حين جلست في الروضة النبوية.. شعور لا يشبه الدنيا

الروضة النبوية الشريفة
الكاتب: جلست أستند إلى سارية من سواري الروضة وأتأمل الجدران التي شربت من تاريخ النبوة وأنوار الوحي (الجزيرة)
  • خواطر من الروضة النبوية الشريفة

كنت يوما أجلس في الروضة النبوية الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، بعد صلاة المغرب من يوم السبت 10 جمادى الأولى 1447هـ الموافق الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وأترقب صلاة العشاء، وقلبي يخفق كأنه يستعد لولادة لحظة لا تشبه شيئا مما عرفته من قبل. وما إن وضعت قدمي على رحابها الطاهرة حتى شعرت أن الأرض ليست الأرض التي أعرف، وأن الهواء ليس له شبه في الدنيا، وأن الأنفاس تتغير حين تدخل نطاق هذا النور العظيم. وكأن بوابة غيبية فتحت، ليدخل منها قلبي قبل جسدي، ويتخفف من ثقل العالم وهمومه، لينسلّ إلى عالم أصفى وأرق وأطهر مما يخطر على قلب بشر ضعيف مثلي.

كأني أرى الصحابة الكرام يعودون للحياة أمامي، ويصطفون للصلاة، ثم جلست بينهم، ولم أكن غريبا، بل كنت واحدا من عشاق ذلك الجيل، وواحدا ممن تمنوا لو رأوا الحبيب صلى الله عليه وسلم ولو لحظة من الزمن

إنها روضة من رياض الجنة، كما أخبر بذلك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة). ولكن العجب أنني حين جلست في الدوحة النبوية أدركت أن الجنة ليست وعدا ينتظر، بل نفحة تذاق، وسكينة تحسستها حين لامست قدماي بساط الروضة، في هيئة نور كأنه يغشاني من كل جنباتي.

وجلست في تلك الأمسية الماتعة أستند إلى سارية من سواري الروضة، وأتأمل الجدران التي شربت من تاريخ النبوة وأنوار الوحي، وأشعر أن شيئا غير مرئي يلامس روحي، ويربت على قلبي بحب غامر، وكأن المكان يعرفني ويحتضنني ويقول لي: (مرحبا بك في حضرة النور، فأنت الآن في ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم).

ولما حضر وقت صلاة العشاء، أخذني الحنين إلى زمن لم أعشه، لكنه يسكن في داخلي وفي وجداني منذ أن عرفت معنى: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). فأغمضت عيني لحظة، وإذا بالأزمان تتفتح أمامي كأبواب، وإذا بالماضي ينساب نحوي كأنه يريد أن يكتمل بناظري إليه.

إعلان

وكأني أرى الصحابة الكرام يعودون للحياة أمامي، ويصطفون للصلاة، ثم جلست بينهم، ولم أكن غريبا، بل كنت واحدا من عشاق ذلك الجيل، وواحدا ممن تمنوا لو رأوا الحبيب صلى الله عليه وسلم ولو لحظة من الزمن، فإن تلك اللحظة تعدل الدنيا بكل زينتها وكنوزها وبهرجتها.

تلفت، وكأني أرى الفاروق عمر، رضي الله عنه، واقفا كأنه سور يحمي حمى الدين. خشوعه ووقفته، وقوته ودمعته، ورهبته، كلها واضحة للعيان. بدا لي كأنه يستعد للصلاة بكل ما فيه من صدق

وكأني أرى بلالا بن رباح، رضي الله عنه، واقفا عند باب النبي، صلى الله عليه وسلم، ووجهه يشع بخشوع لا ينسى، وصوته الندي ينساب من فمه قبل أن يصل إلى المآذن، صوت طاهر يوقظ القلوب: (الصلاة… الصلاة يا رسول الله). يا الله، كيف اخترق النداء قلبي كما اخترق زمن الصحابة؟ وكيف استشعرت أن النداء موجة نور عبرت القرون كلها لتستقر في روحي؟

ومضت روحي إلى أهل الصفة، أولئك الفقراء الذين كانوا أغنى الخلق بالله، وجوههم تشبه السراج في ليل مظلم، وقلوبهم تشبه السحاب الهاطل بالغيث. وكأني أنظر إليهم يجلسون على طرف الروضة، يحملون الدنيا في قبضة زهد، ويحملون الآخرة في عيون لا ترى إلا الله.

وكأني أنظر أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو أقرب الأصحاب إلى رسول الله. يا لسكينته، ويا لطمأنينته، ويا للهيبة والوقار والإيمان الذي استقر في أعماق فؤاده!، وكأنه يمشي في روضة النور، فإذا المكان يهدأ، وإذا النفوس تطمئن، وإذا السكينة تتنزل مع خطاه، وكأن الدوحة النبوية تناديه قائلة: (على الرحب والسعة يا صديق رسول الله، ويا صاحبه في الغار، ويا أقرب العباد إلى قلبه صلى الله عليه وسلم).

ثم تلفت، وكأني أرى الفاروق عمر رضي الله عنه واقفا كأنه سور يحمي حمى الدين. خشوعه ووقفته، وقوته ودمعته، ورهبته، كلها واضحة للعيان. بدا لي كأنه يستعد للصلاة بكل ما فيه من صدق، لا يملك إلا قلبا خاشعا، ودمعة حب، ونية صافية.

رددت في قلبي كلمات شكر وتسليم لله جل وعلا. يا الله، ما أعظم نعمتك! كيف جعلت لهذه البقعة قدرة على جمع القلب المكسور، وشفاء الروح المتعبة

ثم حولت أنظاري إلى سواري الروضة، وكأني أرى أنسا بن مالك وزيدا بن ثابت وهما يضعان الطيب على جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشعرت لحظتها أن العبق الذي يفيض من المكان الآن ليس عبقا من عطر يشترى، بل من ذكرى طيب لامس أطهر جسد من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.

ثم بدا لي كأن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله، عنه يناول السواك لرسول الله، بيد ترتجف هيبة ومحبة ووقارا، كأني به وهو يقول: (ليتني أستطيع أن أقدم لك قلبي بدل السواك).

وكأني بابن عباس وهو يتتبع أثر النبي، يتقدم لإمامة الصحابة، ويخطو خلفه، يخشى أن تضيع منه خطوة واحدة، كأنه يتعلم من أثر القدم ما هو أعظم من الكتب كلها.

ثم تخيلت الأنصار، ويا لعظمة حضورهم! وكأنهم يتجمعون ويرصون الصفوف، ويعلنون للدنيا أنهم قوم إذا أحبوا أخلصوا، وإذا بايعوا صدقوا، وإذا وقفوا بين يدي الله لا تثنيهم النوائب. وكأني أسمعهم يقولون بأرواحهم قبل ألسنتهم: (طبت وطابت بك المدينة يا رسول الله).

إعلان

ثم التفت حولي، وكأني بصفوف الصحابة تمتد، وتمتد، وتكبر حتى صارت تطوقني. فشعرت أنني لست زائرا في الروضة الشريفة فحسب، بل شاهدا على زمن تعود لي فيه الحياة. وكأن الروضة فتحت لي بابا لأرى ما لا يرى، ولأعيش ما لا يعاش. حينها قلت في نفسي: (إن كانت الجنة تشبه ما أشعر به في هذه اللحظة، فنعيمها لا يوصف أبدا، بل يعاش حتى يوصف).

ثم رددت في قلبي كلمات شكر وتسليم لله جل وعلا. يا الله، ما أعظم نعمتك! كيف جعلت لهذه البقعة قدرة على جمع القلب المكسور، وشفاء الروح المتعبة، وغسل الحزن من صدر لم يجد إلا لذة القرب من الله؟

اللهم يا رب الروضة، ويا رب البيت الذي عاش فيه نبيك، ويا رب المنبر الذي صدح منه نور الهداية، اجعلنا ومن نحب من أصحابه ورفقائه، ومن الذين يشربون من حوضه

الحمد لله على نعمة الجلوس في هذا المكان المبارك، والحمد لله على لحظة امتلأ فيها القلب قربا وخشوعا ودمعا لا يشبه دموع أهل الدنيا، ولسان حالي يقول: (يا رب، لا تحرمني لذة القرب منك). ثم وجدت نفسي أردد دون شعور دعاء صادرا من أعماق القلب، يحمل شوق الآخرة وصدق الرجاء.

ثم أدينا صلاة العشاء، وسلمت على رجل يجلس عن يميني من أهل السودان، بدا عليه التأثر لحالي. وخرجت للسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه، رضي الله عنهما، ثم خرجت وأنا أقول في داخلي: (صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، ما عرفتك القلوب إلا اشتاقت لك، وما ذكرك الذاكرون إلا بكوا، وما أحبك أحد إلا شعر أن الدنيا لا تساوي شيئا بدونك).

اللهم يا رب الروضة، ويا رب البيت الذي عاش فيه نبيك، ويا رب المنبر الذي صدح منه نور الهداية، اجعلنا ومن نحب من أصحابه ورفقائه، ومن الذين يشربون من حوضه، ومن الذين تفتح لهم أبواب الفردوس الأعلى معه. اللهم لا تجعل بيننا وبينه حجابا، ولا تجعل يوما يمر بلا شوق إليه، ولا قلبا يخلو من ذكره، وارزقنا اتباع سنته في الدنيا، وصحبته يوم العرض عليك. اللهم آمين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان