من الجزيرة إلى لولا دا سيلفا.. انتصار الضمير في غزة

مظاهرات في العاصمة الألمانية برلين دعماً لغزة
الكاتب: انتصرت غزة في شوارع مدريد وبروكسل وإسطنبول وبوينس آيرس، وفي قلوب الطلاب الذين واجهوا القمع والاعتقال (الجزيرة)

الآن، وبعدما وضعت الحرب أوزارها وبدأ الغبار ينجلي عن غزة، تتكشف موازين القوة الحقيقية التي لا تقاس بالصواريخ والدمار، بل بالضمائر والمواقف.

ففي زمن اختلطت فيه معايير الحق وتبدلت فيه وجوه الصراع، برز في المشهد نوع جديد من المنتصرين، لا يحملون سلاحا، ولا يقفون في صفوف الجيوش، لكنهم انتصروا للحقيقة وللإنسان في أضعف تجلياته.

إنهم "المنتصرون الآخرون"، الذين امتدت جبهتهم من بين جدران غزة المهدمة وعدسات كاميرات الجزيرة المضحية، إلى قصر الرئاسة في البرازيل، حيث صرخ لولا دا سيلفا في وجه الظلم، وصولا إلى قاعات العدل في لاهاي.

هؤلاء جميعا جسدوا انتصار الكلمة على الرصاصة، والحقيقة على الدعاية، والضمير على الخوف، تاركين خلفهم خريطة جديدة للأخلاق العالمية في مرحلة ما بعد الحرب.

قدمت الجزيرة في غزة أفواجا من الشهداء، لم يطلبوا شيئا سوى أن يُسمع صوت الضحايا. تلك الكاميرات التي تحطمت عدساتها لم تكن مجرد أجهزة، بل تحولت إلى وثائق تاريخية وشواهد حية سجلت جرائم لا يمكن محوها أو تبريرها بالخطابات السياسية

الجزيرة.. حين صار الميكروفون سلاحا للشهادة

كان الإعلام، وفي مقدمته شبكة الجزيرة، هو السلاح الأقوى في معركة الرواية والسرد.

منذ اللحظات الأولى للحرب، كانت الجزيرة هناك، في الميدان، في قلب العاصفة، لا تنقل فقط صور الدمار، بل تعيد للعالم معنى الإنسانية وسط الركام. من رحم النار خرجت أسماء أيقونية مثل وائل الدحدوح، الذي فقد أسرته في قصف غادر، لكنه واصل بثه من بين الأنقاض بصوت لا يزال يوقظ العالم كل مساء.

لم يكن هذا مجرد عمل صحفي، بل التزاما أخلاقيا مطلقا بتحمل مسؤولية نقل الحقيقة، حتى لو كان الثمن هو الدماء.
وإلى جانب الدحدوح، وقف زملاؤه في الميدان الذين لم يختبئوا خلف المكاتب، بل وقفوا في خطوط النار حاملين الكاميرا كدرع في وجه الموت.

لقد قدمت الجزيرة في غزة أفواجا من الشهداء، لم يطلبوا شيئا سوى أن يُسمع صوت الضحايا. تلك الكاميرات التي تحطمت عدساتها لم تكن مجرد أجهزة، بل تحولت إلى وثائق تاريخية وشواهد حية سجلت جرائم لا يمكن محوها أو تبريرها بالخطابات السياسية.

إعلان

 لقد نجحت الجزيرة في كسر الحصار الإعلامي والسردي الذي فرضته القوى الكبرى الداعمة للاحتلال، مؤكدة أن حرية الإعلام ليست ترفا، بل أساسا لحفظ وجه الإنسانية في أحلك الظروف.

هذا الدور الإعلامي المحوري كان أول مسمار في نعش الدعاية التي حاولت شيطنة الضحية وتبرير العنف المفرط.

قوافل الحق.. انتفاضة الضمير الشعبي والطلابي

لم تكن الجزيرة وحدها في الميدان؛ فالعالم شهد اصطفافا جديدا من المنتصرين الآخرين: قوافل الإغاثة الشعبية التي جاءت من أقاصي الأرض، ببحارة ومتطوعين لا يحملون سوى علم فلسطين وإيمانهم بالعدل.

كما تجسد الانتصار الأعمق في الميادين والجامعات الغربية، حيث شكل الطلاب والشباب جبهة عالمية غير مسبوقة. المظاهرات الحاشدة في عواصم العالم، والاعتصامات الصارمة في أرقى الجامعات الأميركية والأوروبية، لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل ثورة ضميرية جيلية رفضت الخضوع للخطاب الرسمي وقررت تبني الرواية الإنسانية.

هذا الحراك الذي كسر جدار الصمت والنفاق أثبت أن آلة الدعاية الإسرائيلية فقدت قدرتها على التحكم في وعي الأجيال الجديدة.

لقد انتصرت غزة في شوارع مدريد وبروكسل وإسطنبول وبوينس آيرس، وفي قلوب الطلاب الذين واجهوا القمع والاعتقال، رافعين علم فلسطين كأنه راية إنسانية لا تخص قوما دون آخرين.

في الضفة الأخرى من العالم، كان الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يقدم درسا في الأخلاق السياسية. حين وصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية، لم يكن يصدر بيانا دبلوماسيا، بل يعبر عن موقف إنساني قاطع يعيد الاعتبار إلى السياسة كخدمة للحق لا كأداة للهيمنة

أوروبا.. تشققات في جدار الانحياز

بالتوازي مع الحراك الشعبي، بدأت تظهر تشققات واضحة في الجدار الأوروبي الصلب الداعم للرواية الإسرائيلية. دول أوروبية عدة، متجاوزة الخطاب التقليدي، أعلنت مواقف أكثر صرامة ومطالبة بالعدالة والالتزام بالقانون الدولي. دول مثل أيرلندا، وإسبانيا، والنرويج، وبلجيكا، وسلوفينيا، اتخذت خطوات مهمة شملت الاعتراف بدولة فلسطين أو الدعوة الصريحة لوقف إطلاق النار والتحقيق في الانتهاكات.

بعض هذه الدول أوقف أيضا بعض الاتفاقيات التجارية أو العسكرية، مما شكل ضغطا حقيقيا غير مسبوق. هذه المواقف ليست رمزية فحسب، بل هي دليل على أن الضمير الأوروبي بدأ يضغط على حكوماته لتعديل بوصلتها الأخلاقية.

هذه الدول، بتحركاتها الدبلوماسية المستقلة، أثبتت أن مبدأ الدفاع عن الحقوق الإنسانية لا يزال له مكان في السياسة الدولية، حتى في وجه المعارضة من دول أوروبية كبرى ومؤثرة.

دا سيلفا وجنوب أفريقيا.. صوت القانون من الجنوب

وفي الضفة الأخرى من العالم، كان الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يقدم درسا في الأخلاق السياسية. حين وصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية، لم يكن يصدر بيانا دبلوماسيا، بل يعبر عن موقف إنساني قاطع يعيد الاعتبار إلى السياسة كخدمة للحق لا كأداة للهيمنة.

هذا الموقف يعكس صعود "الجنوب العالمي" كقوة أخلاقية تسعى لإعادة التوازن للخطاب الدولي. ومعه، برزت جنوب أفريقيا التي حملت راية القانون الدولي، فتقدمت بشجاعة إلى محكمة العدل الدولية.

هذا التحرك القانوني يمثل نقطة تحول تاريخية، إذ وضع إسرائيل لأول مرة منذ عقود تحت المجهر القانوني الدولي بتهمة الإبادة، مما كشف عن ازدواجية المعايير.

حافظت دولة قطر على دورها الحيوي كوسيط أساسي وداعم إنساني وسياسي. لم يقتصر دورها على الجانب المالي، بل تجسد أيضا في قدرتها على المحافظة على قنوات اتصال فعالة مع كل الأطراف المتنازعة، مما مكنها من لعب دور محوري في صفقات تبادل الأسرى وإيصال المساعدات

محكمة العدل الدولية.. الإدانة الصامتة للضمير العالمي

لقد تجسد انتصار الضمير، ليس فقط في الميادين، بل أيضا في أروقة القانون الدولي عبر تحرك جنوب أفريقيا في لاهاي. هذه الخطوة، وإن كانت إجراء قانونيا، فإنها شكلت أكبر إدانة أخلاقية وسياسية لممارسات الاحتلال في العصر الحديث.

إعلان

فمجرد قبول المحكمة النظر في دعوى "الإبادة الجماعية" كان في حد ذاته انتصارا للرواية الفلسطينية، إذ أعاد تفعيل أدوات القانون الدولي التي كادت أن تتجمد بفعل السياسات الغربية الداعمة.

لقد أجبر هذا التحرك الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية على إعادة تقييم تصرفات إسرائيل ضمن إطار القانون الدولي الصارم، بدلا من إطار "الدفاع عن النفس" المطلق الذي يوفر غطاء للجرائم.

هذا الفصل القانوني يمثل دليلا دامغا على أن القوة العسكرية لم تتمكن من حماية مرتكبي الجرائم من الملاحقة التاريخية والقانونية.

من قطر إلى بوليفيا.. الدبلوماسية الفاعلة والموقف المبدئي

على المستويين الإقليمي والدولي، تباينت الأدوار لكنها اتحدت في خدمة الحق.

لقد حافظت دولة قطر على دورها الحيوي كوسيط أساسي وداعم إنساني وسياسي. لم يقتصر دورها على الجانب المالي، بل تجسد أيضا في قدرتها على المحافظة على قنوات اتصال فعالة مع كل الأطراف المتنازعة، مما مكّنها من لعب دور محوري في صفقات تبادل الأسرى وإيصال المساعدات خلال الأوقات الأكثر تعقيدا.

هذا الانخراط الدبلوماسي النشط كان بحد ذاته انتصارا للعقلانية في زمن الجنون. وفي الوقت نفسه، قدمت أميركا اللاتينية درسا في المبدئية، حيث كانت بوليفيا أول دولة في القارة تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بشكل كامل ردا على العدوان.

هذه الخطوة، التي جاءت بعد موقف البرازيل القوي، أكدت أن القارة الجنوبية بأسرها تتجه لتبني خطاب العدالة ضد آلة الحرب، رافضة الانصياع للضغوط الدولية، ومؤكدة أن العلاقات الدبلوماسية يجب ألا تكون ثمنا يدفع مقابل التواطؤ.

إسرائيل ربما دمرت الأبراج والمنازل، لكنها فشلت في تدمير الرواية الفلسطينية، لأن الجزيرة نقلتها إلى كل بيت، ولأن أحرار العالم تبنوها بقلوبهم وضمائرهم، ولأن مواقف دول الجنوب والدول الأوروبية المنصفة أكدت أن الإنسانية ليست حكرا على جهة بعينها

المنتصرون بلا سلاح.. جبهة الضمير العالمي

حين نراجع مشاهد الحرب في غزة بعد انقضاء أوزارها، ندرك أن هناك نوعين من المنتصرين: من انتصروا بالسلاح دفاعا عن أرضهم، ومن انتصروا بالصوت والموقف دفاعا عن إنسانيتهم.

هؤلاء الأخيرون هم "المنتصرون الآخرون" الذين حفروا أسماءهم في ذاكرة البشرية: الصحفي الذي واجه الموت بعدسته، والمتطوع الذي أبحر نحو المجهول، والزعيم الذي قال "كفى" في وجه القوة العمياء، والمواطن البسيط الذي لم يخن ضميره وهو يرى المجازر تبث مباشرة.

إنهم جميعا يشكلون جبهة الضمير العالمي التي انتصرت في معركة الوعي، حتى وإن لم تتوقف الحرب بعد.

فإسرائيل ربما دمرت الأبراج والمنازل، لكنها فشلت في تدمير الرواية الفلسطينية، لأن الجزيرة نقلتها إلى كل بيت، ولأن أحرار العالم تبنوها بقلوبهم وضمائرهم، ولأن مواقف دول الجنوب والدول الأوروبية المنصفة أكدت أن الإنسانية ليست حكرا على جهة بعينها.

السكتة عن الحق.. خيانة التاريخ التي لا تنسى

في المقابل، لن يكون التاريخ محايدا تجاه من اختاروا الصمت المتواطئ أو اتخذوا مواقف مهادنة خوفا من خسارة نفوذ أو مصالح آنية؛ فالسكتة عن الحق هي توقيع على وثيقة الخذلان التي ستلاحقهم في سجلات الشعوب وذاكرة الأجيال.

إن الدول والقيادات التي آثرت مصلحتها الضيقة على دماء الأبرياء ستكتشف لاحقا أن الذاكرة الإنسانية لا تموت، وأن رهانها على نسيان المجازر كان رهانا خاسرا.

لقد خسر هؤلاء رهان الأخلاق والإنسانية، وسيسجل التاريخ أنهم كانوا طرفا في التواطؤ، ولو بالصمت.

ولأن الحق لا يهزم، فإن "المنتصرين الآخرين" في غزة سيبقون دليلا على أن العدالة قد تقصف لكنها لا تموت، وأن الشعوب -مهما طال صمتها- تعرف في النهاية أين يقف الضوء، وأين يقيم الظلام

انتصار المعنى وبقاء الذكرى

في نهاية كل حرب تحصى الخسائر والمكاسب، لكن في حرب غزة كانت الربحية الأخلاقية هي المقياس الوحيد الممكن.
انتصر من لم يساوم، من حمل الكاميرا بدل الرصاصة، ومن ناصر المظلوم بدل أن يبرر للظالم.

إعلان

لقد سقطت أقنعة كثيرة، وبات التمييز واضحا بين الدول التي رضخت لضغوط القوة، وتلك التي التزمت بمبادئ العدالة.

من الجزيرة إلى دا سيلفا، ومن جنوب أفريقيا إلى شوارع إسبانيا وبوليفيا، تمتد خيوط هذا الانتصار الهادئ: انتصار الكلمة والضمير على آلة القتل والدعاية.

ولأن الحق لا يهزم، فإن "المنتصرين الآخرين" في غزة سيبقون دليلا على أن العدالة قد تقصف لكنها لا تموت، وأن الشعوب -مهما طال صمتها- تعرف في النهاية أين يقف الضوء، وأين يقيم الظلام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان