شعار قسم مدونات

كتاب "أسياد البلاد".. نفوذ المستوطنين يزداد! (3)

JERUSALEM - APRIL 25: Activist Jewish settler group enters into the Al-Aqsa Mosque complex on the third day of the Jewish Passover holiday in Jerusalem on April 25, 2024. (Photo by Mohammad Hamad/Anadolu via Getty Images)
لا يتم تطبيق أي قانون على المستوطنين ويحظون أيضا بغطاء ديني (وكالة الأناضول)

هذه هي الحلقة الثالثة مع كتاب "أسياد البلاد، المستوطنون ودولة إسرائيل 1967-2004" من تأليف عقيبا الدار وعديت زرطال، وترجمة عليان الهندي.

يقر المؤلفان أن اعتداءات المستوطنين بعيد اندلاع الانتفاضة الثانية تصاعدت، حيث إنه حتى أكتوبر/ تشرين أول 2001 قتل المستوطنون 11 فلسطينيا، ناهيك عن استعراض القوة والاعتداءات على القرى وسرقة المحاصيل الزراعية

واقع ما بعد الانتفاضة الثانية

يرى المؤلفان أن الانتفاضة الثانية وتصاعد العمليات الفلسطينية (يصفانها بالانتحارية) عزز من نفوذ وشراسة المستوطنين وأنصارهم، وأخرج فكرة الجدار الفاصل من الأدراج إلى التطبيق العملي.

وهذه عادة تكاد تكون قاسما مشتركا بين كل الكتبة والباحثين الإسرائيليين، حتى ولو كانوا من أكثر الناقدين لسياسات حكومتهم، أي تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية الجرائم الإسرائيلية الحاصلة؛ وهذا بُعد عن الأمانة والمنطق والبحث العلمي الرصين، لأن المقاومة نتيجة وليست سببا، وهي ردة فعل على جرائم جيش الاحتلال والمستوطنين، حتى لو أخذت طابعا عنيفا. وهذا ما نلحظه بعد طوفان الأقصى، وللأسف يشترك فيه كتبة عرب، جعلوا العملية مبررا لجرائم الإسرائيليين، وتناسوا ما سبقها من قائمة طويلة من الانتهاكات والجرائم والتنكر للحقوق.

على أية حال، يقر المؤلفان أن اعتداءات المستوطنين بعيد اندلاع الانتفاضة الثانية تصاعدت، حيث إنه حتى أكتوبر/ تشرين أول 2001 قتل المستوطنون 11 فلسطينيا، ناهيك عن استعراض القوة والاعتداءات على القرى وسرقة المحاصيل الزراعية. ويشير الكتاب أن (موشيه يعلون)، وهو رئيس أركان ووزير دفاع إبان الانتفاضة، أقرّ بقلة حيلة الجيش تجاه المستوطنين وعدم تطبيق القانون عليهم.

 

الغطاء الديني

إذن لا يتم تطبيق القانون على المستوطنين، وهم يحظون أيضا بغطاء ديني، فحسبما جاء في الكتاب ص482 وبعيد تصاعد اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون والمزارعين الفلسطينيين الذي يقطفونها، أصدر الحاخام (مردخاي إلياهو)، وكان يتولى منصب الحاخامية الكبرى، فتوى تنص على أن كل المحاصيل التي تنتج في أرض إسرائيل تابعة لشعب إسرائيل، لأن الأرض هي إرث لشعب إسرائيل ومن يزرع شجرة في أرضي فالشجرة وثمرها لي!

يرى المؤلفان أن شارون من السياسيين (قصيري النظر وعديمي المسؤولية التاريخية)، وأن الدخول إلى المسجد الأقصى جاء نتيجة حسابات سياسية داخلية لشارون ومستشاريه، خاصة فيما يتعلق بانتخابات حزب الليكود الداخلية

شارون ومسؤوليته

الفصل الثامن والأخير -وقد يكون الأهم- من الكتاب يبدأ بعنوان (أجراس جهنم)، وهو يبحث ما آلت إليه الأمور في آخر سنة يتناولها البحث، أي سنة 2004. وينسب إلى شارون، رئيس وزراء إسرائيل في تلك الفترة، المسؤولية عما جرى لأنه "يحمل وجهة نظر متشائمة وقاتمة ومظلمة وعنيفة" ص487. ويسهب المؤلفان في شرح سياسات شارون وما أدت إليه خلال تلك السنوات الأربع، وذلك ابتداء بدخوله "المتسرع والمخطط له جيدا" لهار بيت (المسجد الأقصى).

ويرى المؤلفان أن شارون من السياسيين "قصيري النظر وعديمي المسؤولية التاريخية"، وأن الدخول إلى المسجد الأقصى جاء نتيجة حسابات سياسية داخلية لشارون ومستشاريه، خاصة فيما يتعلق بانتخابات حزب الليكود الداخلية، وأيضا لتخريب المفاوضات السياسية. وقد تلا ذلك اندلاع الانتفاضة وإطلاق قادة الجيش العنان للقتل والتدمير، خاصة موفاز ونائبه يعلون.

ويقول المؤلفان: "حرب موفاز ويعلون لم تكن حرب كل شعب إسرائيل، بل كانت حرب المستوطنين التي لم تتوقف، وهدفها المحافظة على الاحتلال، ولجم الانتفاضة المدنية ضد الاستيطان، والقضاء على النخب الفلسطينية" ص496.

أما بناء الجدار، فشارون الذي كان رافضا لفكرته هو من نفذها فعليا، وهذا أدى إلى توتر بين المستوطنين وشارون، علما بأن شارون هو "من ثبتهم ماديا على الأرض"، حسبما جاء في الكتاب حرفيا. أما عن سبب رفض المستوطنين للجدار؛ فقد كانوا يرون فيه عودة إلى الغيتو، وأنه يخطف الأبصار ويبقيهم خارج إسرائيل، كما أنه يشير إلى الخوف والضعف.. وفي النهاية تبنى شارون معظم مطالب المستوطنين في مسار الجدار وإيجاد الكانتونات.

صدر قرار من محكمة العدل الدولية في لاهاي في 9 يونيو/ حزيران 2004 لا يعطي إسرائيل الحق في التوغل في الأراضي الفلسطينية.

الجدار مزق الأرض

تحت عنوان فرعي من الفصل الثامن الأخير هو "الجدار السيّىء"، يستعرض الكتاب بتفصيلات مختلفة موضوع الجدار (للتذكير.. المقصود هو جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، والبالغ طوله 128 كم، مزّق الأراضي والمزارع وزرع فكرة الكانتون على أرض الواقع).

وتسبب الجدار بفصل سكان قرى مثل جيوس وكفر صور والجلمة عن أراضيهم الواقعة غرب الجدار، وهذا يعني حاجتهم إلى عشرة أنواع من التصاريح للوصول إليها، وأكد المؤلفان وجود معارضة لبناء الجدار حتى من قبل رجال أمن سابقين، تظاهروا مع الفلسطينيين ضده. وقد صدر قرار من محكمة العدل الدولية في لاهاي في 9 يونيو/ حزيران 2004 لا يعطي إسرائيل الحق في التوغل في الأراضي الفلسطينية.

وللتذكير.. لم تلتزم إسرائيل -كالعادة- بقرار المحكمة، وما زال الجدار يتلوى كالأفعى في أراضي الضفة الغربية.

يقول المؤلفان أن السياسة كالتالي: يغزو المستوطنون الأرض، وحزب العمل يحتج، وشارون يغمض عينيه، وضباط الجيش يتوسطون من أجل إزالة عربة كي يضعوا اثنتين مكانها.

المستوطنون وشارون

يقول الكتاب إن المستوطنين هم من أوصل شارون إلى سدة الحكم، وهو الآن -برأيهم- يقدم تنازلات، وشارون من جهته حاول طمأنتهم. فعند اجتماعه مع رجال غوش قطيف، أكد لهم أنه لن يتنازل عن موقفه الذي طرحه عندما قال: نتساريم مثل كفار سابا، وسوف أثبت ذلك لكم. (ص508)

أريد التوقف عند هذه النقطة للإشارة إلى أن المتداول، والذي يحفظه ويردده كثيرون، هو أن شارون قال: نتساريم مثل تل أبيب، ويبدو أن المؤلفان أكثر دقة.

ويؤكد الكتاب في ص511 أن هناك تبادلا للأدوار بين شارون والمستوطنين؛ وعندما يُخلي الجيش بؤرة استيطانية أو اثنتين، يقيم المستوطنون موقعين أو ثلاثة في تلة أخرى.

ويقول المؤلفان أن السياسة كالتالي: يغزو المستوطنون الأرض، وحزب العمل يحتج، وشارون يغمض عينيه، وضباط الجيش يتوسطون من أجل إزالة عربة كي يضعوا اثنتين مكانها.

وكل البؤر الاستيطانية التي تم إخلاؤها وهمية وخيالية.. مسرحية فعلا.

أعلن شارون في مؤتمر هرتسيليا المنعقد في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2003 أنه لن تبنى مستوطنات جديدة، وسيتم تفكيك البؤر الاستيطانية، ولن تمنح امتيازات اقتصادية

البؤر الاستيطانية مدروسة

البؤرة الاستيطانية هي أي بناء جديد منفصل عن جسم المستوطنة بهدف التوسع مستقبلا في الأرض الفلسطينية، أي هي مستوطنة جديدة ولكن لم تحصل على (ترخيص) المستوى السياسي.

ويؤكد الكتاب على ما يسميه فشل رؤساء حكومات إسرائيل ووزراء الدفاع منذ بداية العقد (2000) في حل مسألة البؤر الاستيطانية، أو أنهم لم يرغبوا في مواجهة المستوطنين. ويرى المؤلفان أن البؤر ليست مجرد نزوة، بل خطة لمنع إقامة دولة فلسطينية ومنع التقدم في عملية السلام.

وقد أعلن شارون في مؤتمر هرتسيليا المنعقد في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2003 أنه لن تبنى مستوطنات جديدة، وسيتم تفكيك البؤر الاستيطانية، ولن تمنح امتيازات اقتصادية.. ولكن على أرض الواقع تم وضع بؤر جديدة. وهذا ما دفع السفير الأمريكي في إسرائيل في 22 يونيو/ حزيران 2004 إلى الخروج عن العرف الدبلوماسي -بحسب تعبير الكتاب- ليقول: إسرائيل برئاسة أرئيل شارون لم تنفذ التزاماتها. (ص515)

ولا بد هنا من التوقف عند مسألة التعلق وبناء الآمال على انتقادات أمريكية لإسرائيل.. مثلما نرى حاليا، فهذا ليس جديدا ولم يغير من الواقع شيئا، فلا إسرائيل أزالت البؤر الاستيطانية، التي قدمت تعهدا بإزالتها أمام الأمريكان، ولا الأميركان تجاوزوا حدود النقد الكلامي الذي لا ينفع أرض فلسطين وشعبها بشيء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.