في كل مرة يتجدد فيها مشهد المقاومة في فلسطين، يعود السؤال المتكرر للواجهة: هل سنشهد انتفاضة جديدة؟ ولكن، ماذا نعني أصلًا بكلمة "انتفاضة"؟ ولماذا نستخدمها دون غيرها من الكلمات في الواقع الفلسطيني؟
- مما كتب عبدالوهاب المسيري
أشار المفكر وعالم الاجتماع المصري، الدكتور عبدالوهاب المسيري، في كتابه "الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية" إلى وجود اختلاف بين مفهومي "الانتفاضة" و"الثورة" من حيث الجوهر والتاريخ والاستخدام.
فمن وجهة نظره، كلمة "ثورة" مستمدة من التراث الثوري العالمي، وهذه الكلمة تمثل تعبيرًا يعكس التجربة الحضارية للإنسان الغربي، كما أن استخدامها لا يقتصر على ثورات الشارع التي تنادي بها الشعوب، بل يمتد إلى السياقات النهضوية والتحولية، فنقول: الثورة الصناعية، والثورة المعرفية، والثورة التكنولوجية، وثورة الذكاء الاصطناعي، وهلم جرًّا.
ولكن في الشأن الفلسطيني، ثمة خصوصية تستدعي تعبيرًا أكثر ارتباطًا بالواقع العربي والإسلامي. وللعلم، نحن لا نرفض المصطلحات الغربية ولا نطالب بضرورة اتخاذ بدائل عربية لها، كما أكد المسيري، فالمصطلحات ليست قطع غيار، بل هي منظومة فكرية تعكس رؤية شاملة.
وفي بعض الأحيان، قد نحتاج إلى طرح نموذج معرفي متكامل ونسق لغوي جديد لإيصال أفكارنا ورصد واقعنا، تمامًا كما كان الحال مع مصطلح "انتفاضة"، الذي جاء ليحمل دلالات خاصة تتجاوز مدلولات الثورة التقليدية، ودخل بعد ذلك مجال الإعلام والصحافة الغربية بلفظه العربي.
بين الثورة والانتفاضة
الثورة انقطاع كامل وتغيير جذري، فهي حركة تمردية ترفض النظام القديم وتطرح رؤى جديدة. أما الانتفاضة، فهي ليست انقطاعًا، بل هي عودة ما سبق واسترجاع الهوية التي سُلبت من قبل المحتل. وبذلك، فالثورة تكون ضد الأنظمة الحاكمة الدكتاتورية، بينما الانتفاضة تكون ضد الأنظمة الاستعمارية الدخيلة.
في جذور اللغة، فنجد "قَوَمَ".. هذا الجذر اللغوي المتين، تمامًا كجذور أشجار الزيتون، جذر متشابك وممتد، ليربط منتفض الشرق بثائر الغرب
اختيار الشباب الفلسطيني لكلمة "انتفاضة"
كما يقال، إذا عُرف السبب بَطَل العجب؛ فلو تأملنا اختيار الشباب الفلسطيني لكلمة "انتفاضة" تحديدًا دون غيرها من الكلمات، لأدركنا السبب وراء ذلك. ففي اللغة العربية:
- "نَفَض الثوب" يعني حرّكه ليزول عنه الغبار. وقد يكون هذا الوصف الدقيق للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، والذي ليس له أي جذور في تاريخنا وجغرافيتنا، فهو كالغبار العالق بالثوب الفلسطيني دون أن يمس الجوهر.
- "نفض المكان" أي تفحص المكان بدقة حتى يعرف ما إن كان فيه عدو أو خوف. وهذا تكتيك معروف لشباب الانتفاضة، المعروفين أيضًا بـ "النَّفضَة".
- "نَفَضَ الطريق" أي طهره من اللصوص وقطّاع الطرق.
كما أنها تحمل معاني الخصوبة، فنقول:
- "نَفَض الكرم" أي تفتحت عناقيده.
- "نَفَضَت المرأة" أي كثر أولادها. و"المرأة النفوض"، هي المرأة كثيرة الأولاد، التي لا تكف عن الإنجاب. وهذه هي المرأة الفلسطينية.
هذا فيما يتعلق بأوجه الاختلاف.. أما عن أوجه التشابه، فجميعنا نتفق على أن ما يجمع الثائر والمنتفض، هو روح التغيير، والتحرر من الظلم، ونبض المقاومة.
ننظر حولنا، فنرى حركات المقاومة تظهر كطوفان يأتي من أقصى البلاد، يجرف كل ما يعترض طريقه في زمن طغى عليه الظلم والفساد
ما المقصود حقًّا بالمقاومة؟
نبحث في جذور اللغة، فنجد "قَوَمَ".. هذا الجذر اللغوي المتين، تمامًا كجذور أشجار الزيتون، جذر متشابك وممتد، ليربط منتفض الشرق بثائر الغرب. "قَوَمَ" هو من أكثر الجذور حيوية في اللغة العربية، حيث يدور معناه حول القيام، والنهضة، والصمود، والثبات. فنقول:
- قامَ من مكانه: أي نهض بعد جلوس.
- أقامَ الحق: أي ثبته ودافع عنه.
- القَوْم: الجماعة التي تجتمع على أمر واحد.
- يوم القيامة: يوم البعث والعودة.
- استقام: اعتدل وأصبح ثابتًا على طريق الحق.
- قاوم العدو: أي واجهه وعارضه.
في الأرض المقدسة المباركة، أرض الشرفاء والأطهار هناك الذين شقّوا بدمائهم الزكية دربًا لا يُفضي إلا إلى النصر.. والحرية
من روسيا إلى الأراضي المقدسة
ننظر حولنا، فنرى حركات المقاومة تظهر كطوفان يأتي من أقصى البلاد، يجرف كل ما يعترضُ طريقه في زمنٍ طغى عليه الظلم والفساد.
ففي روسيا، دعا تولستوي إلى المقاومة السلمية واللاعنف، ملهمًا بذلك العديد من المفكرين في القرن العشرين، فشهدنا تأثر غاندي واعتناقه هذا النهج في نضاله ضد الاستعمار، الذي كان قائمًا على الهيمنة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.
وبعد الهند، وصل التأثير إلى جنوب أفريقيا، حيث تبنى مانديلا هذا المبدأ في كفاحه ضد نظام الفصل العنصري، مجسدًا مقاومة طويلة جمعت بين السلم والدم.
وفي الجانب الآخر من العالم، حيث طغى الاستبداد واستبيحت البلاد، صدح صوت جيفارا مرددًا: "Patria O Muerte" (الوطن أو الموت). ومن كوبا إلى بلاد المغرب العربي، إلى بلد "المليون شهيد"، إلى جبال أطلس وثورة الريف العنيد، فسطرت معركة "أنوال" بدماء أبطالها النصر المغربي المجيد. ومنها إلى الشام.. إلى أرض الأرز.. إلى جنوب لبنان، حيث الهدف واضح ومحدد ودقيق، فتسمع صدى الأحرار، يعلو فوق كل صمت سحيق.
وأما في الأرض المقدسة المباركة، أرض الشرفاء والأطهار، فننحني خجلًا أمام رجال صدقوا الله ورسوله، وجاهدوا في الله حق جهاده، حتى شقّوا بدمائهم الزكية دربًا لا يُفضي إلا إلى النصر.. والحرية.
وللأوطــان فـي دم كـل حـــر .. يـد ســلـفت ودَيْــن مســـتحِـقُّ
ومن يسقى ويشرب بالمنــايـا .. إذا الأَحرار لم يُسقوا ويَسـقوا
ولا يبني الممالك كالضـحـايـا .. ولا يُدني الحـقـوق ولا يُــحِقّ
ففي القتلى لأجيـــــــــال حياة .. وفي الأسرى فدًى لهم وعِتق
وللحــرية الـحـمــــراء بــاب .. بكــل يــد مضــــرَّجــة يُـدقّ
بارك الله فيمن قاوم، ومن ثار، ومن انتفض..
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

