مشاهد المُجوّعين: وصمة عار في تاريخ الإنسانية!

المجاعة في شمال غزة
الكاتب: تترافق هذه المعاناة مع أرقام مفزعة لضحايا المجاعة التي تضرب القطاع وصور لأشخاص يُغشى عليهم من شدة الجوع والإعياء في غزة (مواقع التواصل)

في مقاطع فيديو تداولها الفلسطينيون على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت صور مؤلمة للمتضورين جوعًا في غزة، تختزل كارثة إنسانية متفاقمة نتيجة الحصار المفروض، والجرائم، وسياسة التجويع التي تنتهجها قوات الاحتلال وحكومتها بحق سكان قطاع غزة.

لقد بلغت المجاعة في القطاع مستويات غير مسبوقة، متجاوزة كل المعايير الإنسانية، حيث يهدد الجوع حياة كل بيت، ويفتك بالنساء والأطفال والمرضى وكبار السن، وبات الناس يتساقطون في الشوارع. وتتفاقم فصول المأساة في قطاع غزة مع انتشار المجاعة وانعدام الغذاء، وتشهد مدينة غزة مشاهد مؤلمة تعكس وجعًا جماعيًّا، تختزله صرخات يائسة لآباء وأطفال ونساء يبحثون عبثًا عن طحين لإطعام أطفالهم الذين أنهكهم الجوع. يأتي هذا في ظل حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال المجرم وشح المواد الغذائية.

يستمر الاحتلال في استهداف مصادر الغذاء في غزة، بما في ذلك مراكزُ توزيع الطعام المجاني والعاملون فيها، بالإضافة إلى استهداف الفلسطينيين بالقرب من مراكز المساعدات الأميركية المحدودة

هذه الصرخات الموجعة ليست حالات فردية، بل هي صورة مصغرة عن معاناة عشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية في غزة، العاجزة عن تأمين قوت يومها.

وتترافق هذه المعاناة مع أرقامٍ مفزعة لضحايا المجاعة التي تضرب القطاع، وصورٍ لأشخاص يُغشى عليهم من شدة الجوع والإعياء في أنحاء قطاع غزة، الذي يشهد حرب تجويع غير مسبوقة، وانهيارًا شاملًا في النظام الصحي.

منذ الأول من مارس/ آذار الماضي، أغلق الاحتلال جميع المعابر المؤدية إلى القطاع، ومنع دخول المساعدات الغذائية والطبية، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد التموينية الأساسية المتوفرة، وندرتها في الأسواق.

ومع تفاقم معدلات الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل، بات الفلسطينيون في غزة غير قادرين على توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء، واضطر كثيرون للاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم، إن وجدت، وهي لا تكفي لسدّ جوعهم، مما أدى إلى ظهور علامات الهزال والضعف على أجساد السكان، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن.

إعلان

بالتزامن مع ذلك، يستمر الاحتلال في استهداف مصادر الغذاء في غزة، بما في ذلك مراكزُ توزيع الطعام المجاني والعاملون فيها، بالإضافة إلى استهداف الفلسطينيين بالقرب من مراكز المساعدات الأميركية المحدودة، والتي تصفها جهات حكومية وأممية بأنها تحولت إلى "مصائد" لقتل المدنيين الجوعى.

ووفقًا لمصادر محلية، تجاوز سعر كيلوغرام الطحين، عند توفره، 200 شيكل (حوالي 60 دولارًا)، بينما تجاوز سعر الأرز 100 شيكل (30 دولارًا)، بعد أن كانا- على التوالي- بنصف دولار ودولارين قبل الحرب.

أوضحت الإحصائيات أنه بالإضافة إلى عشرات الأطفال الذين استشهدوا نتيجة تجويع الاحتلال، لا يزال 650 ألف طفل يواجهون خطر الموت؛ بسبب سوء التغذية والجوع ونقص الغذاء

تعلن وزارة الصحة في غزة كل يوم عن وصول أعداد غير مسبوقة من المواطنين الذين يعانون من الجوع إلى أقسام الطوارئ، حيث يعاني هؤلاء، بمن فيهم رُضَّع (بعمر عام ونصف)، من سوء التغذية.

وقد ارتفعت حصيلة وفيات الأطفال بسبب الجوع إلى 69 طفلًا، بينما بلغ إجمالي الوفيات المرتبطة بنقص الغذاء والدواء إلى 620 حالة، وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي، وقد كشف المكتب أن نحو 650 ألف طفل في غزة يواجهون خطر الموت جوعًا، في حين تواجه 60 ألف سيدة حامل خطر انعدام الرعاية الغذائية والطبية.

وذكر البيان أن سلطات الاحتلال تفرض إغلاقًا تامًّا على جميع المعابر مع قطاع غزة منذ 139 يومًا، ومنعت خلالها دخول 76 ألفًا و450 شاحنة مساعدات إنسانية ووقود.

في 27 مايو/ أيار الماضي، اعتمد الاحتلال وواشنطن خطة لتوزيع مساعدات محدودة، بعيدًا عن إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، الأمر الذي فاقم معاناة الفلسطينيين في غزة، حيث يطلق جيش الاحتلال النار على المنتظرين لتلقي المساعدات، ويجبرهم على الاختيار بين الموت جوعًا أو بالرصاص.

وقد تسببت هذه الإجراءات في مقتل 877 فلسطينيًّا وإصابة 5 آلاف و666 آخرين منذ 27 مايو/ أيار الماضي، وفقًا لبيان وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، الصادر يوم الخميس الماضي.

من جهة أخرى، نشر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إحصائيات حول كارثة التجويع التي يرتكبها الاحتلال، وذلك بعد مرور 139 يومًا على إغلاق جميع معابر القطاع بشكل كامل، ومنع دخول شاحنات مساعدات إنسانية ووقود.

أوضحت الإحصائيات أنه بالإضافة إلى عشرات الأطفال الذين استشهدوا نتيجة تجويع الاحتلال، لا يزال 650 ألف طفل يواجهون خطر الموت بسبب سوء التغذية والجوع ونقص الغذاء.

إن وفاة الأطفال والنساء والمرضى جوعًا ليست مجرد حادث عابر، بل هي وجه آخر لحرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال، إذ تستهدف الأجساد الأضعف والأكثر هشاشة

وفي سياق سياسة التجويع، استهدف الاحتلال 57 مركزًا لتوزيع المساعدات والغذاء، و42 تكية طعام، كما استهدف قوافل المساعدات والإرساليات الإنسانية 121 مرة. وفي غضون ذلك، يواجه 12 ألفًا و500 مريض سرطان خطر الموت، وهم بحاجة ماسة إلى العلاج والغذاء.

وحمّل المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الاحتلال الفاشي المسؤولية الكاملة عن جريمة التجويع، بالإضافة إلى الدول المتورطة في الإبادة الجماعية، من خلال "الصمت أو التواطؤ أو الدعم المباشر"، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وفرنسا، معتبرًا الدول المنخرطة في الإبادة مسؤولة عن جريمة التجويع.

إعلان

وطالب المكتب المجتمع الدولي ودول العالم الحر بالتحرك الفوري لوقف سياسة التجويع، وإنقاذ ما تبقى من أرواح تُزهق أمام مرأى ومسمع العالم، وبفتح المعابر وكسر الحصار، وإدخال المساعدات بصورة فورية وعاجلة.

إن وفاة الأطفال والنساء والمرضى جوعًا ليست مجرد حادث عابر، بل هي وجه آخر لحرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال، إذ تستهدف الأجساد الأضعف والأكثر هشاشة، وتقوم على تصميم ممنهج لإفشال كل محاولات النجاة، ومن المروع أن أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم ثلاث أو أربع سنوات يُفحصون اليوم للمرة الأولى، ليس لتلقي اللقاحات، بل لتحديد درجة ضمور أجسادهم وعجز أعضائهم الحيوية.

يستمر الاحتلال في انتهاكاته دون أدنى مساءلة، متجاهلًا قرارات محكمة العدل الدولية والنداءات الأممية كافة، هذا الأمر يجعل استمرار الإبادة في غزة وصمة عار على جبين العالم أجمع

ما يجري في قطاع غزة ليس مجرد حملة عسكرية عابرة، بل هو حرب إبادة جماعية بالمعنى القانوني والسياسي، حيث تُستهدف فئات محمية بموجب القانون الدولي، كالأطفال والنساء والمدنيين والكوادر الطبية والصحفيين، بشكل مباشر ومنهجي، وتتنوع الأساليب المتبعة بين القتل الجماعي والتجويع القسري والتدمير المتعمد للبنى التحتية والتهجير القسري واحتجاز الجثامين، وكلها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة، وسط دعم دولي غير مشروط لا سيما من الولايات المتحدة.

يستمر الاحتلال النازي في انتهاكاته دون أدنى مساءلة، متجاهلًا قرارات محكمة العدل الدولية والنداءات الأممية كافة، هذا الأمر يجعل استمرار الإبادة في غزة وصمة عار على جبين العالم أجمع، والأمتين العربية والإسلامية تحديدًا، ويسجل صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية، لا تُنسى!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان