ليس جلدًا للذات ولكنه – حقًا – زمنُ حياد العرب، زمنَ الذكاء الاصطناعي؛ فأحفاد البيروني والخوارزمي وابن سينا وابن خلدون العرب مازالوا على وفائهم لخياراتهم الثابتة تجاه الحداثة العلمية والتكنولوجية، وبينهم وبين اللحاق بصف الدول المتقدمة سنوات فضائية.
لم يفصح البروفيسور فاروق الباز الملقب بـ "ملك القمر" بذلك ترفًا في لقاء مفتوح مع أعضاء المجلس العربي للإبداع، مساء السبت 3 أغسطس/ آب الحالي، ولكنه أكد تلك الحقيقة المرة، حيث تعاني أنظمة التعليم في العالم العربي خللًا جوهريًّا، لا يراعي مواهب الطلبة واختياراتهم عند التوجيه الجامعي، بدليل أنه كان منذ نعومة أظفاره موهوبًا وميّالًا إلى الجراحة، والجميع كان يتوقع له مستقبلًا مبهرًا في عالم الطب والجراحة، إلا أن التوجيه يعتمد حاصل الأعداد، فكُتب له أن يهيم بعيدًا في عالم الفضاء.
مقدرات هائلة يتيحها التطور الرقمي وتقنيات علوم الفضاء والاستشعار عن بعد، وللعرب فرص هائلة للإفادة منها، مثل أن يستكشفوا مخزون المياه الجوفية الكامنة في صحاريهم، واستخدامها بشكل عقلاني رشيد لتلبية احتياجاتهم في الحياة والتنمية
وقصة ملك القمر، ابن الزقازيق ذي الجنسية الأميركية، تشبه في كثير من ملامحها مسيرة حائز جائزة نوبل أحمد زويل، الذي أتيح لي استكشاف أطوار ملحمته قبل 26 سنة في تونس، وقد انطلق في الآفاق حين احتضنه الغرب، وآمنت به جامعاته.. فما كان لشمس زويل أن تبزغ في بلده، وما كان لرئيس اتحاد التنمية المستدامة أن تكون له بصمة بارزة في تاريخ رحلات الإنسان نحو الفضاء لو لم يرحل إلى أميركا.
تحدث الباز بنبرة يقين علمي واثقة، وبمسحة من المرارة، عن موقف الحكومات العربية التي لم تتحمل المسؤولية لإدخال الجيل العربي عصر العلوم والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
لعل الرسالة الأساسية من دردشة الباز مع نخبة علمية عربية، في مجلس يقوده الدكتور محمد السريحي، أن المطلوب من كل مواطن عربي، ومن كل باحث وأكاديمي، أن يقرأ ويواكب تطور الفكر وتقدم الأبحاث واستخدامها، فهو يعتبر نفسه طالبًا يقرأ كل يوم كتبًا جديدة، واليوم الذي لا يقرأ فيه فهو ضائع وبلا قيمة، وهو ما يصدق قول فولتير: "سُئلت عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجبت: الذين يعرفون كيف يقرؤون".
الخلل في الإنسان العربي وفي بيته، وفي الثقافة التي تودي به إلى كل تلك السلبية القاهرة، والاكتفاء بما يوصله من حاصل أعداد لنيل الشهادة، والظفر بفرصة عمل وراتب جيد وكفى.. العالم يتحرك ويعتمد الذكاء الاصطناعي لتصويب الخطط، وتحسين الاختيارات والمقاربات في كل مجالات التنمية والبيئة والحياة؛ ولعل جل مسؤولينا العرب – بحسب عبارة الباز- لا يعرفون حتى مدلول كلمة الذكاء الاصطناعي.
مقدرات هائلة يتيحها التطور الرقمي وتقنيات علوم الفضاء والاستشعار عن بعد، وللعرب فرص هائلة للإفادة منها، مثل أن يستكشفوا مخزون المياه الجوفية الكامنة في صحاريهم، واستخدامها بشكل عقلاني رشيد لتلبية احتياجاتهم في الحياة والتنمية.
هل ظل محتومًا على كفاءاتنا ألا تنجح وتنبت إلا في الخارج؟ وهل نُصرّ على تشبثنا الأصيل بالأدب -وبالأخص الفن- وإبداعنا واحتفائنا به صباح مساء، مقابل نفورنا من تلبية ما يستدعيه التحول الرقمي وواقع عصر الفضاء والذكاء الاصطناعي
حضرتني، وأنا أتابع الجلسة الحوارية الماتعة، رسالة من الدكتور مصطفى محمود خلال مشاركته في صالون ثقافي، حيث أقر بأن صديقه فاروق الباز نفى أن يكون رواد الفضاء في إحدى البعثات سمعوا صوتًا يردد آيات القرآن، وأنها من قبيل "النكت الأميركاني"، ومع ذلك فكل الدنيا تشي بإعجاز الخالق، وتشير للتوحيد وتحفز على الإيمان.
محدثنا الباز، ذاك العقل العلمي الهادئ والمتبصر العالم، نال 31 جائزة عالمية، وعمل على تقديم المشورة للرؤساء، وتطوير كفاءة الباحثين العرب، يجيب عن أسئلة حارقة وحائرة، منها ما يخص التحديات الحقيقية التي تعوق تقدمنا، وهي لا تعدو الحروب المدمرة التي تلغي الإنسان، حيث لا أفق ولا إمكان لتحقيق أي نجاح أو تقدم.
وبرغم الإقرار بوجود هيئات ذات أهمية معنية بالبيئة، يعترف بصراحة أن الدول لا تحترم قوانين البيئة، وأن الأمل يبقى في التربية، ويكون في الأخلاق ليس إلا.
ظللتُ بعد الأمسية الممتعة مع فاروق الباز، أيقونة النجاح العلمي ورمز النجاح الفضائي الأول للعرب.. هل ظل محتومًا على كفاءاتنا ألا تنجح وتنبت إلا في الخارج؟ وهل نُصرّ على تشبثنا الأصيل بالأدب – وبالأخص الفن – وإبداعنا واحتفائنا به صباح مساء، مقابل نفورنا من تلبية ما يستدعيه التحول الرقمي وواقع عصر الفضاء والذكاء الاصطناعي، بحيث يتحقق أثر يُذكر للوطن العربي، ولا يقتصر المنجز على دول عربية رسمت خططًا طموحة، وإستراتيجيات للإقلاع العلمي والتنموي على المدى المتوسط، بينها بشكل خاص قطر والسعودية والإمارات.
الأمة العربية بمواردها البشرية أكثر غنى مما هي بمقدراتها المادية والمالية، ومع ذلك فإن استخدامها سلاحها البشري الجبار لتحقيق النماء والمناعة، وضمان الأمن الشامل، يبدو أنه ما زال مؤجلًا لدواعٍ مجهولة
بعيدًا عن مديح الذات، لا أنسى أن هيلي أوليفيك من جامعة تكساس أكد أن العلوم العربية كانت الأكثر تقدمًا حتى القرن الثالث عشر الميلادي، بينما يشير هلرتن كرامه، المؤرخ والباحث الأميركي، إلى أن جوائز نوبل لو وُزعت قبل ألف عام لذهب معظمها إلى المسلمين!. لماذا خبت تلك الجذوة إذن، ولم تتجدد؟
ما باح به الباز ببساطة يشير إلى غياب ثقافة "اقرأ" الأصيلة لدى كل عربي مسلم، وإلى عدم الاستقامة على نهج الوعي العلمي واتخاذ أسباب القوة والمناعة، من تحصيل وتجديد وسبْق في مختلف مناحي المعرفة والتقانة.
الأمة العربية بمواردها البشرية أكثر غنى مما هي بمقدراتها المادية والمالية، ومع ذلك فإن استخدامها سلاحها البشري الجبار لتحقيق النماء والمناعة، وضمان الأمن الشامل، يبدو أنه ما زال مؤجلًا لدواعٍ مجهولة.
أسئلة عالقة.. جوابها لدى دوائر القرار العربية، وشباب الجيل القادم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

