين: "استمر، استمر يا أنس.. استمر، أنت صوتنا"؛ فتماسك وأكمل تقريره متعاليا على جراحه، ووهن جسده، وألم الخذلان العربي، ووجعه وجوعه، من أجل عيون غزة وأهل غزة. الصحفي الحقيقي يعتاش على محبة الأوطان، يعتاش على رضا الناس وثقتهم فيه، يعتاش على الآمال المعلقة فوق قامته الصلبة، يعتاش على "ربما".

لماذا أوجعنا أنس الشريف إلى هذا الحد؟ لأنه أحد أبنائنا، لأنه أعاد تعريف الصحافة، وأعاد تعريف الشجاعة، وأعاد تعريف الوطن برمته.. صحفي شاب، شجاع، أنضجته الحرب قبل أوانه.

عندما استشهد الصف الأول من الصحفيين، وجد نفسه فجأة كأي قائد عظيم.. كأسامة بن زيد؛ يرتدي سترتهم، ويحمل ميكرفونهم، ويملأ مكانهم.. لتبقى التغطية مستمرة.

هم لم يحملوا أنس الشهيد -أنس الشريف- فوق الأكتاف، هم حملوا ميكرفوننا، حملوا صوتنا الذي لم يغب طوال عامين من القتل والدم والإبادة، حملوا ضمائرنا .

نم قرير العين يا أنس، يا "هدهد" غزة، وردد ما بدأت به: "الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم"..

تشييع أنس هو تشييع لصوتنا، وكرامتنا، وإنسانيتنا.. أنس إلى جوار ربه فرح بما أتاه الله، لكن هذا العالم المتخاذل.. إلى أين؟؟

أنس أب جميل، له أولاد مثلنا.. كان يشتهي أن يحضنهم، أن يتناول معهم وجبة واحدة دون الخوف من الموت، أن يؤرجحهم في حديقة قريبة، أن يدللهم قبل النوم.. هل فكرنا بكل هذا؟ هل فكرنا كم تحتاج زوجة أنس العظيمة كي تعرِّف الموت لأطفالها، وكي تقول لهم باختصار: الموت هو غياب الاتصال بين نشرتين إخباريتين.

أنس، هدهد غزة الذي كان يأتينا بالخبر اليقين.. أنس الذي لم يغب يوما، ولم ينسحب يوما، ولم يفضل نفسه على رسالته يوما، أنس كان دوما يأتينا بسلطان مبين.

إعلان

نم قرير العين يا أنس، يا "هدهد" غزة، وردد ما بدأت به: "الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم"..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان