- السرديات المضلِلة واللامبالاة الغربية: كيف يمنح الغطاء لاستمرار الإبادة في السودان؟
تشهد مدينة الفاشر، وغرب السودان على نحو أوسع، واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في تاريخ البلاد، حيث ترتكب مليشيا قوات الدعم السريع انتهاكات واسعة النطاق، ترتقي في بعض جوانبها إلى مستوى الإبادة الجماعية، وفق ما تؤكده تقارير ميدانية وشهادات مدنيين ومسؤولين حقوقيين. ورغم وضوح حجم الكارثة، يتصدر المشهد العام تداول سلسلة من السرديات المضللة التي تعمل على تشويه حقيقة ما يجري، وتخفيف الإدانة، وتوفير غطاء سياسي وإعلامي للمليشيا، بما يسهل استمرار العنف وتوسعه.
يصور الصراع على أنه «خلاف داخلي» أو «مواجهة ضد الإسلاميين»، في محاولة لإعادة صياغة طبيعة الحرب بما يخدم المليشيا وداعميها الإقليميين
واحدة من أكثر هذه السرديات انتشارا هي الادعاء بأن «كل الأطراف ترتكب انتهاكات». ورغم أن الحروب بطبيعتها تفرز خروقات من جهات مختلفة، فإن المساواة بين جميع الأطراف في الحالة السودانية تختزل المشهد على نحو خطير.
فهناك فرق جوهري بين انتهاكات فردية أو محدودة، وبين نمط منظم وممنهج من العنف، قائم على القتل على الهوية، والتهجير القسري، والعنف الجنسي الجماعي. هذه ليست «خروقات»، بل سلسلة مترابطة من الجرائم التي تندرج ضمن تعريفات الإبادة والتطهير العرقي، الأمر الذي يجعل وضع الأطراف كافة في كفة واحدة محاولة لإخفاء الحقيقة أكثر مما هو تفسير لها.
وتبرز سردية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في استخدام تاريخ السودان المضطرب لتقديم ما يجري اليوم بوصفه امتدادا طبيعيا للماضي. هذا الخطاب، الذي يتكرر في بعض التحليلات الإقليمية والدولية، يطبع العنف ويحوله من جريمة معاصرة إلى «قدر تاريخي». بينما الحقيقة أن الإبادة الجارية اليوم تتمتع بخصوصية ميدانية وسياسية، مرتبطة مباشرة ببنية مليشيا الدعم السريع، ونمط تدخلاتها، وسياقات الدعم الخارجي الذي تتلقاه. فلا يجوز استدعاء الماضي لتبرير الحاضر، ولا استخدامه ذريعة لإضعاف المطالبة بالمحاسبة.
ولا يتوقف تأثير هذه السرديات عند المستويين الإقليمي والدولي، بل يتجاوزهما إلى الداخل السوداني نفسه. إذ تتبنى بعض النخب المدنية والسياسية والإعلامية هذه المقاربات، أحيانا بحسن نية، وأحيانا بدافع الاصطفاف السياسي أو الرغبة في تجميل مواقف بعينها. ويعمد بعض رموز الطبقة السياسية إلى إعادة إنتاج خطاب «كل الأطراف سواء»، أو إلى التركيز على توصيف طرف بعينه بأنه «أيديولوجي» أو «متطرف»، في محاولة لنزع الشرعية عنه.
ويسهم هذا التبني المحلي عمليا في إضعاف الرواية الحقيقية للصراع، ويمنح المليشيا غطاء داخليا موازيا للغطاء الخارجي، ويخلق انطباعا مضللا بأن حجم الجرائم متساو، أو أن ما يجري ليس سوى صراع سياسي بين قوى متنافسة، بينما يشير الواقع بوضوح إلى نمط ممنهج من العنف يستهدف مجموعات محددة.
وتزداد خطورة هذا النوع من السرديات حين يتحول إلى أدوات سياسية بيد الأطراف الخارجية الداعمة للمليشيا. إذ يصور الصراع على أنه «خلاف داخلي» أو «مواجهة ضد الإسلاميين»، في محاولة لإعادة صياغة طبيعة الحرب بما يخدم المليشيا وداعميها الإقليميين. ومع هذا الخطاب، يعاد توجيه الأنظار من الجرائم الميدانية إلى نقاش أيديولوجي مضلل، ما يسهل استمرار الدعم العسكري والمالي، ويضفي عليه غطاء دعائيا.
هذه الازدواجية لم تعد مجرد تناقض سياسي، بل أصبحت جزءا من المشكلة نفسها. إذ لا يمكن لواشنطن أو لندن أو بروكسل أن تطالب بوقف الجرائم في السودان، بينما تستمر في حماية حلفاء متورطين في دعم المليشيا
ولعل من أكثر جوانب هذا المشهد إثارة للدهشة استخدام بعض هذه الدول خطاب «الديمقراطية» لتبرير تدخلها في السودان. والمفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن هذه الدول نفسها لا تعرف الديمقراطية ولا تمارسها في مؤسساتها السياسية، ولا تمتلك سجلا يذكر في احترام الحقوق المدنية أو التمثيل السياسي. وفي هذه الحالة، يتحول خطاب الديمقراطية إلى أداة علاقات عامة تمنح غطاء سياسيا لتدخلات لا صلة لها بأي رؤية لتحول ديمقراطي حقيقي في السودان.
غير أن اللوم الأكبر لا يقع على هذه الأطراف الإقليمية وحدها، بل يمتد أيضا إلى الدول الغربية التي تغض الطرف عن هذا الدعم، رغم علمها الكامل به. فالدول الغربية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان وتتحدث عن «النظام الدولي القائم على القواعد» تعرف جيدا، وفق تقارير معلنة ووثائق أممية، أن بعض حلفائها يقدمون تسليحا مباشرا لمليشيا الدعم السريع، في خرق واضح لقرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر السلاح. ومع ذلك، يتواصل الصمت، أو الاكتفاء ببيانات دبلوماسية لا تفضي إلى أي ضغط فعلي أو مساءلة.
هذه الازدواجية لم تعد مجرد تناقض سياسي، بل أصبحت جزءا من المشكلة نفسها. إذ لا يمكن لواشنطن أو لندن أو بروكسل أن تطالب بوقف الجرائم في السودان، بينما تستمر في حماية حلفاء متورطين في دعم المليشيا.
كما لا يمكن لهذه الدول أن تتحدث عن «حماية المدنيين» في الوقت الذي تتسامح فيه مع تدفق السلاح إلى الأطراف التي ترتكب الانتهاكات. هذا التناقض يفقد الخطاب الغربي مصداقيته، ويكشف حدود التزامه بالقيم التي يرفعها في المحافل الدولية.
إن تفكيك هذه السرديات، محليا وإقليميا ودوليا، ضرورة أساسية لحماية المدنيين ووقف الإبادة. وهو الخطوة الأولى لإعادة تعريف الصراع في السودان بوصفه جريمة لها مرتكبوها الواضحون، لا مجرد نزاع داخلي تتساوى فيه الأطراف
إن هذا الصمت الغربي -أو «التواطؤ غير المباشر» بتعبير أدق- يساهم بصورة مباشرة في إطالة أمد الحرب. فهو يمنح مليشيا الدعم السريع مظلة سياسية، ويضعف أدوات الضغط الدولي، ويجعل قرارات مجلس الأمن حبرا على ورق. كما ينتج هذا الموقف بيئة دولية تسمح باستمرار الجرائم دون توقع أي محاسبة، ما يقوض منظومة العدالة الدولية ويعيد طرح سؤال جوهري: لمن تطبق هذه القواعد؟ وعلى من؟
إن تفكيك هذه السرديات، محليا وإقليميا ودوليا، ضرورة أساسية لحماية المدنيين ووقف الإبادة. وهو الخطوة الأولى لإعادة تعريف الصراع في السودان بوصفه جريمة لها مرتكبوها الواضحون، لا مجرد نزاع داخلي تتساوى فيه الأطراف. فالمأساة السودانية لا ترتكب في الظلام؛ العالم يرى، والغرب يرى، وبعض النخب ترى.. لكن المصالح والانحيازات، كعادتها، أعلى صوتا من دماء الضحايا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

