أما زال فينا من يحلم بجامعة عربية قوية، أم إن الجامعة، بما ترمز إليه من وحدة ومصير مشترك، أصبحت عنوانًا خافتًا في ذاكرة السياسة العربية؟
في زمن تتكالب فيه التحديات على الدول العربية من الداخل والخارج، يصبح الحلم بإحياء مؤسسة تمثل "البيت العربي" أشبه بمحاولة إحياء روح وسط ركام الانقسام.
في كل أزمة، من فلسطين إلى سوريا، ومن السودان إلى ليبيا، لم تستطع الجامعة أن تتحرك كوسيط نزيه وقادر على الضغط والبناء في آنٍ واحد!
بين الأصل والرسم: جامعة أضاعتها الحسابات
حين تأسست جامعة الدول العربية سنة 1945، كانت الفكرة الكبرى أن العرب قادرون على تأسيس منظومة إقليمية مستقلة، تمثلهم وتجمعهم وتدافع عن مصالحهم الجماعية.
لكن بمجرد أن دخلت في دوامة الحسابات القُطرية والنزاعات البينية، فقدت الجامعة جزءًا كبيرًا من زخمها، وتحولت إلى منبر للبيانات الباهتة، لا تؤثر ولا تُغير في مجرى الأحداث.
الجامعة التي نحلم بها ليست تلك التي تعقد قممًا شكلية تحت أضواء الكاميرات، بل تلك التي تتحول إلى مؤسسة إستراتيجية فاعلة، تطرح حلولًا عربية للمشكلات العربية، وتنتقل من الحياد السلبي إلى الفعل الواعي.
ما الذي ينقص الجامعة العربية؟
الجامعة لا تنقصها الأنظمة ولا المواثيق، لكن ينقصها التفعيل والإرادة! لا تنقصها التصريحات، ولكن ينقصها القرار المستقل الذي لا يُستنسخ من مواقف العواصم الكبرى.. ينقصها أن تكون لسانًا حقيقيًّا للمجتمعات العربية، لا مرآة تعكس فقط وجه الحكومات.
في كل أزمة، من فلسطين إلى سوريا، ومن السودان إلى ليبيا، لم تستطع الجامعة أن تتحرك كوسيط نزيه وقادر على الضغط والبناء في آنٍ واحد! أهو ضعف في الهيكلة، أم غياب في الرؤية، أم افتقار للخيال العربي الجامع؟!
لماذا لا تكون هناك "خطة عربية موحدة" للتنمية؟ لماذا لا تتبنى الجامعة مشاريع استثمارية كبرى عابرة للحدود؟ لماذا لا تُنشِئ هيئة دائمة للمصالحة الوطنية في الدول التي تمرّ بأزمات سياسية؟
الجامعة التي نحتاجها: مبادِرة لا بيروقراطية
إن الجامعة التي نحتاجها اليوم ليست مجرد أمانةٍ عامةٍ ومقرٍّ دائم؛ نحتاج إلى جامعة بمراكز تفكير، وفرق عمل ميدانية، وإدارات مختصة في التحليل والاستشراف وفضّ النزاعات.. نحتاجها جامعة للقرارات المشتركة لا للإجماع المعطِّل، وللتحرك الجماعي لا للمواقف الفردية المترددة.
لماذا لا تكون هناك "خطة عربية موحدة" للتنمية؟ لماذا لا تتبنى الجامعة مشاريع استثمارية كبرى عابرة للحدود؟ لماذا لا تُنشئ هيئة دائمة للمصالحة الوطنية في الدول التي تمرّ بأزمات سياسية؟
فرص متاحة رغم هشاشة الواقع
صحيح أن العالم العربي يمرّ بمرحلة من التشرذم والشك المتبادل، لكن ذلك لا يمنع من بناء مساحات مشتركة. الأزمة ليست في تنوّع الأنظمة، بل في غياب آلية تجعل من هذا التنوع مصدرًا للثراء لا للانقسام.
هناك فرص حقيقية لتطوير الجامعة، بدءًا بإصلاح ميثاقها، ومرورًا بإعادة النظر في طريقة اتخاذ القرار، وصولًا إلى تمكين المجتمع المدني من لعب دور استشاري يساهم في تقريب الجامعة من نبض الشعوب.
لسنا بحاجة إلى إنشاء جامعة جديدة، بل إلى بعث الروح في القديمة.. إلى إعادة تشكيل إدارتها، وتطوير أدواتها، وتحرير قرارها من التبعية
هل الجامعة مشروع مستقبلي؟
نعم، إذا أعدنا النظر فيها بروح القرن الحادي والعشرين، يمكن أن تصبح الجامعة فضاء للحوار الحضاري، وجسرًا للتكامل الاقتصادي، وضامنًا للسلم الأهلي في المنطقة. ولا مانع من الاستفادة من تجارب ناجحة، كالاتحاد الأوروبي أو الـ"آسيان"، لا لاستنساخها، بل لبناء صيغة عربية نابعة من واقعنا وحاجاتنا.
لكن كل ذلك مشروط بوعي جديد: وعي بأنّ ما لا ينجَز جماعيًّا في العالم العربي، لن ينجَز أبدًا بشكل فردي، وأن المستقبل العربي سيكون إما مشتركًا، أو غير موجود أصلًا.
لا نريد جامعةَ خيالٍ بل واقعًا جديدًا
لسنا بحاجة إلى إنشاء جامعة جديدة، بل إلى بعث الروح في القديمة.. إلى إعادة تشكيل إدارتها، وتطوير أدواتها، وتحرير قرارها من التبعية. نريد جامعة تعبّر عنّا، تسبق الحدث بدل أن تتأخر عنه، تبني بدلًا من أن تراقب، وتُصغي للشعوب لا للحكومات فقط.
الجامعة التي نحلم بها ليست حلمًا رومانسيًا، بل حاجة إستراتيجية في عصر لا يرحم الضعفاء، ولا ينتظر المترددين. فهل نمتلك الجرأة كي نحلم بها، ونعمل على جعلها حقيقة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

