زهران ممداني يهزم الكراهية!

Zohran Mamdani gestures as he speaks during a watch party for his primary election, which includes his bid to become the Democratic candidate for New York City mayor in the upcoming November 2025 election, in New York City, U.S., June 25, 2025. REUTERS/David 'Dee' Delgado
عمدة بلدية نيويورك المنتخب زهران ممداني (رويترز)

 

  • زهران ممداني عمدة لنيويورك: كيف انتصر "الحُلم التقدمي" على خطاب الكراهية؟

أصبح المشهد السياسي الأميركي، وتحديدا في معقل الديمقراطية والتنوع مدينة نيويورك، على موعد مع تحوّل تاريخي يُنذر بتبدل جذري في أولويات الحكم ووجوه القيادة.

فوز الناشط والمُنظم الاشتراكي الديمقراطي زهران ممداني (34 عاما) بانتخابات عمدة نيويورك لم يكن مجرد انتصار انتخابي، بل كان رسالة مدوّية من قلب "التفاحة الكبيرة" مفادها أن الأصوات التقدمية وقضايا العدالة الاجتماعية قادرة على تجاوز خطوط التماس العرقية والدينية، والانتصار في وجه أعنف حملات التشويه وخطاب الكراهية الموجهة ضدها.

استطاع ممداني أن يترجم الإحباط إلى قوة تصويتية منظمة، مركزا حملته على فكرة أن المدينة يجب أن تخدم سكانها لا مصالح المليارديرات

صعود اشتراكي في قلب الرأسمالية

زهران ممداني، المولود في كمبالا بأوغندا لعائلة ذات أصول هندية، يُعدّ رمزا للجيل الجديد من السياسيين الأميركيين الذين رفضوا أنصاف الحلول. لم يأتِ من خلفية سياسية تقليدية أو عائلية عريقة، بل برز كناشط في قضايا الإسكان الميسور والرعاية الصحية الشاملة وحقوق المهاجرين.

لم يكتفِ ممداني بتقديم حلول جزئية، بل تبنّى أجندة "الاشتراكية الديمقراطية" الصريحة التي تدعو إلى إصلاحات هيكلية عميقة في كيفية إدارة المدينة، بدءا من فرض ضرائب على الثروات الكبيرة لتمويل الخدمات العامة، وصولا إلى إيجاد حلول جذرية لأزمة التشرد والإسكان التي تعصف بالمدينة.

إن انتخاب ممداني كأول عمدة مسلم ومن أصل جنوب آسيوي وأصغر عمدة لنيويورك منذ قرن، يُسلّط الضوء على قدرة هذه المدينة على احتضان التناقضات. فنيويورك، التي لطالما اعتُبرت مركزا للرأسمالية العالمية، اختارت قائدا تبنى خطابا نقديا حادا لـ"وول ستريت" وللنظام الاقتصادي القائم.

هذا التحول يعكس حالة من الإحباط المتزايد لدى شرائح واسعة من سكان المدينة، خصوصا الطبقة العاملة والشباب، الذين يشعرون بأنهم استُبعدوا من "الحلم الأميركي" وسط تفاقم التفاوت الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني.

لقد استطاع ممداني أن يترجم هذا الإحباط إلى قوة تصويتية منظمة، مركزا حملته على فكرة أن المدينة يجب أن تخدم سكانها لا مصالح المليارديرات.

واجه ممداني سيلا من الاتهامات بالتطرف والشيوعية، بل وصل الأمر إلى وصفه بألفاظ تحريضية بالغة الخطورة مثل "المرشح الجهادي" أو "الراديكالي الإسلامي"

مواجهة عاصفة التطرف والإسلاموفوبيا

لعل أبرز ما ميّز حملة ممداني هو صلابته في وجه حملة تشويه شرسة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الانتخابات المحلية الحديثة. فعلى الرغم من أن حملته كانت تركز على القضايا الداخلية للمدينة، إلا أن خصومه، مدعومين ببعض وسائل الإعلام اليمينية، عملوا على تسييس هويته الدينية والعرقية بشكل بغيض.

إعلان

واجه ممداني سيلا من الاتهامات بالتطرف والشيوعية، بل وصل الأمر إلى وصفه بألفاظ تحريضية بالغة الخطورة مثل "المرشح الجهادي" أو "الراديكالي الإسلامي".

لم تقتصر الهجمات على الخصوم المحليين، بل شملت تهديدات صريحة من شخصيات ذات نفوذ واسع بقطع التمويل الفدرالي عن نيويورك في حال فوزه، في محاولة واضحة لتخويف الناخبين من مغبة انتخاب مرشح يمثل هوية "مختلفة" سياسيا ودينيا.

لكن ما حدث كان عكس المتوقع؛ إذ تحول خطاب الكراهية إلى دافع لتجميع الأصوات. لقد أدرك الناخبون أن هذه الهجمات لم تكن تستهدف ممداني كشخص فقط، بل كانت محاولة لإقصاء كل الأقليات والمهاجرين والأصوات التقدمية من الساحة السياسية.

نجح ممداني وفريقه في تحويل هذه الهجمات إلى دليل على أن فوزه هو انتصار للإرادة على التطرف، وانتصار لقيم التسامح والتنوع التي تدّعي نيويورك أنها تمثلها.

شكل هذا الدعم المضاد من الناخبين رفضا شعبيا واضحا لأي محاولة لفرض الإسلاموفوبيا كأداة ضغط سياسي، ما يؤكد أن التنوع الديمغرافي للمدينة بات يشكل حصنا منيعا ضد العودة إلى زمن الخطاب الأحادي القائم على الإقصاء.

لقد استطاع ممداني أن يدمج "الحُلم التقدمي" الذي يركز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مع "الهوية الجديدة" التي تمثل التنوع الثقافي والديني، ليخلق بذلك نموذجا جديدا للسياسي الناجح

تحالف الأقليات والجيل الجديد: قوة التنوع

يكمن مفتاح انتصار ممداني في قدرته على بناء تحالف واسع وعميق ضمّ قطاعات من السكان لم تكن بالضرورة تتفق معه في كل التفاصيل السياسية، لكنها توحدت حول مبدأ التغيير ورفض الكراهية. هذا التحالف شمل:

  • المجتمع المسلم وجنوب آسيا: الذين رأوا في ممداني ليس مجرد ممثل لهم، بل هو دليل على أن الهوية الدينية والعرقية في أميركا لم تعد قيدا يمنع من الوصول إلى أعلى المناصب. لقد استمدوا منه شعورا بالتمكين لم يسبق له مثيل في تاريخ المدينة.
  • الشباب والليبراليون التقدميون: الذين وجدوا في أجندته الصريحة حول تغير المناخ والإصلاحات الاقتصادية ما يعبر عن تطلعاتهم لمستقبل أكثر عدالة، خاصة فيما يتعلق بالديون الطلابية وأزمة السكن.
  • الطبقة العاملة والفقيرة: سواء من الأقليات أو البيض، الذين سئموا من سياسات "النخبة" التي تركز على مصالح "وول ستريت" وتتجاهل أحياءهم وقضاياهم الأساسية. فخطاب ممداني لم يكن إقصائيا، بل كان جامعا تحت مظلة القضايا الطبقية المشتركة.

هذا التنوع في قاعدة الدعم الانتخابي هو ما منح ممداني التفوق، مُثبتا أن سياسات "المواجهة" و"التهميش" لم تعد تجدي نفعا في مدينة مثل نيويورك.

لقد استطاع ممداني أن يدمج "الحُلم التقدمي" الذي يركز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مع "الهوية الجديدة" التي تمثل التنوع الثقافي والديني، ليخلق بذلك نموذجا جديدا للسياسي الناجح في القرن الحادي والعشرين.

لم يعد الساسة الجدد يخشون الإفصاح عن جذورهم أو تبني أيديولوجيات يسارية صريحة، طالما أنها تلامس الهموم اليومية للمواطن.

التحدي الأكبر: ترجمة الأيديولوجيا إلى إدارة فعالة

فوز زهران ممداني يمثل بداية مرحلة جديدة، لكنها محفوفة بالتحديات الهائلة. إدارة مدينة بحجم نيويورك تتطلب أكثر من مجرد إرادة سياسية؛ إنها تتطلب براعة إدارية ومالية استثنائية.

نيويورك مدينة تعاني من تعقيدات مالية هائلة؛ من أزمة الميزانية التي تتفاقم بسبب التحديات الاقتصادية الوطنية، إلى الارتفاع الصارخ في الإيجارات الذي يهدد بطرد الطبقة الوسطى والفقيرة، مرورا بالتحديات الأمنية وإدارة البنية التحتية المتهالكة التي تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات.

إعلان

سيتعين على ممداني ترجمة شعاراته التقدمية إلى سياسات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وهو ما سيصطدم حتما بثلاثة مصادر مقاومة رئيسية:

  • المؤسسة المالية والعقارية: الذين سيواجهون مقترحاته بفرض ضرائب على الثروات وتنظيم الإيجارات بقوة لوبياتهم الهائلة ونفوذهم السياسي في عاصمة المال العالمية. سيعملون على تصوير سياساته كتهديد للاستثمار وهروب رؤوس الأموال.
  • المجلس البلدي المعتدل: على الرغم من أن المدينة تميل للديمقراطيين، فإن العديد من أعضاء المجلس البلدي يتمتعون بأجندة أكثر اعتدالا أو محافظة من ممداني. سيعتمد نجاحه على قدرته على بناء ائتلافات دائمة للتصويت على حزمه الإصلاحية.
  • عوامل المقاومة الفدرالية والإقليمية: قد يواجه ممداني صعوبات في التعاون مع حكومة الولاية الأكثر تقليدية في بعض الأحيان، وقد تتفاقم التهديدات الفدرالية بقطع التمويل، خاصة إذا تزامن حكمه مع إدارة جمهورية متحفظة على المستوى الوطني.

قد يكون التغيير المحتمل في باريس ليس بظهور شخصية مسلمة أو من أصول مهاجرة تحمل "اشتراكية ممداني" صريحة، بل بظهور جيل جديد من السياسيين الفرنسيين الذين يتبنون الأجندة البيئية والاجتماعية

باريس.. لندن.. نيويورك: هل يكتمل مثلث التنوع؟

إن صعود زهران ممداني في نيويورك يأتي ليضعها في مصاف العواصم الغربية الكبرى التي سبقتها في تحقيق اختراق سياسي نوعي. فمنذ عام 2016، تشهد لندن نجاحا متواصلا لـ "صادق خان"، أول عمدة مسلم لمدينة أوروبية كبرى، والابن المهاجر لعائلة باكستانية.

وقد أثبت خان أن هويته لم تشكل عائقا أمام فوزه المتكرر، بل باتت رمزا لـ"لندن المفتوحة" التي تحتفي بتنوعها.

هذا التناغم بين نيويورك ولندن يثير التساؤل حول إمكانية ظهور شخصية "ممداني فرنسي" أو "خان فرنسي" لتتولى قيادة مدينة كبرى مثل باريس.

فالعاصمة الفرنسية، رغم كونها مركزا عالميا ومدينة تتمتع بتنوع ديمغرافي كبير، لا تزال تواجه تحديات أعمق في دمج الأقليات في المناصب السياسية العليا، خصوصا تلك التي تعود أصولها إلى مستعمرات فرنسية سابقة أو ذات خلفية إسلامية.

بينما تتبنى كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مقاربات ليبرالية نسبيا في التعامل مع الهوية والتنوع (ما يسمى بـ "التعددية الثقافية")، تتمسك فرنسا بمبدأ العلمانية الصارمة (Laïcité) الذي يفرض فصلا تاما بين الدين والحياة العامة، ما يجعل بروز المرشحين ذوي الخلفيات المهاجرة الواضحة أو الدينية الصريحة أكثر صعوبة في المشهد السياسي.

فعادة ما يُتوقع من السياسي الفرنسي أن يتجرد من إشارات هويته الخاصة ليصبح "مواطنا عالميا" يحمل القِيَم الجمهورية فقط. كما أن الخطاب السياسي الفرنسي العام، خاصة اليميني منه، يركز بشدة على قضايا "الهوية الوطنية" و"الاندماج"، ما قد يزيد من حدة المقاومة أمام أي مرشح ذي أصول مغايرة يتبنى أجندة تقدمية أو اشتراكية صريحة على غرار ممداني.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال وجود قيادات صاعدة من خلفيات متنوعة في فرنسا، لكنها لم تصل بعد إلى منصب عمدة باريس الذي تتولاه حاليا امرأة بيضاء من اليسار (آني هيدالغو).

قد يكون التغيير المحتمل في باريس ليس بظهور شخصية مسلمة أو من أصول مهاجرة تحمل "اشتراكية ممداني" صريحة، بل بظهور جيل جديد من السياسيين الفرنسيين الذين يتبنون الأجندة البيئية والاجتماعية ويدافعون عن حقوق الأقليات بشكل أكثر جرأة، متجاوزين الانقسامات التقليدية.

إن نجاح ممداني وخان يشكل ضغطا معنويا على السياسة الفرنسية لإعادة تقييم حدود "الجمهورية المندمجة" وكيفية تمثيلها لتنوعها الحقيقي.

إن انتصار زهران ممداني هو أكثر من مجرد خبر انتخابي؛ إنه مؤشر على أن "انتصار الإرادة على التطرف" لم يعد مجرد شعار، بل حقيقة سياسية أفرزتها صناديق الاقتراع

أثر الانتصار على المشهد السياسي الأميركي

إن وصول ممداني إلى أعلى منصب تنفيذي في أكبر مدينة أميركية يحمل دلالات تتجاوز حدود الولاية.

فهو يعزز صعود التيار الاشتراكي الديمقراطي داخل الحزب الديمقراطي، الذي بدأ يكتسب زخما مع شخصيات مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز. انتصار ممداني يثبت أن هذا التوجه ليس مجرد "ظاهرة هامشية" بل قوة تصويتية قادرة على تحقيق الفوز في أهم معاقل النخبة.

إعلان

كما أن نجاحه يمثل تحولا نوعيا في تقبل الهويات الجديدة في مراكز السلطة. هذا الفوز يمنح دفعة قوية للأقليات المسلمة وجنوب آسيا في جميع أنحاء البلاد للاضطلاع بأدوار قيادية، ويقوّض بشكل كبير السردية اليمينية التي تحاول ربط الهوية الإسلامية بـ"الآخر" أو "التطرف". إنه يمثل ردا عمليا على الإسلاموفوبيا ويؤكد أن الديمقراطية الأميركية، في أفضل صورها، قادرة على استيعاب الجميع.

في الختام، فإن انتصار زهران ممداني هو أكثر من مجرد خبر انتخابي؛ إنه مؤشر على أن "انتصار الإرادة على التطرف" لم يعد مجرد شعار، بل حقيقة سياسية أفرزتها صناديق الاقتراع.

لقد أثبتت نيويورك، مرة أخرى، أنها مختبر للسياسة الأميركية، وأنها مستعدة لمنح الثقة لمن يجرؤ على تحدي الوضع القائم، حتى لو كان الثمن هو مواجهة أعنف أشكال الكراهية والإقصاء. هذا الانتصار يُلهم الجيل الجديد من السياسيين بأن الأمل والعدالة الاجتماعية قادران على الانتصار على الخوف والانقسام.

التحدي الآن هو تحويل هذا الانتصار الأيديولوجي إلى نجاح إداري واجتماعي يخدم ملايين سكان نيويورك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان