الآن، وقد تجاوز الكل آثار الصدمة وحالة الدهشة الكبرى من شرارة الطوفان العجيب، التي ألهبت في الجانب العربي الفلسطيني إرادة الخلاص والتحرر، وأوقدت لهيب السخط والرغبة المحمومة في الثأر والانتقام، وتصفية مصادر الخطر، فليس من نافلة القول أن طرفي النزاع في الشرق الأوسط منخرطان في حرب قد تبدو وجودية، ومن المستبعد – وربما المستحيل – أن تُستأصل المقاومة اليوم أو غدًا، كما لن يزول الاحتلال بين عشية وضحاها..
وإذا كان الصراع العربي الصهيوني ليس وليد اليوم أو الأمس القريب، فلماذا يتزايد الشحن، وتعلو وتيرة المعارك، وتتوسع دائرة المواجهة لتشمل ساحات جديدة، وميادين وتقنيات مختلفة، وأدوات إضافية؟
لم يعلن قادة الطوفان أنهم سيرمون الكيان في البحر، ولم يلقوا شعارات جوفاء ووعودًا فضفاضة، وإنما تحركوا بتصميم وتخطيط ودقة فاجأت العالم، وأربكت أكبر قوة عسكرية مزعومة في الشرق الأوسط
فالتصعيد اليومي من الاحتلال لما يزيد عن أحد عشر شهرًا يشي بعزم محموم على الحسم، وإنهاء المقاومة وما حولها بأسرع وقت ممكن، بيد أن الرد الباسل من الفصائل والكتائب في غزة والضفة، وفي مناطق أخرى من الشرق، يشير إلى أن نهاية الحرب الدائرة منذ اندلاع الطوفان لن تكون وشيكة، حتى وإن تم التوصل لهدن مطولة نسبيًا.
فالمؤشرات المتواترة تجتمع على تأكيد معطى مهم وحقيقة مستجدة، تبشّر بجولة معقدة من حرب المواجهة والاستنزاف، لا تخلو من مناورات دبلوماسية وسياسية، بالتوازي مع ضربات عسكرية لا تخلو من شراسة تستهدف كسر عظام المقاومة، واللجوء لخيارات، منها سيناريو تدمير كل مصادر الحياة، واعتماد طريقة الأرض المحروقة.
كل شيء يؤكد أن لا أفق لنهاية فعلية لنزاع إستراتيجي ناهز ثمانية عقود، أيقظه طوفان الأقصى وما ترتب عليه من ردة فعل على هيئة تسونامي ناري تدميري رهيب.
فمن جانب، تروي مشاهد العدوان اليومي وقوافل الشهداء من المدنيين الأبرياء أن آلة الحرب الإسرائيلية ماضية في طريق الردع الشامل حتى إثبات النصر، واستعادة هيبة الكيان وجيشه الذي كان يفترض أنه لا يقهر.
لم يعلن قادة الطوفان أنهم سيرمون الكيان في البحر، ولم يلقوا شعارات جوفاء ووعودًا فضفاضة، وإنما تحركوا بتصميم وتخطيط ودقة فاجأت العالم، وأربكت أكبر قوة عسكرية مزعومة في الشرق الأوسط.
كل محاولات وأد المعركة الدامية والتسويات السياسية باءت بالفشل.. ولا يُستبعد أن تستمر محاولات الاحتلال توسيعَ المعارك، والتحول من الدفاع إلى الهجوم بعمليات استباقية، كما صنع في الشمال، وفي اليمن، وسوريا، والعراق والضفة، وحتى في إيران – إن جاز التوصيف – من خلال اغتيال هنية.
لم ينتبه ضمير الإنسانية بعد من صدماته المتتالية مع توالي المجازر المدمرة، والضربات الرهيبة التي سوت مدنًا بالأرض، ودفنت أكثر من أربعين ألف مدني في سبيل استكمال رد وتحقيق حلم نصر، تبدّى في كل يوم سرابًا
لن توقف إسرائيل الحرب لأمد طويل، وقد ثبت لديها أن في محيطها القريب والبعيد مصادر خطر محدق، وقرائن جدية على وجود قوى محلية وإقليمية معادية، منخرطة في حلم مشترك ومشروع يهدف لاستئصالها من الأراضي التي اغتصبتها قبل ثلاثة أرباع قرن.
من جهة، لا يتوقع عاقل أن يفرّط المحتل في شيء من مجده وهيبته، وما راكمه خلال عقود من ترسانة ومؤسسات وصروح. ورغم وجود فروق شكلية، واختلافات تكتيكية، يقف جلّ الإسرائيليين مع مواصلة الحرب.
لا يؤمن ذو عقل بأن الدولة التي شيدت على ما زعمت أنها أرض بلا شعب، وفقًا لمسوغات تبنتها جهات ومنظمات ودول، قد تتنازل قِيد أنملة عما بنته وسعت لتنميته وتطويره على مدى أجيال. وأيًّا كانت الظروف والملابسات ستمضي في حربها، وإن اتخذت سبلًا ملتوية للمناورات والحيل حتى تأمن جانب الدول غير المطبعة، وتنزع السلاح وأسباب القوة من الأطراف التي تمثل طوقًا داعمًا للمقاومة في إطار وحدة الساحات والجبهات.
لم ينتبه ضمير الإنسانية بعد من صدماته المتتالية مع توالي المجازر المدمرة، والضربات الرهيبة التي سوت مدنًا بالأرض، ودفنت أكثر من أربعين ألف مدني في سبيل استكمال رد وتحقيق حلم نصر، تبدّى في كل يوم سرابًا. ولم تكتمل حلقات الرد السلمي من مسيرات وهَبَّات شعبية وتظاهرات حول العالم، حيث لم تفلح في ردع الجاني.
ولم يبلغ موقف محكمة العدل والمحكمة الجنائية الدولية مداهمًا؛ حيث لم يعتد جهاز في الدنيا أو سلطة على الوقوف في وجه المحتل، لأنه ظل يستعين بأكبر قوة حليفة وراعية، ويعلن أنه مظلوم ومن حقه الرد، ويردف أنه دولة ديمقراطية، ورمز التحضر ورائد حماية حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، ومن لا يقف معه يعد متواطئًا.
في الجانب الإسرائيلي، مع استمرار الهروب إلى الأمام تتردد أصوات تتوقع هزيمة وربما نهاية الكيان، حيث تم تداول عديد التكهنات عن اضمحلال إسرائيل وانهيارها وهزيمتها من الداخل، وقد صدر بعضها عن تيارات فكرية مختلفة
وفي الجانب الآخر، تقف زمرة من الفدائيين ومقاتلي المقاومة في غزة وأطراف الشرق الأوسط تشهد حلمها القديم بالخلاص من الاحتلال، وتنشد بالتضحية والدماء وقف ممارسات عدو طالما استباح الأرض والعرض والمقدسات، وشرد شعبًا في المنافي وخنقه فيما تبقى من أرضه المحاصرة. ويقف العرب والمسلمون وأنصار الإنسانية على الضفة التي تتحرك فيها المجموعات المنافحة عن الأقصى، والساعية لنصرته وتحريره.
يتابع المراقبون ما يجري في الولايات المتحدة الأميركية، الفاعل الرئيسي في الحرب، قبيل الانتخابات الرئاسية. فالطرف الأميركي الذي يدعي سعيه لوأد الصراعات هو مصدر أساسي لتأجيجها، بتسليح المحتل وتموينه ودعمه عسكريًا ولوجيستيًا وسياسيًا.
وفي ظل الريبة واللايقين بشأن مآلات الحرب الدائرة رحاها في أعقاب فيضان الطوفان، تتضاد أحلام وطموحات وتنبؤات من الجانبين بشأن طبيعة المنتصر وملامح النهاية.
ففي الجانب الإسرائيلي، مع استمرار الهروب إلى الأمام تتردد أصوات تتوقع هزيمة وربما نهاية إسرائيل، حيث تم تداول عديد التكهنات عن اضمحلال إسرائيل وانهيارها وهزيمتها من الداخل، وقد صدر بعضها عن تيارات فكرية مختلفة، إذ يوجد بين المتنبئين من هو مثل بيني موريس، الذي يرى أن الإسرائيليين ضحايا تتربص بهم الأمم، وهناك آخرون يرون أنهم مذنبون يكتبون تلك النهاية "المأساوية" بأيديهم.
ويؤكد مثل هذا التوجه آلاف الإسرائيليين الذين رأوا بأم أعينهم عدوًا توهموا أنه بات حملًا، وهو يوشك أن يفتك بهم، فهاجر البعض، وفر آخرون من أراضيهم، ولزم كثيرون الملاجئ. فالشعب الذي يهاب الموت، بات يعيش في جحيم يومي، وتتزايد حوله احتمالات النهايات المروعة من المصدر ذاته الذي أذاقه جيشه المآسي عقودًا طويلة.. أصحاب الأرض السليبة.
أثبت الطوفان أن الحق لم يضِع بالتقادم، وأن للقضية رجالًا، وأنها لم توأد، وقد هبَّ ليحمل أمانتَها أصحابُها
وفي الجانب الآخر تتنامى أشواق أصحاب الأرض، وأبناء الأمة العربية في تحقيق النصر الموعود، وزوال الاحتلال الذي تنبأ به الشهيد أحمد ياسين منذ ربع قرن في غضون الفترة القريبة القادمة.
وفي المحصلة، فقد نجحت إسرائيل في فرض سلام على دول عربية انخرطت في مسار افتتحته اتفاقية السلام "كامب ديفيد"، واتفاقات أهمها أوسلو، أبعدت العرب عن التسليح وعن المواقف الراديكالية تجاه الاحتلال، فضمنت السلام للكيان المسقط في تربة فلسطين.
أثبت الطوفان أن الحق لم يضِع بالتقادم، وأن للقضية رجالًا، وأنها لم توأد، وقد هبَّ ليحمل أمانتَها أصحابُها.
وبينت جولاته الأخيرة أن زمرة من فتية مشحونة بحماس للنضال، فكرت خارج الصندوق، وتوشك أن تودع أوهام المتطرفين، الذين يريدون تجاهل حقوق الشعب في أرضه وكرامته ومقدساته، في صندوق أشبه بتابوت الأساطير المتهافتة، وأحلام اليقظة التي لن تعمر بعد بلوغ الطوفان مداه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

