أحقيقي أن المادة مصنوعة من ذرات، أم إن الطاقة هي الأساس الذي يقوم عليه الواقع؟ كان هذا السؤال السبب في اشتعال معركة فكرية في قاعات المحاضرات والمجلات الأكاديمية.
ففي أواخر القرن الـ19، كانت الفيزياء على مفترق طرق على الرغم من التقدم التكنولوجي الذي صاحب الثورة الصناعية، لكن العلم نفسه كان في حالة اضطراب.
لم يكن هذا نزاعا أكاديميا بسيطا، بل كان مبارزة فلسفية… "الذرية" مقابل "علم الطاقة"! كان صراعا حادا ترك ندوبا على أعظم العقول العلمية في ذلك العصر؛ في قلب هذه المعركة الفكرية وقف "لودفيغ بولتزمان"، الفيزيائي النمساوي اللامع الذي لم يغير دفاعه عن الذرات شكل الفيزياء فحسب، بل كلفه غاليا أيضا، إذ لعب دورا في انتحاره المأساوي.
كان لودفيغ بولتزمان، المولود في فيينا عام 1844، من أشد المدافعين عن النظرية الذرية، وقد غير عمله في الميكانيكا الإحصائية طريقة فهم العلماء للغازات والحرارة
الذريون: رؤية اللامرئي
لم تكن النظرية الذرية جديدة، فقد تكهن الفيلسوفان اليونانيان ديمقريطس وليوكيبوس، قبل أكثر من ألفي عام، بأن العالم مكون من جسيمات غير قابلة للتجزئة تتحرك في الفراغ، ولكن الذرات ظلت بعيدة المنال حتى القرن الـ19.
وقد وجدت الكيمياء قوة تفسيرية في النظرية الذرية، ومع ذلك لم "ير" أحد ذرة قط… بالنسبة لكثيرين، كانت الذرات مجرد خيالات تجعل من السهل فهم الطبيعة كحقيقة فيزيائية.
كان لودفيغ بولتزمان، المولود في فيينا عام 1844، من أشد المدافعين عن النظرية الذرية، وقد غير عمله في الميكانيكا الإحصائية طريقة فهم العلماء للغازات والحرارة؛ فبدلا من اعتبار درجة الحرارة والضغط كميات مجردة، أظهر بولتزمان أنهما نتاجان للحركة الفوضوية لجسيمات غير مرئية لا تحصى.
وقد ربطت معادلته الشهيرة [S= K log(ω)] الإنتروبيا (وهي مقياس للفوضى) بالترتيبات المجهرية للذرات. بالنسبة له، لم تكن حقيقة الذرات مجرد فرضية، بل هي أساس الطبيعة.
على الرغم من أن أينشتاين تجاوز لاحقا تجريبية ماخ الصارمة، فإن إصرار الأخير على ترسيخ العلم في التجربة ساهم في تشكيل الثورة المفاهيمية، التي أعادت تعريف المكان والزمان والحركة
علماء الطاقة: عالم من الطاقة لا ذرات
لكن لم يتفق الجميع؛ ففي ألمانيا نشأت مدرسة منافسة تقوم على مبدأ "علم الطاقة"، بقيادة فيلهلم أوستوالد وإرنست ماخ، وقد أنكر أتباعها الحاجة إلى الذرات، زاعمين أن "الطاقة" نفسها هي الحقيقة المطلقة… لماذا نلجأ إلى الجسيمات غير المرئية، بينما جميع التجارب تتناول مباشرة كميات قابلة للقياس مثل الحرارة والشغل والإشعاع؟
بالنسبة لعلماء الطاقة، كانت الذرية ميتافيزيقا مقنّعة في زي العلم؛ فقد استندت فلسفة إرنست ماخ، الذي أثرت كتاباته لاحقا على أينشتاين، إلى الوضعية التجريبية، مؤكدة على أن جميع المعارف يجب أن تنبع من التجربة الحسية المباشرة. رفض ماخ المفاهيم الميتافيزيقية التي لا يمكن رصدها (مثل المكان والزمان المطلقين في ميكانيكا نيوتن)، مجادلا بدلا من ذلك بأن العلم ينبغي أن يصف العلاقات بين الظواهر المرئية، لا الحقائق الخفية.
وقد أثر هذا التشكك تجاه الكيانات غير المرئية تأثيرا عميقا على ألبرت أينشتاين، وخاصة خلال تطوير نظرية النسبية الخاصة، فنقد ماخ فكرة نيوتن عن الفضاء المطلق ألهم أينشتاين اعتبار الحركة نسبية، ونبذ فكرة الإطار المرجعي الثابت غير المرئي.
وعلى الرغم من أن أينشتاين تجاوز لاحقا تجريبية ماخ الصارمة، فإن إصرار الأخير على ترسيخ العلم في التجربة ساهم في تشكيل الثورة المفاهيمية، التي أعادت تعريف المكان والزمان والحركة.
ومع ذلك، قاد هذا المنهج نفسه ماخ إلى رفض الذرات، إذ إن فلسفته القائمة على أن العلم يجب أن يقتصر على الظواهر القابلة للملاحظة جعلته يرى في الذرات تكهنات خطيرة، وعودة إلى عقيدة لا يمكن إثباتها.
ذهب الكيميائي ذو السمعة المرموقة، أوستوالد، إلى أبعد من ذلك؛ فقد اعتقد أن علم الطاقة قادر على توحيد العلوم (الكيمياء والفيزياء وحتى الأحياء) دون اللجوء إلى الذرات. كان برنامج علم الطاقة جذابا، إذ قدم رؤية للعلم منقّاة من الأشباح الخفية التي لا يمكن رؤيتها (الذرات).
في عام 1906، بينما كان يقضي عطلته مع عائلته بالقرب من ترييستي، شنق بولتزمان نفسه. انتهت المبارزة، لكن ليس بالنصر في قاعة محاضرات، بل بصمت في غرفة على شاطئ البحر
اشتداد المبارزة
سرعان ما تصاعد الجدل بين الفريقين؛ فقد رفض أوستوالد علماء الذرة لتمسكهم بفكرة فلسفية عفا عليها الزمن، وسخر ماخ من حجج بولتزمان ووصفها بأنها تجاوزات افتراضية.
رد بولتزمان في محاضراته وأبحاثه، فاستخدم الرياضيات ونظرية الاحتمالات والحدس ليجادل بأن الذرات ليست مفيدة فحسب، بل لا غنى عنها، لكن حججه غالبا لم تلقَ آذانا صاغية، وانجذب العديد من العلماء الشباب إلى رؤية علماء الطاقة لفيزياء خالية من الذرات.
لم تكن المبارزة فكرية فحسب، بل أصبحت شخصية للغاية، وشعر بولتزمان- الحساس للنقد- بالعزلة؛ كان طلابه يقدرونه، لكن هجمات منافسيه كانت لها تداعيات عميقة… رأى أن عمل حياته يُرفض باعتباره خيالا.
عقل في حالة اضطراب
لم تقتصر معاناة بولتزمان على الفلسفة، فقد عانى من "اضطراب ثنائي القطب" (لم يشخص حينها)، مما جعله يتأرجح بين نوبات الإبداع واليأس الشديد، وقد فاقمت البيئة الأكاديمية العدائية حالته النفسية.
مع مطلع القرن العشرين، بدأ الوضع يتغير، إذ تزايدت الأدلة التجريبية على الذرات. كان اكتشاف الإلكترون بواسطة ج. ج. طومسون عام 1897، ولاحقا تفسير أينشتاين للحركة البراونية عام 1905، إثباتا لصحة رؤية بولتزمان للعالم. لكن بالنسبة لبولتزمان، جاء الاعتراف متأخرا جدا.
في عام 1906، بينما كان يقضي عطلته مع عائلته بالقرب من ترييستي، شنق بولتزمان نفسه. انتهت المبارزة، لكن ليس بالنصر في قاعة محاضرات، بل بصمت في غرفة على شاطئ البحر.
لا تقتصر قصة الذريين ضد علماء الطاقة على الفيزياء فحسب، بل تتعلق أيضا بهشاشة الإنسان.. غالبا ما يصور العلم على أنه سعي هادئ وعقلاني وراء الحقيقة، لكنه في الواقع يتشكل من الكبرياء والتنافس والفلسفة والعاطفة
العواقب: إثبات الذرات
ومن المفارقات أن وفاة بولتزمان جاءت في اللحظة التي كانت أطروحاته فيها على وشك الانتصار؛ ففي غضون بضع سنوات أصبحت النظرية الذرية عصية على الطعن، وقد بُنيت الثورة الكمية وعمل أينشتاين في الميكانيكا الإحصائية مباشرة على أسس بولتزمان. واليوم، أصبح ثابته k محفورا في نسيج الفيزياء، ويظهر في معادلات تصف كل شيء من الثقوب السوداء إلى رقائق أشباه الموصلات.
أما علم الطاقة فقد تلاشى في طيات التاريخ، وأقر أوستوالد في النهاية بأن الذرات حقيقية في النهاية، وحلم علماء الطاقة بفيزياء بدون ذرات دُفن تحت وطأة الأدلة التجريبية.
مبارزة تتجاوز العلم
لا تقتصر قصة الذريين ضد علماء الطاقة على الفيزياء فحسب، بل تتعلق أيضا بهشاشة الإنسان.. غالبا ما يصور العلم على أنه سعي هادئ وعقلاني وراء الحقيقة، لكنه في الواقع يتشكل من الكبرياء والتنافس والفلسفة والعاطفة.
لا يمكن اختزال انتحار بولتزمان في الخلافات الأكاديمية فحسب، لكن المعارضة الشرسة التي واجهها زادت من يأسه بلا شك. إن تخيل أحد أعظم علماء الفيزياء في التاريخ يُرفض ويُتهم بأنه حالم، حتى مع صحة رؤيته، هو لمحة من سخرية العبقرية القاسية. واليوم، تعد معادلة بولتزمان، المنقوشة على شاهدة قبره في فيينا، شاهدا أبديا على فكره.
الإرث
اليوم، كل كتاب دراسي في الكيمياء، وكل نموذج جزيئي، وكل محاكاة رقمية للهياكل الذرية، دليل على كفاح بولتزمان.
كتب بولتزمان ذات مرة أن متعة العلم هي "الشعور بلذة الجمال في تناغم القوانين وبنية الكون"، وقد ضحى بحياته دفاعا عن هذا التناغم… انتهت المبارزة بمأساة، لكن الذرات التي دافع عنها بقيت صامتة وخالدة، تكوّن كل شيء من نجوم السماء إلى الخلايا العصبية التي تتذكر اسمه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
