التجويع كسلاح استعماري من الجزائر إلى غزة

الجوع والمرض يفتكان بمئات الأطفال في غزة
الجوع والمرض يفتكان بمئات الأطفال في غزة (الجزيرة)

من بين أدوات القمع التي استخدمها الاستعمار قديما وحديثا، يبقى التجويع من أكثرها خنقا وإنهاكا للكرامة الإنسانية. لا يتطلب الأمر طائرات أو دبابات، بل فقط السيطرة على المعابر، الحقول، الأسواق، والموانئ. فحين يُحرم الإنسان من الخبز والدواء، يُدفع إلى الاستسلام أو الانفجار.

هذا النمط الاستعماري لا يزال يتكرر اليوم، بأساليب مختلفة ولكن بروح واحدة. ففي الجزائر الاستعمارية، استخدمت فرنسا التجويع كأداة لإخضاع السكان وكسر شوكة المقاومة. وفي غزة اليوم، تستعمل إسرائيل الحصار والتجويع لعقاب جماعي بطيء، دون تكلفة سياسية مباشرة.

أظهرت وثائق إسرائيلية، كشفت عنها منظمة "غيشاه"، أن إسرائيل وضعت معادلة للسعرات الحرارية اليومية المسموح بها لسكان غزة، بهدف إبقائهم "تحت الحد الأدنى من الحياة دون أن يموتوا"

فرنسا وعقاب الجماهير الصامت

خلال الحقبة الاستعمارية، وخصوصا في مرحلة الثورة (1954-1962)، مارست فرنسا سياسات تجويع ممنهجة ضد القرى والمناطق الداعمة للمجاهدين. تمثلت هذه السياسات في:

  • مصادرة الأراضي الزراعية.
  • إحراق المحاصيل.
  • قطع إمدادات الطعام.
  • ترحيل السكان إلى "قرى التجميع" المعزولة.

المؤرخون، محمد حربي الجزائري، وسيلفي فينو ورفاييل برونش الفرنسيتان تحدثوا في كتبهم وأبحاثهم حول الاستعمار الفرنسي في الجزائر، عن كيف تم تجميع أكثر من مليونَي جزائري في مناطق مغلقة لا تُوفر الحد الأدنى من الغذاء أو الخدمات؛ بهدف فصلهم عن الثورة وتجويعهم حتى الخضوع.

وأظهر هؤلاء الباحثون أن الجيش الفرنسي اعتبر الطعام أداة ضغط سياسي، تماما كما يُستخدم السلاح.

وفي الكتاب المرجعي "La guerre d’Algérie: la fin de l’amnésie" لمحمد حربي وبنيامين ستورا، نجد وصفا دقيقا لكيفية استخدام فرنسا الحرمان الغذائي كوسيلة لتفتيت البنية الاجتماعية والدفع نحو التعاون مع المستعمر مقابل البقاء.

ما فعلته فرنسا في الجزائر وما تفعله إسرائيل في غزة ليس مجرد انتهاك حقوق، بل هو اغتيال يومي للكرامة

نسخة جديدة في غزة

منذ 2007، فرضت إسرائيل حصارا بريا وبحريا وجويا على قطاع غزة، تتحكم من خلاله في دخول الغذاء والدواء والوقود. وقد أظهرت وثائق إسرائيلية، كشفت عنها منظمة "غيشاه"، أن إسرائيل وضعت معادلة للسعرات الحرارية اليومية المسموح بها لسكان غزة، بهدف إبقائهم "تحت الحد الأدنى من الحياة دون أن يموتوا".

إعلان

في كتابها المهم "The Gaza Strip: The Political Economy of De-development"، توثق الباحثة Sara Roy كيف حوّلت إسرائيل اقتصاد غزة إلى اقتصاد هشّ، خاضع تماما للسيطرة، وعاجز عن الاكتفاء الذاتي.

أما المفكر الأميركي Norman Finkelstein، ففي كتابه "Gaza An Inquest into Its Martyrdom"، يُظهر بالأرقام والشهادات كيف استخدمت إسرائيل التحكم في الغذاء كأداة سياسية لتركيع شعب بأكمله.

والأدهى أن الحصار يترافق مع استهداف مباشر للبنية التحتية الغذائية: قصف المخابز، إحراق الحقول، منع دخول شحنات الطعام، بل وحتى استهداف المدنيين أثناء محاولتهم جلب المساعدات، كما حصل مرارا في 2024 و2025.

من يتعامل مع رغيف الخبز كأداة حرب، لا يواجه فقط مقاومة بالسلاح، بل يوقظ مقاومة أعند: مقاومة الجوع بالصبر، والخذلان بالإيمان، والدمع بالعزة

تشابه في المنهج.. واختلاف في الجغرافيا

رغم الفاصل الزمني، فإن الآلية واحدة:

في الجزائر، جاع الناس في "محتشدات التجميع"، وتُركوا يعانون تحت صمت دولي.

وفي غزة، يُحاصر الناس حتى في رغيفهم، وتُستخدم السياسة الغذائية كجزء من العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

في الحالتين، التجويع ليس خطأ عابرا، بل هو قرار سياسي ممنهج.

منظمات دولية على غرار العفو الدولية صرحت بان إسرائيل تستعمل التجويع كسلاح. وأضافت أنه عندما يُستخدم الطعام كوسيلة للضغط السياسي أو العقاب، نكون أمام سلاح بطيء لكنه فتاك، يُدمّر الإنسان دون أن يُطلق عليه رصاصة".

ما فعلته فرنسا في الجزائر وما تفعله إسرائيل في غزة ليس مجرد انتهاك حقوق، بل هو اغتيال يومي للكرامة.

ومع أن السلاح قد يُخرس الصوت مؤقتا، فإن التجويع يوقظ الضمير العالمي إذا لم يُدفن بالصمت.

ومن يتعامل مع رغيف الخبز كأداة حرب، لا يواجه فقط مقاومة بالسلاح، بل يوقظ مقاومة أعند: مقاومة الجوع بالصبر، والخذلان بالإيمان، والدمع بالعزة.

والأدهى والأمر أن جهات عربية تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في هذا التجويع، فقط لأنها تريد استئصال حماس.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان