"الدقم" تعيد تموضع النفوذ البحري

افتتاح ميناء الدقم بسلطنة عمان - المصدر: ميناء الدقم
ميناء الدقم بسلطنة عمان (ميناء الدقم)

بين الأزرقين -البحر والسماء- تاريخ لن يطوى، بل يتجدد عند أول موجة تتكسر على شطآن آمنت بالقوة المستوردة في حماية حدودها؛ للعودة إلى ملحمة القوة التي سادت في عصور غابرة، وبنت أمجادا بحرية بأساطيل حطمت قاعدة المستعمر الساعية لنهب الثروة وتشتيت الإنسان تحت ستار الاكتشافات البحرية، ليكون النفوذ علامة قوة وعلاقة متبادلة في السلم والحرب.

وبين استحضار التاريخ بقوة الأساطيل البحرية، التي بددت أطماع الاستعمار الساعي إلى إحكام القبضة على منافذ الممرات البحرية، وبين المشهد الراهن، علاقة تماس في إعادة التموضع وترتيب اتجاهات الأمواج الجيوسياسية، التي تعصف بمستقبل سلاسل الإمداد التي تبحث عن موانئ مستدامة وآمنة.

فهل الخليج بتاريخه وثرائه المادي ووخز أطماع القوى الكبرى قادر على صناعة لحظة لوجيستية تاريخية؟

إن النظرة السطحية لتقلبات الأمواج السياسية لا يمكن أن تعطينا قوة السيطرة على ثرواتنا، بل تدفعنا إلى حافة التسليم وأن نكون غرباء حتى في أملاكنا

لم تعد الموانئ بصفتها البحرية أرصفة شحن وتفريغ، بل تجاوزت تلك المهمة لتكون ميزانا للقوة ومخازن للنفوذ، وبوابات لرسم مستقبل الحضور المؤثر في المشهد السياسي والاقتصادي، وتوجيه بورصة الأبعاد الجيو-اقتصادية لتصبح مركزا لوجيستيا يفرض وجوده لأصحاب الأرض.

وبلا أدنى شك، فإن منطقة الخليج تقف بين مد وجزر، فالمد يدفع بها لأن تكون المكان الذي يهيمن، ويرسم خارطة القوة ويفرض سيادتها وفق الأعراف الدولية، والجزر يحيد قراراتها فتبقى مجرد ساحة للتنافس بين القوى المهيمنة على المسارات السياسية، وتقع في أتون ورقة المقايضة الأمنية، تتقاذفها مصالح لا تؤمّن لها مستقبلها وتطلعات أبنائها.

إن النظرة السطحية لتقلبات الأمواج السياسية لا يمكن أن تعطينا قوة السيطرة على ثرواتنا، بل تدفعنا إلى حافة التسليم وأن نكون غرباء حتى في أملاكنا، وتخدعنا الوعود التي تنحو إلى التصديق بأن جلسات "المصالحة" ستعطينا تأثيرا نعيد به تموضعنا وفرض نفوذنا، بل هي رماد يُذرّ لترك الحق بحجة الاضطرابات السياسية وضبط إيقاع المكان، حتى تصبح السيطرة اسمية أكثر من كونها فعلية.

إعلان

إن ما فرضته الأحداث الأخيرة في قوة التحكم بالممرات المائية، خاصة في البحر الأحمر وباب المندب، يدفعنا لتعميق حاسة التدبر بنظرة وجودية لا تتجرد عن تداعيات الأحداث، بل تفرض علينا عدم التسليم للإملاءات الساعية للسيطرة على مواضع نفوذنا.

لذلك، فقد كان استخدام تلك الممرات كورقة ضغط تجاه ما تقوم به آلة الحرب من قتل وتشريد وإبادة في غزة، وسط عنجهية التواطؤ الأميركي مع الاحتلال الإسرائيلي، يعطي دلالة واضحة على أنها ورقة رابحة عندما نحسن استخدامها لدعم الموقف السياسي العربي تجاه القضية الفلسطينية.

الموانئ الخليجية أثبتت تقدمها عالميا في سرعة تطورها وكفاءة ربطها بالخطوط البحرية، لكن حتى تكون قوة بحرية ذكية لا استعراضية يجب أن تعمل على بناء وتطوير أساطيل خفر السواحل وقوتها العسكرية البحرية

وعلى أثر ذلك فقد تكبدت الدول "الداعمة" خسائر كبيرة بسبب إعادة توجيه جزء من التجارة، أو إمداد الكيان الإسرائيلي بالمستلزمات والأسلحة، إلى ممرات بديلة عبر رأس الرجاء الصالح، حيث ارتفعت بذلك كلفة التأمين والشحن، مع تهاوي ممرات أخرى كانت تمثل بؤرة الإمداد والمتنفس، ما أسقط ورقة التوت وأوضح تقاطع المصالح بتواطؤ عربي سافر.

الخليج لم يكن بعيدا عن دائرة الاضطرابات، بل كان المسار والموقع الذي يمكنه أن يفرض أو يعيد تاريخه البحري من تلك المنطلقات، من خلال بناء رؤية إستراتيجية ذات أثر على قوة القرار، والتحول من معادلة الأمن مقابل الحماية- حتى لا تصبح الدول مجرد ممرات مؤمنة لصالح الآخرين- إلى سيطرة تدار بنظرة اقتصادية متنوعة، قائمة على الخدمات اللوجيستية وسلاسل القيمة المضافة، كي لا يكون الميناء نهاية رحلة لسفينة قذفتها الأمواج السياسية لتغدو نافقة.

من البديهي أن الدول الكبرى لا يمكن أن تسهّل أو تسمح للموانئ الخليجية أن تكون منصة نفوذ، لكن ما يمكن أن يرجح الكفة الخليجية في ذلك يتبلور في الخروج، أو تجاوز ربقة التبعية اللوجيستية بالدخول في بناء تكتلات ومصالح بمنطق الشراكة المتوازنة، ومحاولة فصل أمن الممرات عن استقلال القرار الاقتصادي المدعم بالقانون لا بالإملاءات، وبالتالي يغدو هو من يفرض على حلفائه خياراته بدل أن يقع في حيز التسيير.

ومن حيث الكفاءة والاستدامة، فإن الموانئ الخليجية أثبتت تقدمها عالميا في سرعة تطورها وكفاءة ربطها بالخطوط البحرية، لكن حتى تكون قوة بحرية ذكية لا استعراضية يجب أن تعمل على بناء وتطوير أساطيل خفر السواحل وقوتها العسكرية البحرية، وتعزيز الاستثمار الأمني بسيطرة داخلية مبنية على الإرث البحري، تنتقل به من مفهوم حراسة الموانئ إلى مفهوم إدارة الفضاء البحري بشكل متكامل، وعليها أن تؤمن بمسار العمل المشترك الذي يحتاج إلى النظر بعين مجردة إلى وحدة المصير.

في عام 1668، وبالتحديد في معركة ديو البحرية بالمحيط الهندي، استطاع الأسطول العماني المكون من 19 سفينة و5 فرقاطات إنزال هزيمة ساحقة بالأسطول البرتغالي، وذلك في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي

سلطنة عمان تاريخ وأمجاد

لقد أثبتت سلطنة عمان بثرائها الحضاري وتاريخها البحري دورها وتأثيرها عبر موقعها، وموضعها على خارطة التجارة العالمية، وسواحلها الممتدة على بحر عمان والمحيط الهندي جعلتها في قلب طريق اللبان والبخور نحو الهند وشرقي أفريقيا، بل كانت محطة مركزية في التجارة بين الهند وبلاد الرافدين وبلاد الشام وأفريقيا.

ولقد قدمت أعلاما ساهموا في تطوير وتأسيس العلوم البحرية؛ ففي النصف الثاني من القرن الـ15 للميلاد، برز نجم البحارة العماني أحمد بن ماجد، الذي قدم تجاربه وخبراته في طول البحار وعرضها عبر كتاب «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد»؛ ففيه يوضح ابن ماجد تاريخ علم البحر والملاحة البحرية ليكون منهاجا لربابنة السفن، ودررا مسبوكة في أوقات الرخاء والمحن، ولتصبح جل مؤلفاته مهدا في تأسيس علم البحار الذي أفاد البشرية، ومنها استقت المعارف.

إعلان

كذلك كان لأسطولها البحري حضور يؤمّن المسارات البحرية سلما وحربا، وهنا يقول المؤرخ الإنجليزي "كوبلاند": "أصبحت البحرية العمانية في بداية القرن الـ 18 تفوق بقوتها أي قوة بحرية أخرى، لدرجة أن الأساطيل الإنجليزية والهولندية كانت تخشى كثيرا مواجهة العمانيين".

وفي عام 1668، وبالتحديد في معركة ديو البحرية بالمحيط الهندي، استطاع الأسطول العماني المكون من 19 سفينة و5 فرقاطات إنزال هزيمة ساحقة بالأسطول البرتغالي، وذلك في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي.

وقال المؤرخ الإنجليزي "صامويل مايلز": "إن اليعاربة قد صارت لهم السيادة الفعلية على المحيط الهندي، وأصبحت سفنهم تنشر الرعب في قلوب الأوروبيين لمدة قرن ونصف".

وفي عام 1775، وفي عهد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، كان لسفينة الرحماني شأن كبير في مد يد العون والذود عن حياض الأمة، عندما حطمت وقطعت السلسلة الحديدية التي وضعها الفرس على شط البحر لمنع الأسطول العماني من الوصول إلى البصرة، لتتمكن من كسر الحصار الذي فرضه الفرس على العراق.

الدقم ليس ممرا بحريا فحسب، بل هو نقطة ارتكاز خليجية نحو التحول الآمن؛ فهو معبر بلا صراع، وعتبة بلا ضجيج، ومرفأ لا يخضع لابتزاز جيوسياسي، ومنصة للاستثمارات الضخمة والتحالفات الجديدة

"الدقم" فضاء بحري مفتوح

يطل ميناء الدقم على بحر العرب والمحيط الهندي، ويتمركز عند الساحل الجنوبي الشرقي لسلطنة عمان، حيث يشكل واجهة آمنة ومستقرة في خارطة الممرات البحرية في الشرق الأوسط، إذ إنه يمثل موقعا لوجيستيا متكاملا، وبيئة أساسية متطورة تواكب متطلبات الراهن الاقتصادي والمستقبلي.

وبهذا الموقع المتفرد يمثل الميناء نقطة جغرافية تعد أكثر استقلالية عن كل خطوط التوترات والاحتقان السياسي في المنطقة، كما يمكنه جيوسياسيا أن يلعب دورا مهما في تغيير معادلة الأمن والاقتصاد، باعتباره عقدا متوازنا بين خطوط الشحن القادمة من شرقي آسيا والطرق المتجهة نحو أفريقيا والممرات الآمنة نحو البحر الأحمر، والفضاء المفتوح نحو المحيط الهادي.

لذلك، ومن خلال التوجه المشترك الذي يعزز مبدأ التعاون مع الجوار والمصير المشترك، يمكن أن تمنح سلطنة عمان للمنطقة منفذا إستراتيجيا لا يخضع للابتزاز الجغرافي أو المساومة على مصالح الأقوى، بل يمكن عبر هذا الممر الآمن أن تقدم دورا إقليميا مشاركا ذا سيادة، يتماثل مع تاريخها البحري ودورها الريادي.

هنا ثمة أسئلة تطرح نفسها، مبتعدة عن تقلب المواقف وازدواجية المصالح التي تسير بين مد وجزر: هل سيعيد ميناء الدقم فلسفة قوة النفوذ، وبالتالي يمنحنا إعادة تموضع لتاريخنا البحري؟ وهل ستكون نظرة الخليج نظرة توازن لا نظرة تنافس ضمن الوحدة الجيو-اقتصادية، بعيدا عن فلسفة المقايضة؟ وهل يمكن أن تتحول المنطقة من مركز نقل إلى مركز ثقل؟

الدقم ليس ممرا بحريا فحسب، بل هو نقطة ارتكاز خليجية نحو التحول الآمن؛ فهو معبر بلا صراع، وعتبة بلا ضجيج، ومرفأ لا يخضع لابتزاز جيوسياسي، ومنصة للاستثمارات الضخمة والتحالفات الجديدة. وهذا هو التاريخ الذي يبدأ من البحر ويعود إلى أصله ليبحر نحو المستقبل برؤية أكثر اتساعا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان