أخطر ما يعيشه السودان اليوم أن الخطاب الإعلامي السائد لا ينظر إلى ما يجري بوصفه معركة وجودية تخوضها دولة لحماية شعبها، بل يختزله في عبارة «صراع جنرالات» أو «اقتتال داخلي» يمكن وضع أطرافه على قدم المساواة.
هذا التوصيف يطعن في حق السودان الطبيعي في أن يدافع جيشه عن أرضه ومواطنيه، ويحول فعل الدفاع المشروع إلى موضوع اتهام، بينما يخفف لغة الإدانة عن القوات المتفلتة التي تهدد كيان الدولة نفسه.
وبدل الاعتراف بأن الجيش يمارس واجبه الطبيعي الذي وجد من أجله، تعامَل قوات الدعم السريع العابرة للحدود كطرف مكافئ للدولة، رغم ما ارتبط بها من انتهاكات موثقة بحق الأبرياء. هكذا يصبح الدفاع عن الدولة «جريمة»، ويغدو توسع الدعم السريع «واقعا يجب التكيف معه»، ويراد لإضعاف الجيش أن يكون غاية متخفية تحت شعار «الحياد».
ولإزاحة هذا التضليل المتعمد عن حقيقة الصراع، لا بد من استعراض زمرة حقائق مفصلية تكشف أن الهجمة الإعلامية ليست زلة خطاب، بل جزءا من استهداف سياسي واضح للدولة السودانية، لا للحكومة أو الأشخاص.
مساواة الجيش بالدعم السريع ليست مجرد خطأ في التقييم، بل هي قلب للحقائق. فالجيش -رغم ما أصابه من إضعاف خلال عقود- يبقى مؤسسة رسمية يتوزع منتسبوها على مختلف أقاليم السودان
جذور الحرب تتجاوز الحدود وليست صراعا سودانيا خالصا
الحرب في جذورها ليست سودانية- سودانية خالصة كما يروج الخطاب السطحي؛ فالسودان بلد حدود مفتوحة وقبائل ممتدة مع دول الجوار، لكن الدولة الحديثة نظمت هذه الروابط في إطار المواطنة والقانون، بحيث لا تكون صلة الدم عبر الحدود أساسا لشرعية السلاح أو الحكم.
ومن بين الحقائق التي يندر استحضارها في الإعلام أن الأسرة التي تقود التمرد الحاضر ذات جذور معروفة خارج السودان، وأن قائدها محمد حمدان دقلو أفاد بنفسه، في حوارات صحفية سبقت أحداث ثورة ديسمبر/كانون الأول، عن ميلاده وطفولته في تشاد، ثم لجوئه مع أسرته إلى بني عمومتهم في دارفور في سياق نزاعات قبلية (فايننشال تايمز، 2019، وذا إيست أفريكان، فبراير/شباط 2017).
تساعد هذه الخلفية على فهم تدفق المقاتلين من دول الجوار، وتحويل «الفزعة القبلية» إلى قوة منظمة تعبر الحدود وتهدد التوازن الديمغرافي في البلد. ومع تغليب الولاء القبلي على الولاء الوطني، يتحول الصراع من خلاف سياسي إلى مشروع هيمنة جماعية، كما حدث في تجارب مؤلمة في رواندا والبلقان.
وفي السودان تجسد هذا الانزياح في تكوين قوات ذات مركز قبلي واحد لا تستند إلى رؤية وطنية جامعة، ما يدفعها إلى ارتكاب جرائم عرقية بحق فئات بعينها، على عكس الجيش الذي يغلب الحياد على عملياته بوضوح.
مساواة الجيش بالقوات المتفلتة تشويه مقصود لحقيقة الميدان
المعيار الأخلاقي معروف: القوة التي تحمي المدنيين هي المخولة بحمل السلاح، والقوة التي تستهدفهم تعد تهديدا للدولة والشعب.
ومع ذلك، اختار الإعلام العالمي التلاعب بالألفاظ؛ فبدل الاعتراف بأن الجيش هو الجهة الوحيدة التي قصدها المدنيون طلبا للأمان، وأنه يمارس واجبه المشروع في حمايتهم، تساويه المنابر الإعلامية بقوى عسكرية ارتبط اسمها -وفق تقارير الأمم المتحدة- بانتهاكات واسعة تشمل القتل والنهب والعنف الجنسي ضد النساء والأطفال، مقابل غياب تقارير مماثلة في حق الجيش.
مساواة الجيش بالدعم السريع ليست مجرد خطأ في التقييم، بل هي قلب للحقائق. فالجيش -رغم ما أصابه من إضعاف خلال عقود- يبقى مؤسسة رسمية يتوزع منتسبوها على مختلف أقاليم السودان.
ومن المفارقة أن في صفوفه أفرادا من المكونات ذاتها التي ينتسب إليها قادة الدعم السريع. وعلى النقيض، تشكلت هذه القوات حول نواة محددة، ثم ضمت تشكيلات أخرى في إطار تحالفات مرتبطة بالسلاح والمال، وتوسعت خارج الإطار الوطني لتصل إلى استقدام مقاتلين من دول مجاورة، وحتى من كولومبيا.
ومن الأدلة الواقعية الدامغة، بعيدا عن حرب الروايات، أن الجيش يخوض مهمة طبيعية في الدفاع عن الأرض وتأمين المدنيين؛ وخلال أكثر من عامين لم يفر المدنيون إلى مناطق سيطرة هذه القوة، بل إلى مناطق الجيش. وتكفي حركة النزوح، بحسب التقارير الأممية المتكررة، دليلا لا يحتاج إلى شرح:
- لا يتجه النازحون إلى مناطق سيطرة الدعم السريع منذ بدء الحرب، بل يفرون منها.
- الملايين اتجهوا إلى مناطق الجيش بحثا عن النجاة.
- تتكرر المأساة حيثما تمدد الدعم السريع، مع تكرار أنماط الاعتداء وجرائم الحرب نفسها.
ومع هذا كله، يصوَر دفاع الجيش المشروع على قدم سواء مع جرائم الدعم السريع. وهذه ليست حيادية، بل انحيازا مغلفا، وهدفه الأساسي تعطيل الجيش عن مهامه، وتجريد السودان من حقه المشروع في الدفاع عن نفسه.
في ظل الارتباك الدولي، برزت السعودية بمواقف متوازنة وواضحة؛ فقد فتحت أبوابها للسودانيين، وقدمت جهودا إنسانية واسعة، ثم بادرت إلى فتح مسارات سياسية عبر جولات جدة، وآخرها هذا التحريك الرفيع، معلنة أن هدفها الأول استعادة الاستقرار وحماية وحدة السودان
استغلال فزاعة الحركة الإسلامية لتمزيق الداخل
استغلت بعض القوى الإقليمية والدولية مخزون الغضب من تجربة الحركة الإسلامية في الحكم لتحويله إلى سلاح يشهَر في وجه الجيش، رغم أن وجودها فيه -كتيار فكري نتج عن مؤسسة حكمت البلاد ثلاثين عاما- أمر طبيعي، مثلما أن قادة الدعم السريع أنفسهم كانوا يوما جزءا من ذات التيار، ما يسقط ورقة الاتهام الانتقائي.
ولا ينكر منصف ما في تلك الحقبة من أخطاء وانتهاكات، وأبلغ شهادة في ذلك شهادة عراب الحركة حسن الترابي في «شاهد على العصر». بيد أن استدعاء هذا الملف في لحظة تهديد وجودي للسودان يشبه ذريعة «قميص سيدنا عثمان»؛ فالدولة لا تواجه خطرا سياسيا، بل خطر انهيار شامل. وتجارب الأمم من حولنا واضحة: تدمير مؤسسات الدولة بدل التغيير المدروس لا ينتج عدالة، بل فوضى يستقوي فيها السلاح.
خطوة دبلوماسية رفيعة من الرياض وتعامل دولي قاصر
في ظل هذا الارتباك الدولي، برزت المملكة العربية السعودية بمواقف متوازنة وواضحة؛ فقد فتحت أبوابها للسودانيين، وقدمت جهودا إنسانية واسعة، ثم بادرت إلى فتح مسارات سياسية عبر جولات جدة، وآخرها هذا التحريك الرفيع، معلنة أن هدفها الأول استعادة الاستقرار وحماية وحدة السودان.
غير أن تعامل بعض القوى الدولية المعنية مع هذا المسار -من تسريب أوراق وانتقاء عناوين تحمل السودان مسؤولية "رفض الحل"- شوه الصورة، وكأن الخلل في الخرطوم لا في تلك الصياغات التي تعمدت تجاهل حقائق الأرض ولم تنصف مظلمة السودان.
إن الطريق إلى تسوية عادلة يبدأ بالاعتراف بحق البلاد في أن تحميها مؤسساتها الشرعية، وبالكف عن مساواة الضحية بالجلاد تحت عناوين زائفة لا حياد فيها
استعادة الدولة أصل كل الحلول
ما يجري صراع على بقاء السودان، وأي تسوية لا تبدأ بوقف تمدد الدعم السريع، وتجفيف منابع تمويلها وتسليحها، ودعم جيش وطني موحد يخضع لاحقا لسلطة مدنية منتخبة، لن تكون إلا هدنة هشة تنذر بفوضى جديدة. فالدولة -مهما ضعفت- هي الحصن الذي يحفظ الناس والأمن، ومن يطالب بتعطيل جيشها يرمي في الحقيقة إلى زوالها.
وتبقى الحقيقة واضحة: لو كانت جرائم الدعم السريع المتكررة «تفلتات»، وقد عجزت مرارا عن ضبطها، فكيف تستبدل بدولة؟
إن الطريق إلى تسوية عادلة يبدأ بالاعتراف بحق البلاد في أن تحميها مؤسساتها الشرعية، وبالكف عن مساواة الضحية بالجلاد تحت عناوين زائفة لا حياد فيها. عندها فقط يمكن للسودان أن يلتقط أنفاسه، وأن يفتح نقاشه الداخلي حول الحكم المدني والدستور والعدالة، وهو نقاش لا يمكن أن ينهض فوق ركام دولة منهارة وسلاح منفلت.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
