هل اعتدنا المشهد في غزة؟ تساؤل يثير العديد من المشاعر والأسئلة حول الإنسانية، والعدالة، والضمير.. أم هل اعتادنا المشهد في غزة؟ تساؤل آخر يثير خليطًا بين الريبة والعتاب؛ خوفًا من الحقيقة والجواب.
وما بين السؤالين 9 أشهر من الهمجية والعدوان، ووابل من القصف المتواصل، والدمار والإرهاب الموثق بالصوت والصورة.. مشاهد مروعة صدمت العالم من هولها وإجرام مرتكبيها، حيث التفنن في الإبادة بشتى الطرق والإمكانات العسكرية، في دعس للكرامة الإنسانية، وخرق صارخ لحقوق الإنسان.
يعود السؤال ويفرض نفسه من جديد.. كيف يمكن للإنسان أن يعتاد مثل هذه المشاهد؟ وهل يمكن للإنسانية أن تقبل بأن تصبح هذه الأزمات جزءًا طبيعيًّا من حياة شعب بأكمله؟
كعادة أي شيء في الحياة يبدأ بداية قوية وينتهي إما باعتياد أو بتناسٍ، وبعد أن كنا نتابع باهتمام وترقب، أصبحنا أقل تأثرًا يومًا بعد آخر، حتى أصبحت حرب الإبادة في غزة روتينًا يوميًا في حياتنا، نتعجب خلاله إن مرّ يوم بلا شهداء!
ورُغم أن حرب غزة أحدثت تحولات جوهرية في ضمير العالم الغربي تُجاه القضية الفلسطينية، وتغييرًا كبيرًا في الوعي الشبابي، الذي لمسناه في حجم المظاهرات المنددة بالعدوان الصهيوني في عدد من العواصم الغربية، فإن ردّة الفعل العربية كانت صادمة، ولم تأتِ بالشكل المتوقع، على الرغم من تعدّد سبل التضامن والتعاطف التي ظهرت من خلال مقاطعة المنتجات الداعمة للكيان الإسرائيلي، وفضح جرائمه عبر المنصات الرقمية.
ومع كل ما يصلنا من غزة من مجازر يومية، خلال حرب هوجاء مستمرة في خلق ضحايا لواقع يجب ألا يكون، وثقت عدسات الكاميرا خلالها قتلًا وقصفًا وتشريدًا ونزوحًا، وانتهاكات جمة أصابتنا بالصدمة والألم، وأشعرتنا بالعجز والخذلان.
وكعادة أي شيء في الحياة يبدأ بداية قوية وينتهي إما باعتياد أو بتناسٍ، وبعد أن كنا نتابع باهتمام وترقب، أصبحنا أقل تأثرًا يومًا بعد آخر، حتى أصبحت حرب الإبادة في غزة روتينًا يوميًا في حياتنا، نتعجب خلاله إن مرّ يوم بلا شهداء! ونفتح أعيننا صباحًا لنشارك بعض الصور والعبارات وتحديثات الأخبار، كي نُرضي ما تبقى من ضمائرنا!
وإضافة إلى الاعتياد فقد يعود السبب وراء ردة الفعل المخزية هذه -وهو ليس تبريرًا- إلى انكفاء الشعوب العربية على مشكلاتها الداخلية، لا سيما في البلدان التي شهدت تغيّرات سياسية، وتحديات أمنية جسيمة.
وبعد التعري أمام ما أصابنا.. لا يمكن أن نستمر في مشاهدة هذه المأساة بصمت مهين؛ فلا تألفِ الدماءَ، ولا تعتد الخبر، وحذارِ أن تنسى فجاعة الصورة، فدمك ودمهم واحد..
كما أن لوسائل الإعلام دورًا كبيرًا ومهمًّا في انخفاض الهبَّة الشعبية تجاه إخوة الدم والعروبة والإنسانية في غزة؛ ففي بداية الحرب كثفت القنوات الإخبارية كل جهودها وإمكاناتها لنقل صوت وصورة المأساة، ما أبقى الخبر حيًا، وفتحت تغطية مركزة على تطورات المعركة، أشعرت الإنسان العربي بهول الكارثة، إلى أن وقعت هذه الوسائل الإعلامية بالنهاية في فخّ الاعتياد والرتابة، لتُدرج غزة بشهدائها ومآسيها ضمن قائمة الأخبار اليومية كحدث اعتيادي يومي!
الأمر المؤلم هو أن هذه الأسباب مجتمعة خلقت نوعًا من اللامبالاة أو التعوّد على المشهد، وأفقدت بعضنا حساسيته تجاهه، إلى أن اعتادَنا المشهد نفسه، وضَمِن وأمِن ردّة فعلنا، فاستمر الطغيان في استباحة الدماء، وتجبّر في حق الإنسانية في غزة.
وفي النهاية، وبعد التعري أمام ما أصابنا.. لا يمكن أن نستمر في مشاهدة هذه المأساة بصمت مهين؛ فلا تألفِ الدماءَ، ولا تعتد الخبر، وحذارِ أن تنسى فجاعة الصورة، فدمك ودمهم واحد.. إياك أن تتوقف عن نُصرتهم، أو تُصالح على دمائهم، أو تُزايد على أوجاعهم.. يكفي ما أصابهم منا من تخاذل، فلا تألفوا المشهد، فالله يرى ويشهد.
ولا أجد هنا أنسب مما قاله مالك بن نبي: حين يكون المُستهدف وطنًا.. يصبح الحياد خيانة، والصمت تواطؤًا!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

