تتشابك أيدينا الصغيرة، وبمجرد أن نجلس في دائرة على الأرض استعدادا للعب، يُخرج أحدنا منديلا من القماش استعدادا للغناء: "طاق طاق طاقية.. تعيش الوحدة العربية.. رن رن يا جرس.. محمد راكب ع الفرس.."، وصولا إلى نهاية الأغنية.
ثم نضع المنديل خلف شخص من الدائرة، ونعيد الغناء بأعلى صوت لنا: "طاق طاق طاقية.. تعيش الوحدة العربية"، على أمل أن يخترق صوتنا الحدود، على أمل أن يقطع المسافات برسالة صغيرة مفادها: "تعيش الوحدة العربية".
ولكنْ، ثمة شيء غريب؛ منذ ذلك الحين وأنا أسمع صدى الصوت في قلبي فقط، رغم أننا غنيناها من أعلى مكان في غزة؛ على "الجبل الكاشف"، الذي نرى منه أراضينا المحتلة 1948، وجبال الخليل.
مارس/ آذار 2008
في آخر يوم من فبراير/ شباط، لفظت جدتي آخر أنفاسها.
مضت ساعات قليلة، فبدأت أفاوض أمي: "لن أذهب إلى المدرسة طوال أيام العزاء! جدتي ماتت". كانت هذه الفرصة الوحيدة بالنسبة لي لتحقيق الأمنية المنتظرة: الغياب عن المدرسة ولو ليوم واحد! ويا ليتني ذهبت..
في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، في الأول من مارس/ آذار 2008، استيقظت على همسات أمي لتنقلنا من بيتنا إلى بيت عمي المقابل لنا، البيت الأكثر أمنا مقارنة ببيتنا المطل على الشارع.
بعيون نصف مغمضة، أخبرنا عمي أن الكهرباء قد قُطعت، وأننا الآن محاصرون من قبل القوات الخاصة الإسرائيلية، لذلك علينا البقاء طوال الليل على ضوء شمعة واحدة.
في سن العاشرة، فقدت إحساسي بأن هناك من يشعر بنا.. الجميع تسير حياته بشكل طبيعي! أما نحن، فنخشى ظلنا؛ نخشاه لأنه أصبح إشارة للقناص الإسرائيلي لإطلاق رصاصته نحونا
في تلك الليلة، تخيلت جنود الاحتلال كأنهم كائنات ضخمة، بذيول طويلة، يشبهون ما أراه في الرسوم المتحركة "دراغون بول"؛ فلست سوى طفلة في العاشرة! تلك الليلة، كانت الليلة الأولى التي تصطدم فيها طفولتي بجنود الاحتلال الإسرائيلي.
وكانت تلك الأيام الثلاثة كابوسا يلاحقني طوال السنوات الماضية، كابوسا أتجنب مواجهته، كابوسا بصوت "الحاجة رضا" التي كانت تصرخ على أحفادها الذين قُتلوا في غرفتهم.. كابوسا بصوت جارنا "أبو إياد"، وهو يناشد لإنقاذ شاب من شباب الحارة: "المسكين أُعدم في الشارع وحيدا!".
في عملية أسماها الاحتلال "عملية الشتاء الساخن"، انطلق صراعي مع الحياة.. في لحظات كنت أقرأ القرآن بقلب عابد، وفي لحظات أخرى أسأل الله بقلب طفل لا يشاهد سوى "سبيستون": "لماذا لا تعطيني يا الله قدرات خارقة؟ أريد فقط غلافا يحمينا من الخطر!".
في سن العاشرة، بدأت أطرح أسئلتي الوجودية عن البشر، عن حقوق الإنسان التي تشرحها لنا المعلمة في المدرسة.
في سن العاشرة، فقدت إحساسي بأن هناك من يشعر بنا.. الجميع خارج حدود هذه المنطقة- حارتنا- تسير حياته بشكل طبيعي! يذهبون إلى الحمام دون الخوف من دبابة أو جرافة متمركزة أمام البيت، يأكلون ويشربون دون خوف من رصاصة قد تقتلهم، يصلون على ضوء الكهرباء.. أما نحن، فنخشى ظلنا؛ نخشاه لأنه أصبح دلالة على وجودنا، أصبح إشارة للقناص الإسرائيلي لإطلاق رصاصته نحونا.
لثماني عشرة سنة، وأنا أبحث عن تفسير منطقي لـ"حكم الإعدام" الذي يُفرض علينا.. لثماني عشرة سنة، وأنا أتحسس صدى غنائنا: "تعيش الوحدة العربية"..
أصغي، أراقب، أرتقب.. هل سيلوح أحد لنا من بلاد بعيدة، ليقول: "لقد وصل الصدى"؟ فقد صعدت إلى الجبل مرات عديدة، ولكني لم أرَ أي منديل يلوح لي.
لربما لا يملكون منديلا! فإن لم يملكوا منديلا، فسأمنحهم ميراثي من جدتي حليمة.. سأعطيهم منديلها!
لا أعلم، أملّ الأطفال من النداء على العروبة، أم نضجوا للدرجة التي أدركوا فيها أن النداء ما عاد مجديا؟! لا أعلم، أضاع المنديل، أم دُفن؟
منديل جدتي حليمة
قيل لي إنه بمجرد دخول جدتي حليمة لأي عرس داخل المخيم، يتحول إلى ساحة انتفاضة، إلى ميدان ثوري.
تُخرج المنديل من زنارها، تمسكه بيدها، ومع أول تلويح به، يعلو تصفيق النساء؛ تحية لزوجة الشهيد وأم الأسرى، تحية لثوبها المطرز بأناملها، لزنارها، لشالها، ولحذائها الذي لطالما حفظته سجون الاحتلال.
تغني بصوت مرتفع.. بصوت القرية المسلوبة، بصوت يصارع للبقاء، بصوت الشعب الغريق: "بارودنا اللي ضرب ورصاصنا مصري.. لاس بدي (لازم ولا بد) يا دولة إسرائيل تنكسري".. كانت تعتقد، كغيرها من المنكوبين، أننا لن نُترك وحدنا!
كانت تغني لحلم أبدي، لمطلب شعبي: "بدي لأبو عمار طيارة حربية.. تضرب مطار اللد وتنزل ع سوريا".
حوصر أبو عمار في رام الله، ولم يأتِ زعماء العرب له برغيف خبز واحد، أو كوب من الماء! مات ببطء.. مات بصمت.. لا بد أن يموت؛ هذا ما تستوجبه المرحلة.
وحوصرت غزة أيضا، يا جدتي، ورأينا طائرات "العروبة"، لكنها لم تضرب مطار اللد، بل جاءت بالطعام لنا في مجاعتنا التي لم تنتهِ! تماما كمشهد المروحية التي أتت لنقل عرفات إلى آخر محطات حياته!
جاءت، وعُقدت لها الأفراح، أتت بالطعام لشعب يباد! لشعب يُقتل شبابه لأجل رغيف خبز واحد! جاءت.. لتشاهد احتضار غزة!
وتغني نداء فلسطين: "زارعنا الميرمية ع باب الدار.. فلسطين بتنادي على الثوار.. زارعنا الميرمية في القنية.. فلسطين بتنادي ع الفدائية".
سمع ثوارها وفدائيوها النداء، لكن لم يكفهم منديل الطفولة، ولا منديل جدتي! لم يكفهم سوى منديل واحد: "سبل عيونه ومد إيده يحنوله.. خصرو رقيق وبالمنديل يلفونه..".
كثيرة هي المناديل يا جدتي، كثيرة هي.. كثيرة إلى الحد الذي وصلت فيه أن تكون "مساعدات إنسانية عاجلة"!
علمتنا فلسطين أن العروبة ما زالت على قيد الحياة، أما الإبادة فقد علمتنا أن ضريح العروبة هناك! في مقبرة الفالوجة، بين قبور المنسيين، بجوار قبر جدتي
أكتوبر/ تشرين الأول 2023
عاد المشهد أمامي مجددا؛ أيدي الأطفال متشابكة، تبدأ إشارة اللعب والغناء، ولكن.. بدون منديل، وبأغنية مختلفة عما اعتدت عليه.. يغنون: "طاق طاق طاقية.. شبكين بعلية".
لا أعلم، أملّ الأطفال من النداء على العروبة، أم نضجوا للدرجة التي أدركوا فيها أن النداء ما عاد مجديا؟! لا أعلم، أضاع المنديل، أم دُفن؟
هذه المرة، غنيت معهم بصوت الرثاء لا الأمل؛ بصوت العجز، بصوت الخذلان، بصوت أرهقه الزمان: "طاق طاق طاقية.. تعيش الوحدة العربية"! لم أقبل بأغنية لا يغنَى فيها للعروبة التي أعرفها.. عروبة الكرامة.
أما المنديل، فأخذت في البحث عنه بسوق الكرامة: هل رأيت يا سيدي منديلا اسمه: "تعيش الوحدة العربية"؟ هل رأيته؟ أم يتوجب عليّ البحث عن منديل آخر؟! منديل يناسب معايير "المجتمع الدولي"، منديل يناسب معايير "العروبة الحديثة"، منديل يلوح به صاحبه مناديا: "مين يشتري الكرامة ويعطينا طحينا؟!".
علمتنا فلسطين أن العروبة ما زالت على قيد الحياة، أما الإبادة فقد علمتنا أن ضريح العروبة هناك! في مقبرة الفالوجة، بين قبور المنسيين، بجوار قبر جدتي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

