نحن في سوق عكاظ حقا!

القيمرية بعد التحرير... نبض الحياة في قلب دمشق القديمة.
الكاتب: أَنَبني طوبنا بأيدينا في رحلة الصبر والصمود والتصدي أم نمدّ أيدينا للسلام مع عدو لم نطلبه يوما (سانا)

أهكذا تتيه أمانينا بين العقل والمعتقل، في صيرورة النخب ومآسي المثقفين؟

أعود بالاستعارة: الوصف بالموصوف القبلي، أي ما قبل خمسة عشر قرنا من الإسلام الحنيف، ولا حرج في ذلك ولا مذمة، بل لنتعلم نحو مستقبل أفضل.

ملامح سوق عكاظ

كانت العرب تجتمع في «سوق عكاظ»، حيث يتفاخر بعضهم ببعض، ويتفاخر بعضهم على بعض، ويتنابزون بالألقاب والتسميات. كانت مظاهر الحبس والعراك والقهر والمفاخرة والمجادلة.. جميعها تعكس أغراض عكاظ ووقائعه.

لعل مزية الجاهلية أن الشاعر لا يستطيع أن يعلن عن نفسه كشاعر إلا أمام أكابر أمراء التحكيم من الفصاحة والأدب الموزون. وكانت المروءة عنوانا، والشجاعة والوفاء نصا لا يقبل كسره. كان سوقا حرا للأدب المعنوي والآداب العينية؛ يختلط فيه كل شيء وتظهر فيه كل التناقضات.

أنحن في آخر الزمان أم في ذاك الزمان؟ وقد قال الرسول الكريم: «إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»

التجارة في سوق عكاظ

في سوق عكاظ كانت تباع الآداب والأقلام والسلع المادية؛ يشتري الحر الرقيقَ ويباع العبيد، ويختلط التمر بالخمر في سلعة، والتاجر بالفاجر في بيعة، والحلال بالحرام في قِربة ماء.. كانت مظاهر الهرج والمرج من سمات هذا السوق.

تأثير الإسلام

جاء الإسلام مانعا لمآثر الجاهلية، حيث قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن إحدى مظاهر النذر والوفاء المحرَم فيه: «فأوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم».

الوضع الحالي في سوريا

نتلمس اليوم شيئا مشابها لما تمر به سوريا في مخاضها الجديد؛ نرى هنا وهناك فروقات وافتراقات، وخصومات جاهلية، وفروقا تعصبية، واستعراضات وهمية.

أنحن في آخر الزمان أم في ذاك الزمان؟ وقد قال الرسول الكريم: «إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».

سوريا اليوم لا تستطيع بعدُ أن تلتقط أنفاسها، ولا أن تعبر عن نفسها، ولا أن تجمع شملها؛ كل ما في الأمر أنها تحاول البحث عن مخرج من نفق مظلم وإرث ثقيل، ومقتل دامٍ، ومآسٍ تعد ولا تحصى خلال الثورة السورية، لتعيد بناء هويتها

الإخفاقات السياسية والعودة إلى الماضي

نعود بالذاكرة إلى الخمسينيات أو السبعينيات من القرن الماضي، حين عانت نخب الأمة ومثقفوها وحكامها من ذات العجز. شهدت تلك الفترات تقلبات وتحولات عصفت بها من كل حدب وصوب؛ فتوجه بعضهم نحو العولمة والسوق المفتوح، بينما انغلق آخرون في وجه التيار الجارف لعدم تحقق معادلة التكافؤ في الردع لديهم.

الخيارات المتاحة

رأى البعض أن الخروج من المأزق صعب ويحتاج إلى نهج جديد؛ فاقترح فريق المضيَ قدما في العولمة والتيار الليبرالي كسبيل للنهوض، بينما قرر آخرون الانغلاق أمام البرجوازية الإمبريالية المتوحشة، واقترحوا العودة إلى الإسلام الأول كمخرج وسبيل لركوب الحضارة بمنظور المجد الغابر.

التيار الثالث

كان هناك تيار ثالث يطالب بنهج جديد: «الحياد وعدم الانحياز» على غرار التيارين السابقين؛ يقترب بالتزاوج مع الشيوعي الاشتراكي، ويساكن الليبرالي سرا ويطلِقه علنا -هو النهج البعثي القومي الناصري- معبرا عن منطلقات لم يستطع تحقيقها طوال نصف القرن الماضي. لم يحقق هذا التيار سوى الإخفاقات، بل أدخل المنطقة في اضطرابات عميقة، عشنا ونعيش صداها وارتداداتها اليوم؛ فلا «وحدة» ولا «حرية» ولا «اشتراكية».

إعلان

حملت سوريا مشروعا أكبر منها بكثير إقليميا ودوليا، مما جعلها تحتكر قرار وصوت العرب أجمعين دون أن تعالج المشكلات المتجذرة التي قادتها إلى ثورة مسلحة بلا خيار؛ بل فرضت عليها أمام نظام دكتاتوري أوليغارشي اعتاد على دماء العرب ومنطق السلاح.

إن التغيير أصبح حتميا في المنطقة الشرق-أوسطية، وهندسته أوشكت على الانتهاء؛ فأي الخيارات مرجَحة إن كان أحلاها مرا

سوريا الراهنة في قلب العاصفة

ربما التخبط هو عنوان المرحلة: الرفض والقبول بشروط وبثمن باهظ. سوريا اليوم لا تستطيع بعد أن تلتقط أنفاسها، ولا أن تعبر عن نفسها، ولا أن تجمع شملها؛ كل ما في الأمر أنها تحاول البحث عن مخرج من نفق مظلم وإرث ثقيل، ومقتل دامٍ، ومآسٍ تعد ولا تحصى خلال الثورة السورية، لتعيد بناء هويتها.. لكن يبقى السؤال: كيف لها؟ وبماذا؟ ولماذا لها؟ وما هو الثمن؟
وبين هاتين الجدليتين السابقتين لا نزال نسمع صدى قديما ونلمس تكراره حديثا كل يوم: لا نريد أن نستورد سلعة الغرب، ولا نريد أن نبايعه، ولكن سيشترون منه مكرَهين.. صدقوني!

وبالإضافة إلى ذلك، هناك من أعلن عن مخارج، وهي التسليم بالغرب ونهجه كشريك في البناء، باعتباره لا يملك أدوات المقاومة الناجعة، ولا توازنا في القدرات، وسط تحديات داخلية وتحولات جيوسياسية تعصف بالشرق الأوسط برمته.

إن التغيير أصبح حتميا في المنطقة الشرق-أوسطية، وهندسته أوشكت على الانتهاء؛ فأي الخيارات مرجَحة إن كان أحلاها مرا: أَنَبني طوبنا بأيدينا في رحلة الصبر والصمود والتصدي، أم نمد أيدينا للسلام مع عدو لم نطلبه يوما، أم نراوح بين المحورين شرقا وغربا، ليكون ذلك أقل الضرر، ولنكسب وقتا لعل شيئا ما يتغير فننجو «بمعجزة»؟

الفرصة أمامنا واحدة: إما أن نتحد أو نندثر.. ويستلزم ذلك وحدة صف الفئة الحاكمة، أما الشعوب فأياديها «مرصوصة»

أخيرا وليس آخرا

إن هذا الشرق جبل على الاختلاف والتباعد، ولا تزال مآثر الجاهلية حاضرة فيه حتى يومنا هذا.. بلا عبرةٍ من التاريخ ولا دروسٍ مستقاة من التجارب. الغرب يريد منا أن يجمعنا كعقدة في أنابيب مصلحته؛ فتدر له غازا ونفطا وذهبا، ليعيد بيعنا سلعته الفارهة المغلفة برفاهية قيم الديمقراطية والتحضر الواهية.. تغرينا فنشتريها دما رخيصا كثيرا.

أما هو فيجمع تفاحنا في الجولان، وزيتوننا في غزة، وعنب لبنان.

اعذروني يا معشر السوريين والعرب، لأني لست شاعرا من الجاهلية، ولغتي في الفصاحة أضحت نصفها «عربتيزية» (العربية مع الإنجليزية).

الفرصة أمامنا واحدة: إما أن نتحد أو نندثر.. ويستلزم ذلك وحدة صف الفئة الحاكمة، أما الشعوب فأياديها «مرصوصة».

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان