في زمن يشهد تحولات عميقة ومتسارعة على الصعيدين السياسي والاجتماعي، تحولات تعصف من كل حدب وصوب، يبرز جيل جديد من الشباب كقوة فاعلة لا يمكن تجاهلها؛ قوة تعيد صياغة مفهوم الاحتجاج والعمل السياسي ذاته.
إن شباب اليوم، الذي نشأ في قلب الثورة الرقمية، مسلحا بهواتفه الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، يرفض الصمت ويطالب بمستقبل أكثر عدلا واستدامة.
من شوارع بنغلاديش إلى نيبال ثم الفلبين فإندونيسيا، وصولا إلى ساحات الرباط بالمغرب، برزت حركة جيل زد كظاهرة عالمية عابرة للحدود، تفرض تحديات جديدة على الأنظمة التقليدية، وتفتح آفاقا غير مسبوقة للمشاركة والتغيير.
هذا الجيل، الذي صقل وعيه عبر نشأته الرقمية، بات أكثر إدراكا للقضايا العالمية؛ من أزمة المناخ التي تهدد مستقبل الكوكب، إلى قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان والصراعات الإنسانية. هذا الوعي العميق بالقضايا الوجودية يدفعه إلى الشعور بالمسؤولية تجاه العالم، ويجعله أكثر ميلا للتعاطف مع المجتمعات المهمشة حول العالم.
ومع ذلك، يرفض هذا الجيل الأطر التقليدية للأحزاب والنقابات، ويبحث عن أشكال تنظيمية جديدة تتسم باللامركزية والمرونة، تعكس طبيعته الرقمية وتطلعاته لإصلاحات جذرية في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والاقتصاد، وتوفير فرص العمل بعيدا عن منطق التقليدانية والتبريرات البيروقراطية.
لقد أحدثت الثورة الرقمية تحولا جذريا في آليات الاحتجاج والتأثير السياسي. فالهاشتاغات لم تعد مجرد كلمات مفتاحية، بل تحولت إلى أدوات تعبئة جماهيرية قادرة على توحيد ملايين الأصوات حول قضية واحدة
من 1200 إلى 2025.. ماذا تغير في الحراك الشبابي؟
إن ظاهرة الاحتجاج الشبابي، وإن بدت حديثة في سياقها الرقمي، تمتد جذورها عميقا في التاريخ البشري؛ فالحركات الطلابية -على سبيل المثال- شكلت منذ قرون قوة مؤثرة في المشهد السياسي وصناعة القرار.
ففي فرنسا عام 1200، أدت احتجاجات طلاب جامعة باريس إلى صدور مرسوم ملكي منح حقوقا للأساتذة والطلاب. وفي إنجلترا عام 1355، شهدت جامعة أكسفورد أحداث عنف بين الطلاب والمواطنين، تدخل الملك على إثرها ليصدر ميثاقا ملكيا يضمن حقوق الجامعة. كما لعب الطلاب دورا محوريا في قيادة حركات التحرر الوطني في شمال أفريقيا، مثل جمعية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا.
وقد شكل الربيع العربي عام 2011 نموذجا أوليا لكيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تنظيم الاحتجاجات الشعبية؛ غير أن جيل اليوم يضيف بعدا جديدا، مستلهما من حركات سابقة كـ"بلاك لايفز ماتر" أو احتجاجات الشباب في تشيلي.
إن المقارنة بين سرعة انتشار احتجاجات مايو/أيار 1968 في أوروبا، وانتشار حملة #FridaysForFuture التي أطلقتها غريتا تونبرغ في أكثر من 150 دولة خلال أسابيع، تُبرز التحول النوعي في آليات التعبئة. هذا الجيل يتعلم من الدروس التاريخية، ويركز على اللامركزية لتجنب استهداف القادة، مما يجعله أكثر مرونة وصعوبة في الاحتواء.
من الهاشتاغ إلى الميدان
لقد أحدثت الثورة الرقمية تحولا جذريا في آليات الاحتجاج والتأثير السياسي. فالهاشتاغات لم تعد مجرد كلمات مفتاحية، بل تحولت إلى أدوات تعبئة جماهيرية قادرة على توحيد ملايين الأصوات حول قضية واحدة، كما في حملات #BlackLivesMatter و#MeToo.
غالبا ما يبدأ الحراك في الفضاء الرقمي، ثم ينتقل بسرعة إلى الشوارع والميادين، محولا الزخم الافتراضي إلى حراك واقعي ملموس. ويعكس هذا الانتقال رغبة الشباب في إيصال صوتهم مباشرة، وممارسة الضغط على صناع القرار.
وبفضل الوصول غير المفلتر للمعلومات، يتمتع أبناء هذا الجيل بقدرة فريدة على تشكيل رأي عام مستقل، وتحدي الروايات الرسمية وكشف التحيزات الإعلامية، مما يعزز وعيهم وقدرتهم على اتخاذ مواقف مستقلة.
العزوف الجزئي للشباب عن السياسة الحزبية والانتخابية، مقابل نشاط استثنائي في الفضاء الرقمي، لا يعني اللامبالاة، بل يعكس بحثا عن آليات جديدة للمشاركة السياسية تتناسب مع طبيعتهم الرقمية ورفضهم الأطر التي يرونها غير ممثلة لهم
المغرب.. خصوصية السياق وتحديات الواقع
لم يكن المغرب بمنأى عن ظاهرة الاحتجاجات الشبابية العالمية؛ فالشباب المغربي كان -ولا يزال- المحرك والفاعل الأساسي في العملية الاحتجاجية حتى قبل الاستقلال. بل وأكثر من ذلك، فقد كان الشباب المغربي عماد الحركة الوطنية التي ساهمت في تحقيق الاستقلال.
وشهد المغرب عموما عددا من مظاهر الحراك الشبابي، لا سيما في ظل الربيع العربي مع "حركة 20 فبراير"، وأحداث الريف عام 2016، وحراك جرادة، وصولا إلى احتجاجات جيل "Z" الأخيرة المطالبة بالعدالة الاجتماعية.
إن تقاعس الحكومات عن إعطاء المكانة الحقيقية للفئات الشابة داخل المشهد السياسي، يجعل هذه الفئات تتخذ من الشوارع ساحات لفرض صوتها وخياراتها بأي شكل كان، حتى لو استدعى ذلك استخدام القوة، كما شهدت مختلف العواصم الآسيوية.
إن هذا العزوف الجزئي للشباب عن السياسة الحزبية والانتخابية، مقابل نشاط استثنائي في الفضاء الرقمي، لا يعني اللامبالاة، بل يعكس بحثا عن آليات جديدة للمشاركة السياسية تتناسب مع طبيعتهم الرقمية ورفضهم الأطر التي يرونها غير ممثلة لهم. إنها، باختصار، حالة تمرد ضد طبيعة الحياة السياسية المغربية التي باتت تعيد نفسها بشكل نمطي إلى أقصى حد.
إن غياب القيادات التقليدية والاعتماد على التنسيق الأفقي قد يؤدي إلى تشتت الجهود وضعف التأثير طويل المدى، كما أن التركيز على القضايا الرمزية قد يأتي على حساب التغييرات الهيكلية العميقة
حركة جيل "زد".. نحو نضج سياسي أم تشتيت ممنهج؟
السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو: إلى أين تتجه هذه الحركات؟ هل تتطور إلى قوة سياسية منظمة قادرة على إحداث تغيير حقيقي، أم تبقى مجرد موجات غضب عابرة؟ تواجه هذه الحركات تحديات جدية، أولها هشاشة الجدل الرقمي وسرعة تلاشيه، إلى جانب مخاطر التلاعب والتوجيه من قبل قوى سياسية أو اقتصادية تسعى لاستغلال طاقة الشباب.
لهذه القوة الرقمية "وجهان لعملة واحدة": فسرعة الانتشار قد تؤدي إلى سرعة التشتت والنسيان، والاعتماد على المنصات الرقمية يجعل الحركات عرضة للتلاعب والأخبار المزيفة. كما أن التعرض المستمر للأخبار السلبية والصور المؤلمة عبر منصات التواصل يمكن أن يؤدي إلى "إرهاق التعاطف" أو حتى القلق المزمن.
بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب القيادات التقليدية والاعتماد على التنسيق الأفقي قد يؤدي إلى تشتت الجهود وضعف التأثير طويل المدى، كما أن التركيز على القضايا الرمزية قد يأتي على حساب التغييرات الهيكلية العميقة.
ومع ذلك، قد تعمل هذه الحركات الشبابية على تحريك بساط العملية السياسية المغربية من الداخل، بهدف تحقيق ولو جزءا من المطالب التي خرج من أجلها شباب اليوم. لكن كل ذلك يبقى مرهونا بمدى قدرة الأحزاب -أغلبية ومعارضة- على تحمل هذا الالتزام الذي فرضه الشارع المغربي، أو بالأحرى الشباب المغربي.
إننا اليوم ندشن مرحلة جديدة من توسع نطاق التأثير الملحوظ للشباب في مختلف الأقطار في مسلسل صناعة القرار. ومن الضروري العمل على احتواء هذه الظاهرة المجتمعية الحديثة في أوجها
جيل يكتب التاريخ بالخط العريض
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد "تمرد شبابي عابر"، بل هو ولادة جيل جديد من المواطنين الذين يرفضون الخضوع للأمر الواقع. هذا الجيل، بكل قوته وضعفه، بإبداعه ومخاطره، يعيد كتابة قواعد العمل السياسي والاجتماعي. إن فهم دوافعه ومطالبه، وإشراكه الفعلي في صناعة القرار، لم يعد خيارا، بل ضرورة حتمية لضمان استقرار المجتمع وتطوره.
إن احتجاجات جيل زد في بقاع العالم الأخرى، ليست مجرد ردود فعل عابرة، بل هي تعبير عن تحولات عميقة في الوعي الشبابي ورغبة جامحة في التغيير. فقدرة هذا الجيل على التعبئة السريعة، وتحدي الروايات الرسمية، وتشكيل رأي عام مستقل، تفرض على الأنظمة السياسية إعادة التفكير في آليات التعامل مع الشباب، وفتح آفاق جديدة للمشاركة الحقيقية.
إننا اليوم ندشن مرحلة جديدة من توسع نطاق التأثير الملحوظ للشباب في مختلف الأقطار في مسلسل صناعة القرار. ومن الضروري العمل على احتواء هذه الظاهرة المجتمعية الحديثة في أوجها، وهي التي نمت في محيط راقٍ، ألا وهو العملية الاحتجاجية.
ولعل القول يصدق بأن الحركات الشبابية اليوم أثبتت نفسها كقوة لا يُستهان بها في قيادة التغيير، من خلال نضالها وتضحياتها عبر مجموع المحطات التاريخية.
فالحركات الشبابية ليست ظاهرة عابرة، بل جزءا لا يتجزأ من النسيج المجتمعي؛ تؤثر وتتأثر بمحيطها، وتتطلع إلى أخذ مكانتها داخل المجتمع -والمجتمع السياسي خصوصا- كمصدر إلهام للأجيال القادمة، وشرارة أمل تحمل القدرة على بناء مستقبل زاهر.. مستقبل يرقى إلى مستوى تطلعات الشعب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

