- غزة ما بعد حرب الإبادة.. حصاد الكارثة المروع ونداء المسؤولية التاريخية
تقف غزة اليوم على حافة الهاوية؛ فهي ليست مجرد بقعة منكوبة، بل مدينة مزقتها حرب إبادة ممنهجة. وليس وقف إطلاق النار، في هذا السياق، سوى هدنة مؤقتة في صراع البقاء، يظل نجاحها مرهونا بتحرك عاجل وحاسم لانتشال السكان من براثن كارثة إنسانية غير مسبوقة.
فالدمار لا يُقاس بعدد البيوت المهدمة فقط، بل بتمزق النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي برمته. والتحديات القادمة وجودية، تتطلب إرادة فلسطينية صلبة من الداخل، ومسؤولية تاريخية واضحة من العرب والمجتمع الدولي.
تدمير ما يزيد على 90% من المباني، ما جعل الغالبية الساحقة من السكان بلا مأوى، يعيشون في خيام أو مراكز إيواء غير مهيأة، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الكرامة والأمان
الخسائر غير القابلة للتعويض.. قلب غزة النازف
يُعد المشهد الإنساني بعد حرب الإبادة الأكثر قسوة في تاريخ القطاع، إذ تحولت غزة إلى مكان غير صالح للحياة على الإطلاق.
الكلفة البشرية والنفسية.. فجوة الأجيال والجرح العميق
- الخسائر الديمغرافية والاجتماعية: أعداد هائلة من الشهداء والجرحى، غالبيتهم من النساء والأطفال، ما أحدث فجوة ديمغرافية واجتماعية عميقة، وخسارة فادحة في رأس المال البشري نتيجة التدمير الممنهج لكوادر التعليم والصحة والثقافة.
- الصدمة الجماعية المزمنة: أكثر من مليوني إنسان يعانون من صدمات نفسية حادة وطويلة الأمد، ولا سيما الأطفال، الذين يحتاجون إلى دعم نفسي مستدام لسنوات قادمة، في كارثة تتجاوز نطاق الإغاثة الطبية العاجلة.
التدمير الهيكلي والبيئي.. أساسيات الحياة المفقودة
- أزمة المأوى والكرامة: تدمير ما يزيد على 90% من المباني، ما جعل الغالبية الساحقة من السكان بلا مأوى، يعيشون في خيام أو مراكز إيواء غير مهيأة، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الكرامة والأمان.
- الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية: تدمير نحو 90% من شبكات المياه والصرف الصحي، وتعطيل شامل لمحطات الكهرباء والاتصالات، الأمر الذي يهدد بانتشار أوبئة خطيرة يصعب احتواؤها، مثل الكوليرا والتهاب الكبد.
- خسارة الجيل المعرفي: تجريف واسع للقطاعات الصناعية والزراعية، والأخطر أن جيلا كاملا حُرم من مراحل تعليمية حاسمة، ما ينذر بخسارة ثقافية ومعرفية تحتاج غزة زمنا طويلا لتعويضها.
محاولات فرض إدارة محلية منفصلة أو تقسيم القطاع تستدعي يقظة وطنية فلسطينية قصوى، عبر توحيد الصف الداخلي وتشكيل مرجعية وطنية موحدة لإدارة المرحلة والإشراف على عملية الإعمار
تثبيت الهدنة وتحديات "إدارة الكارثة"
تمثل مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار مرحلة إدارة كارثة شاملة، ويتمحور التحدي الأساسي فيها حول تحويل هدنة هشة إلى استقرار قابل للحياة.
- نزع فتيل المجاعة والأوبئة: لم يعد التحدي محصورا في علاج الجرحى، بل في احتواء الأمراض المعدية وتأمين الغذاء والدواء لمنع مجاعة حقيقية تهدد مئات الآلاف، وهو ما يتطلب تدفقا غير مقيد وآمنا للإمدادات الإنسانية.
- إزالة الأنقاض والمخلفات الحربية: تشير التقديرات إلى وجود ملايين الأطنان من الأنقاض والمخلفات غير المتفجرة، وإزالتها شرط مسبق لأي عملية إعمار، وهي مهمة خطرة ومكلفة تستوجب تدخلا دوليا هندسيا متخصصا.
- تحدي اليوم التالي السياسي.. التوحيد مقابل التقسيم: محاولات فرض إدارة محلية منفصلة أو تقسيم القطاع تستدعي يقظة وطنية فلسطينية قصوى، عبر توحيد الصف الداخلي وتشكيل مرجعية وطنية موحدة لإدارة المرحلة والإشراف على عملية الإعمار.
الهدف يجب ألا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل على تثبيته بآليات دولية ملزمة تمنع تجدد العدوان أو عرقلة الإغاثة والإعمار
العدالة والإعمار الشامل
إن حجم الدمار في غزة نتاج إخفاق جماعي عربي ودولي، ولا يمكن تحميل سكان القطاع وحدهم عبء الإعمار.
الدور العربي.. القيادة المالية والضغط الإستراتيجي
- القيادة الفعلية لتمويل الإعمار: على الدول العربية تولي القيادة الحقيقية لخطة إعمار شاملة وطويلة الأمد، بعيدا عن الوعود المؤجلة والمنح المشروطة.
- الضغط السياسي الموحد ورفع الحصار: استخدام الثقل العربي السياسي والاقتصادي لفرض آليات دولية تضمن رفع الحصار بالكامل ودون قيود، باعتباره مطلبا إنسانيا غير قابل للمساومة.
- ضمان الاستدامة: الهدف يجب ألا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل على تثبيته بآليات دولية ملزمة تمنع تجدد العدوان أو عرقلة الإغاثة والإعمار.
مسؤولية المجتمع الدولي.. المحاسبة والإنصاف
- العدالة الدولية والمحاسبة: تجاوز بيانات الإدانة إلى تحقيق دولي عاجل، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، عبر المحكمة الجنائية الدولية.
- حماية المدنيين وربط المساعدات بإنهاء الحصار: ضمان حماية دولية حقيقية للمدنيين، وربط أي دعم سياسي أو إنساني بإنهاء الحصار بشكل دائم، باعتباره شرطا أساسيا لأي تسوية مستقبلية.
غزة تنتظر الإعمار لا الاكتفاء بالإغاثة، وتنتظر العدالة لا مجرد التعاطف
رهان الإرادة والقرار الحقيقي
إن صمود غزة لم يكن يوما بطولة عابرة، بل رهانا على الإرادة. غير أن هذا الصمود لن يكتمل من دون قيادة فلسطينية موحدة تنهي الانقسام، واستجابة عربية إستراتيجية ومالية عاجلة، وقرار دولي حقيقي بإنصاف الضحية ومحاسبة الجاني.
غزة تنتظر الإعمار لا الاكتفاء بالإغاثة، وتنتظر العدالة لا مجرد التعاطف. إن تثبيت وقف إطلاق النار مرهون بإنهاء مأساة الحياة اليومية لسكانها، وتلك مسؤولية التاريخ التي لا يجوز التهرب منها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

