- حين يكتب الوطن عنك..
في بلد غلبت فيه رائحة الموت رائحة الياسمين، وارتسمت على جدرانه ظلال الدماء، وتشظت فوق أحجاره صور الطغيان.. ولدت فتاة سورية بحلم كبير وأمل لا ينتهي.
هناك، في بقعة كانت الحرب فيها تطارد الطفولة، وتكسر الأبواب، وتهوي على البيوت كصخرة تتدحرج من جبل قاسٍ، كبرت وتعلمت الخوف قبل أن تعلمها الحياة القراءة.. خوف من التعبير، من الصوت الذي يفترض أن يكون طبيعيا.
رأت ما لا يحتمل… مشاهد أكبر من العمر، وأثقل من الكون: أم تبحث بين الركام عن طفل لن يعود، وأخرى أنهكها انتظار أخ مفقود، وشاب خرج ولم تترك له البلاد أثرا، وأب يحدق في وجوه أبنائه وفي عينيه سؤال واحد:
كيف أحميكم؟
تفتت الوطن أمامها قطعة قطعة، وكأن الأرض نفسها تتساءل: إلى أين يأخذونكم؟
مر عام من النور وهي لا تزال بعيدة.. لم تستطع أن تشارك الفرح على الأرض، لكن قلبها كان هناك، ينبض مع كل هتاف، وتكبيرة، وراية ترفرف
وحين لم يعد للبقاء معنى سوى المزيد من الألم، جاءت الغربة.. لم تكن سفرا عابرا، بل كانت خطوة هاربة من حرب لا ترحم، وامتدادا لوجع لا ينقطع، وممرا طويلا تحمل فيه جراحها بعيدا عن بيتها، عائلتها، ومسقط رأسها.
ذهبت محاولة ترميم ذاتها وإثبات نفسها. رتبت أيامها بصمت حالم، أخفت قلقها تحت ابتسامة ثابتة، وبنَت حياة جديدة تشبه أملا صغيرا قاوم لئلا ينطفئ.
وفي فجر لم تتوقعه، جاء الصوت الذي هز الأرض والسماء معا: "تحررنا".
توقفت اللحظة. لم تفهم.. لم تصدق.. حتى اكتمل الخبر: سقط النظام. سوريا حرة، لا قيود.. لا طغيان.
ارتجفت الفتاة، واختلطت دموعها بضحكة ولدت من عمق ألم طويل. كانت تبكي وتضحك معا، كما لو أن روحا نائمة في داخلها نهضت فجأة وقالت: عاد الوطن.
انكسرت سنوات الخوف، وارتدت البلاد لونها الأول؛ لون النصر.
مر عام من النور وهي ما تزال بعيدة.. لم تستطع أن تشارك الفرح على الأرض، لكن قلبها كان هناك، ينبض مع كل هتاف، وتكبيرة، وراية ترفرف. كانت تراقب الاحتفالات من بعيد كما تراقب أم طفلها الوليد من خلف الزجاج: قريبة من النبض.. بعيدة عن اليد.
كانت مشاعرها خليطا من كل شيء: فرح يشبه العناق، وألم يشبه الغصة، وبهجة التحرير ممزوجة بقهر الغياب.
من هذا الانفجار الداخلي، تدفقت كلماتها. لم تكن تكتب… كانت تتنفس.
كانت القصيدة صوت كل مغترب عاش لحظة التحرير قلبا لا جسدا.. ولم يستطع أن يصرخ من شوارع الوطن، فصرخ من البعد: عاد الوطن.. فمتى أعود أنا؟
هكذا ولدت قصيدتها "فجر الانعتاق". لم تكن نصا، بل صرخة وجود:
- ليلة بألف عام.
- بهاء لم تبصره الأيام.
- تاريخ عهد وحضارة.
- تجذرت مستأصلة.
- طاغوت الظلام.
كانت القصيدة صوت كل مغترب عاش لحظة التحرير قلبا لا جسدا.. ولم يستطع أن يصرخ من شوارع الوطن، فصرخ من البعد: عاد الوطن.. فمتى أعود أنا؟
هذه الفتاة.. تلك التي عاشت الحرب والغربة والنور.. هي أنا.
أحتفل وأحزن بقلمي.. حروفي إهداء إلى أبناء وطني.. إلى كل من عاش في البعد ولم يبتعد يوما عن سوريا.
أكتب الآن لأقول حقيقة واحدة، أرددها كما لو أنني أتنفسها: أنا السورية التي حملت وطنها في الغربة، وكتبته شعرا، لتعود به إلى الحياة.
أنا سورية.. وأفتخر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

