تخيّل أنك تسير في سوق واقف عام 2050 مرتديًا عدساتك الذكية، فترى الاتجاهات تظهر أمامك كواقع معزز، يمكنك قراءة شروحات عن تاريخ كل مبنى وما يقدمه. وقوائم الأسعار تطفو فوق أصناف الطعام، وباعة افتراضيون يدعونك إلى أكشاكهم.. تختار مطعمًا وتلوح بيدك للنادل الآلي، الذي يأخذ طلبك بأي لغة تختار التحدث بها، يصل الطعام، وتخبرك الطبقة الرقمية التي تغطي المشهد بالمكونات وعدد السعرات الحرارية قبل أن تبدأ بالاستمتاع بوجبتك! طعم الشاورما لم يتغير، لكن التجربة قد تحولت بشكل جذري على مر العقود.
إن الواقع الديمغرافي الفريد لقطر يخلق تعقيدات مميزة تشكل إستراتيجيتها للذكاء الاصطناعي.. فمع نسبة انتشار للإنترنت تبلغ 99% و2.7 مليون مستخدم، توفر قطر بيئة مواتية للذكاء الاصطناعي
لم تعد في سوق تاريخي يذكرك بالثقافة القطرية والتاريخ الإنساني والأهمية التقليدية، بل أصبحت في راحة منزلك، تعيش تجربة السوق من داخل حجرة واقعك الافتراضي.. قد يبدو هذا السيناريو بعيد المنال، لكن الخيارات التي تشكل هذا المستقبل تُصنع الآن.
وقد أظهرت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الخليج في مايو/ أيار 2025 هذا الأمر بوضوح، حيث ضمنت التزامات استثمارية متبادلة تركزت على رقائق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وهي استثمارات يمكن أن تعيد تشكيل المنطقة بأكملها؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي وحده أن يضخ 277 مليار دولار في اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي بحلول 2030، مما يعزز الإنتاجية، ويخلق طرقًا جديدة للناس للشراء والإنفاق. وركزت صفقات قطر على الطيران والدفاع والحوسبة الكمومية، بدلًا من أجهزة الذكاء الاصطناعي.
من بين عوامل أخرى، يبدو أن الثقافة والهوية الرقمية هما سمتان تحددان خريطة طريق قطر لمستقبل مدعوم بالذكاء الاصطناعي. وبينما يتسابق الخليج نحو التحول الرقمي، كيف ستعيد هذه الثورة التكنولوجية تشكيل الثقافة العربية، وما هي إستراتيجية قطر المتميزة لقيادة هذه الموجة الجديدة من الابتكار؟
ببساطة، إن نهج قطر تجاه الذكاء الاصطناعي مختلف عن عمد؛ فالبلاد تضع نفسها في موقع يسمح لها بتشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي للجمهور العربي بفاعلية، بدلًا من مجرد تبني النماذج الغربية. بدأ نهجها الإستراتيجي بتأسيس لجنة الذكاء الاصطناعي في 2021، مما خلق تفويضًا قويًّا لدمج الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات الحكومية.
ويمتد هذا الالتزام الحكومي إلى تطوير القوى العاملة من خلال مبادرات مثل البرنامج الوطني للمهارات، الذي تم إطلاقه في 2022، والذي سيوفر- بالتعاون مع مايكروسوفت- مهارات رقمية وسحابية متقدمة لـ50 ألف شخص من جميع الفئات السكانية.
ولكن، هناك جانب آخر للمعادلة متجذر في الخصوصية الثقافية التي يعمل ضمنها المجتمع القطري؛ فبينما تُظهر هذه المبادرات الحكومية التزامًا مؤسسيًّا قويًّا، فإن الواقع الديمغرافي الفريد لقطر يخلق تعقيدات مميزة تشكل إستراتيجيتها للذكاء الاصطناعي. فمع نسبة انتشار للإنترنت تبلغ 99% و2.7 مليون مستخدم، توفر قطر بيئة مواتية للذكاء الاصطناعي، لكنها تواجه تحديًا ثقافيًّا حاسمًا.
تريد قطر الانضمام إلى المسعى العالمي لتطوير ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا، ولهذا السبب ركزت اتفاقياتها الثنائية مع الولايات المتحدة على الحوسبة المتقدمة مع ازدياد تعقيد النماذج
يتمثل هذا التحدي في مواجهة مقاربات الذكاء الاصطناعي ذات النزعة الاستشراقية، التي تتجاهل القيم والمشاعر الثقافية المحلية، فمعظم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الخليج مستوردة من الدول الغربية، وتتبع نماذج مبنية على أساس المجتمع الغربي.
بالنسبة لقطر، تتمثل إحدى ركائز الرؤية الوطنية الرقمية (2030) في بناء مجتمع رقمي، والاستفادة من الاقتصاد الرقمي، مع ضمان رفاهية السكان المحليين وتقاليدهم.
ويُترجم هذا إلى التزام بتعزيز نماذج الذكاء الاصطناعي الأصيلة ثقافيًّا، والتي تعكس المجتمع العربي والثقافة الإسلامية. ومن تجليات هذا الهدف إطلاق نموذج "فنار" في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، كأول نموذج ذكاء اصطناعي عربي مصمم لفهم اللغة العربية، بما في ذلك لهجاتها.
تم إطلاق "فنار"، خلال القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في قطر 2024، وهو مشروع بحثي متكامل طوره معهد قطر لبحوث الحوسبة في جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر.
وقد تم تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي على أكثر من 300 مليار كلمة و7 مليارات متغير لمعالجة اللغة الطبيعية. وما يجعل هذا الأمر لافتًا ليس حجم المشروع فحسب، بل القصد من ورائه، فهو شهادة على تركيز الدولة على الحفاظ على الثقافة وسط تزايد الأتمتة.
وتشمل قدرات "فنار" التفاعل النصي والصوتي، بالإضافة إلى توليد الصور، ليكون أداة للتغلب على الحواجز اللغوية والثقافية، مع تعزيز اللغة العربية والثقافة المحلية في مستقبل يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي.
التحدي الديمغرافي يحوّل إستراتيجية قطر للذكاء الاصطناعي من خيار تكنولوجي إلى ضرورة ثقافية، لضمان بقاء الهوية العربية وازدهارها في مستقبل يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي
تريد قطر الانضمام إلى المسعى العالمي لتطوير ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا، ولهذا السبب ركزت اتفاقياتها الثنائية مع الولايات المتحدة على الحوسبة المتقدمة مع ازدياد تعقيد النماذج.
وعلى عكس نظيراتها العربية، لم تسعَ قطر إلى إبرام صفقات ضخمة تشمل مراكز البيانات والرقائق مع شركات مثل "إنفيديا"، بل تتبع نهجًا مختلفًا.. نهجًا يركز على الحوسبة الكمومية، والحفاظ على الثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي، وتطوير القدرات المحلية لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية.
يضيف الواقع الديمغرافي لقطر إلحاحًا على هذه المهمة الثقافية؛ إذ يشكل الوافدون النسبة الكبرى من سكان البلاد البالغ عددهم قرابة 3 ملايين نسمة، ويعمل معظم الوافدين في القطاع الخاص، الذي سيلعب دورًا حاسمًا في تبني الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء البلاد. وبما أن العمالة الأجنبية تهيمن على وظائف القطاع الخاص ذات المهارات العالية- حيث سيكون للذكاء الاصطناعي التأثير الأكبر- فإن الحفاظ على الهوية العربية في الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر أهمية.
هذا التحدي الديمغرافي يحوّل إستراتيجية قطر للذكاء الاصطناعي من خيار تكنولوجي إلى ضرورة ثقافية، لضمان بقاء الهوية العربية وازدهارها في مستقبل يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
