المقاطعة والعولمة.. هل إلى الشعب يرجع الأمر كلّه؟

2 November 2020 France Paris: A man holds a cardboard poster with the inscription Boycott of France
صدرت كثير من الإدانات الحكومية الرسمية من مختلف الدول الإسلامية مستنكرة أقوال ماكرون وحكومته (شترستوك)

يتصاعد صوت الشركات العالمية ومتعددة الجنسيات الرأسمالية في ظل نموذج العولمة هاتفة بقول الشاعر التركي الشيوعي ناظم حكمت حين قال: "احي على الأرض كما لو أنها بيت أبيك"، فتصول في كل دولة وتجول، حاملة معها رأسمالها وأجنداتها، وهي ورغم أنها تتطعم بشيء من الأجندات المحلية التي تخدم مصالح الشركة الأم والشركة المشترية لحق الامتياز في ذات الوقت، إلا أن أجندات الشركة الأم تبقى هي المسيرة لعملها في النهاية.

ترى هذه الشركات في سوق "دعه يعمل دعه يمر" الرأسمالي المعولم، تمددا للحدود ليصبح العالم أشبه بدولة وحكومة واحدة. وترى الحكومات والدول في هذا السوق سدا للاحتياج وخلقا لفرص العمل وتنشيطا للاقتصاد وإحياء وخلق قطاعات جديدة فيها.

ويبقى كلا الطرفين رابحين لكنهما يحاولان تقييد بعضهما البعض حسب ما تقتضيه المصلحة، عبر فرض الضرائب مثلا، لخلق تنافس مع الشركات المحلية أو تقييد الشركات العالمية وكسر احتكارها. وكل هذا هدفه منع تغلغل أحد الأطراف في الآخر وتسليمه رقبته للتحكم فيه، فإن حدث يصبح الانفكاك صعبا أو مستحيلا لوجود شروط جزائية أو حاجة ملحة كأنما يمسك طرف ما بتلابيب الآخر، فتصبح العلاقة تبعية برضى أو بسخط.

لكن المجتمع طرف ثالث أكثر مرونة في المعادلة، له أن ينفر خفيفا ويناور كلا الطرفين. حين (تشاغب) الشركات وتشهر مخالبها محاولة فرض أجندات أو سعر لا يرتضيه المجتمع، قد يستغني عنها مسلطا على رقبتها سيف المقاطعة، خصوصا حين تكون الشركة في قطاع الخدمات والسلع الأساسية. حينها قد ترى الشركة في هذا غضبة مضرية، فتخنع وتحاول تلطيف الأجواء وقد تتراجع عن قراراتها خوفا من المجتمع وقوته. تقرر حينها الحكومات الأصلح لها في التفاعل مع المقاطعة: إما دعمها وتوظيفها، أو معارضتها بل وإيقافها، أو السكوت عنها وعدم التدخل مدعية ضرورة السماح لشعبها بممارسة الحرية.

تحت الضغط تراجعت بريطانيا عن فرض بعض الضرائب باستثناء الشاي، فقام بعض المستوطنين بالهجوم على سفن الشاي المجمركة ورمي أحمالها في البحر، سميت الحادثة بـ "حفلة شاي بوسطن".

العولمة والتبعية

يرى المتعولمون بأن تقاطع المصالح والخوف من إفسادها رادع عن بدء حرب أو إيقاف تعاون مربحٍ للطرفين، لكن الشعوب مستعدة للخسارة في سبيل التحرر. وإن كانت العولمة مصطلحا صك حديثا نوعا ما، إلا أن تطبيقه قديم قدم التاريخ، وطريق الحرير خير تطبيق للمصطلح. ففي العام 1767 قامت الحكومة البريطانية بإقرار قوانين تاونسند التي تفرض ضرائب على بعض السلع المهمة التي تستوردها مستعمراتها في أميركا لتمويل إدارة المستعمرات، فاحتج المستوطنون الأميركان قائلين: "لا ضرائب دون تمثيل" معترضين على عدم وجود ممثلين لهم في البرلمان البريطاني، وفجروا أحداث شغب وقاطعوا المنتجات البريطانية واستبدلوها بالمنتجات المحلية، بل وأبرم التجار اتفاقات لعدم استيراد البضائع البريطانية.

إعلان

تحت الضغط تراجعت بريطانيا عن فرض بعض الضرائب باستثناء الشاي، فقام بعض المستوطنين بالهجوم على سفن الشاي المجمركة ورمي أحمالها في البحر، سميت الحادثة بـ "حفلة شاي بوسطن". كل هذا جاء ضمن احتجاجات أدت في النهاية إلى اندلاع الحرب البريطانية الأميركية التي أدت في النهاية إلى استقلال أميركا.

هذه التبعية المتقنعة بالعولمة تمكن الشركات الكبرى -محتمية بحكوماتها- من القيام بضغط وتهديد أو بمسايرة الشعوب وحكوماتها لإيقاف المقاطعة وحماية المصالح. مثل ما فعلت فرنسا قبل بضع سنوات في بيان أصدرته خارجيتها بتاريخ /10/262020 بعد دعوات مقاطعة المنتجات الفرنسية في العالم الإسلامي إثر تصريحات ماكرون بدعمه الرسوم المسيئة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بحجة حرية التعبير بعد قتل طالب لمعلمه الذي عرض الرسوم أمام الطلاب.

جاء نص البيان كالتالي: "إن هذه المقاطعة لا مبرر لها ويجب أن تتوقف فورا"، وهو بيان بدى غاضبا ومهددا، بخلاف كلام رئيس فرنسا ماكرون في لقائه على قناة الجزيرة بعد خمسة أيام من البيان، فقد بدا فيه متلعثما يحاول التبرير والتوضيح، وقد رد العالم العربي على "منصة X" بوسم: "#لن_تخدعنا_ماكرون".

إن ما يُجرّئ الشركات وحكوماتها على عناد شعوب المقاطعة إما سذاجة تجارية وسياسية، أو استهزاءٌ بالمقاطعة في ظل تبعية الشعوب وحكوماتها ونظامها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لهذه الدول الكبرى. حينها يتصادم الشعب مع حكومته التي قد تواجه ضغوطات بإنهاء المقاطعة، وفي هذا قد تبدو الحكومات بالنسبة للبعض ضحية بشكل أو بآخر، فهي -بغض النظر عن رأيها من مقاطعة شعبها- تعد نفسها متعرضة لاستغلال سياسي من هذه الدول.

استاء الناس واستاءت المراجع الدينية من القرار حتى أفتى آية الله ميرزا الشيرازي بتحريم التدخين في حين كان خمس الشعب الإيراني يعمل في قطاع التبغ ومنتجاته.

فساد تغذيه العولمة

لكن قد تتواطأ الحكومات بذاتها أيضا فتقف أمام شعبها رافضة مقاطعته، لا لأنها تواجه ضغوطات دول أو شركات، بل لأنها متضررة من المقاطعة، فإن كانت الحكومة بذاتها متبعة رأسمالية المحاسيب، فإن الفساد المعشعش في كبار تجارها وسياسييها لا يسمح بدخول الشركات الكبرى إلى البلاد إلا بعد تقاسم لحومها وشحومها ودمائها وجلودها وصوفها وعظمها، وبالتالي تجتمع مصلحة الحكومة (بشكل مباشر أو غير مباشر) مع مصلحة الشركات، فإن قرر الشعب المقاطعة وُجِّهَ بتخويف وتخوين من الحكومة حينا، وردعا بالبطش حينا آخر.

في إيران القاجارية عام 1890 منح الملك ناصر الدين شاه -احتكارا- حق امتياز شراء وبيع التبغ الإيراني لإحدى الشركات البريطانية مقابل خمسة عشر ألف ليرة فقط مع إعفائها من الضرائب، على أن يحصل الملك على نسبة وأرباح من الشركة، بالإضافة إلى بنود أخرى لا تصب إلا في صالح الحكومتين الإيرانية والإنجليزية.

استاء الناس واستاءت المراجع الدينية من القرار حتى أفتى آية الله ميرزا الشيرازي بتحريم التدخين في حين كان خمس الشعب الإيراني يعمل في قطاع التبغ ومنتجاته. ثار الناس وأقفلوا دكاكينهم وتوقفوا عن التدخين وأحرق بعض المزارعين محصولهم مما اضطر الملك إلى الضغط على الناس بأن يأمر ميرزا حسن بن جعفر الآشتياني بالخروج والتدخين في طهران علنا للرد على فتوى الشيرازي، أو أن يغادر طهران.

إعلان

وحين قرر المغادرة اعترضه الناس، فشبت ثورة عارمة عرفت بثورة التنباك، أجبرت الملك على فسخ عقد الشركة، ومهدت ثورة التنباك لاحقا إلى ثورة المشروطة الدستورية عام 1905.

أثناء حملة مقاطعة فرنسا أيضا صدرت كثير من الإدانات والتصريحات الحكومية الرسمية من مختلف الدول الإسلامية وغيرها مستنكرة أقوال ماكرون وحكومته. أججت هذه التصريحات المقاطعة لا شك، لكنها لم تضمن استمراريتها البتة.

صراع النفوذ بين تركيا وفرنسا في القارة الأفريقية وتحديدا في ليبيا حينها كان قائما، ولتعنت فرنسا مع كل ما يخص المسلمين والسماح بالتضييق عليهم والتطاول على مقدساتهم، وجدت الحكومة التركية الفرصة مواتية فطلب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنفسه من الأتراك: أخاطب شعبي قائلا لا تشتروا البضائع الفرنسية أبدا

العولمة أمام ريح المقاطعة الممنهجة

إن كانت المقاطعة تردع الشركات، فإن تكثيفها وتوجيهها يُركعها. وهذا ما تفعله حركة BDS "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات"، وهي خليط من منظمات غير حكومية تدعوا وتضغط على الدول والمؤسسات لمقاطعة إسرائيل على جميع الأصعدة وعلى رأسها الصعيد الاقتصادي.

هذه الحركة غير الحكومية سببت أزمة لإسرائيل حتى اضطرت لمحاربتها، وبالتالي فهي خير دليل على أن المقاطعة المنظمة والممنهجة أكثر تأثيرا وضغطا، لاستمراريتها وتوجهها المعلوم الممنهج الذي يمنع تشتتها أو تراخيها.

أثناء حملة مقاطعة فرنسا أيضا صدرت كثير من الإدانات والتصريحات الحكومية الرسمية من مختلف الدول الإسلامية وغيرها مستنكرة أقوال ماكرون وحكومته. أججت هذه التصريحات المقاطعة لا شك، لكنها لم تضمن استمراريتها البتة.

ما هو أكثر منهجية كان دعوة مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني (الخاصة وشبه الحكومية منها) علنا إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية. في 22\10\2020 دعا في الكويت اتحاد الجمعيات (متاجر الأغذية بالتجزئة) التعاونية الاستهلاكية ممثلا برئيسه "فهد محمد الكشتي"، وفي بيان له نشر على منصة "إكس" إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية ورفعها من الأرفف نصرة للدين ولنبيه الكريم.

وكذا كان الأمر في بقية الدول العربية والإسلامية، حيث اقتصرت دعوات المقاطعة "العلنية" على المؤسسات الخاصة ولم تكن للحكومات أي ظهور فيها.

أما وقد ظهرت بعض الدعوات لمقاطعة المنتجات التركية في فرنسا، ورغم أن وزير الخارجية الفرنسي قد صرح: "إن بلاده لا تعتزم مقاطعة المنتجات التركية"، إلا أن المناكفات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا كانت تجري على قدم وساق (وهي قل ما تمشي أو تحبو أو تقف نهائيا)، وصراع النفوذ بين الأخيرة وفرنسا في القارة الأفريقية -وتحديدا في ليبيا حينها- كان قائما، ولتعنت فرنسا مع كل ما يخص المسلمين والسماح بالتضييق عليهم والتطاول على مقدساتهم، وجدت الحكومة التركية الفرصة مواتية فطلب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنفسه من الأتراك: "أخاطب شعبي قائلا لا تشتروا البضائع الفرنسية أبدا".

في حين أن الحكومة التركية لم تتخذ أي إجراء لعرقلة وصول المنتجات الفرنسية إلى تركيا كمنع المستوردين الأتراك من الاستيراد، إلا أن التوجه الحكومي الرسمي آتى أكله، فإن خبت حماس المواطن التركي تجاه المقاطعة أو نسي أو حتى تناسى سيعاود الالتزام بها أكثر وأكثر، ومن قاطع ثم تراخى سيجدد النية، ومن بيتها لكنه تساهل سيقف في صف الحكومة خصوصا حين يرى حكومة أجنبية تناكف "دولته" وأقول الدولة لأن الشعور الوطني أو القومي لا يفرق أحيانا بين مفهومي الدولة والحكومة.

وفي خطوةٍ هي التمثيل الأنجع لاستخدام سوط العولمة الممنهج، منعت ماليزيا السفن المتجهة إلى إسرائيل من تحميل البضائع من موانئها ومن رسو السفن الإسرائيلية فيها، وفي تغريدة له على منصة "إكس" أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان في الثالث من مايو السابق أن تركيا أوقفت -ولو أن القرار جاء متأخرا- جميع أنشطتها التجارية من استيراد وتصدير مع إسرائيل إلى حين إيقاف إطلاق النار ودخول المساعدات الكافية اللازمة إلى قطاع غزة.

هذان المثالان تجسيد لمنهجية -غير منتظرة لتحرك الشعب وإن كان هو من طالب بالمقاطعة أو وافقت هواه- حكومية رسمية واضحة موجهة قد تسير المقاطعة لوقت أطول وتكثف تأثيرها. العيب الذي ما زال يسيطر على هذه العملية الحكومية الموجهة أنها قد تكون مؤقتة تنتهي بحل مشكلة ما أو بتصالح الحكومتين أو انقضاء مصلحة ما مختلفة عن السبب الذي قاطع من أجله الشعب.

إعلان

المقاطعة ليست هدفا، إنما هي وسيلة الشعب لإيصال صوته أو ممارسة ضغطه. فإن أحجم العالم وحكوماته أو تقاعسوا عن عملهم الأساسي المتمثل في تطبيق تطلعات الشعب أيا كانت، فإن الوحيد المعول عليه هو الشعب المتنوع المرن غير المتلون، القابل لأن يتأثر فيؤثر.

المقاطعة العالمية للشركات والكيانات والأفراد التي دعمت إسرائيل بأي وسيلة كانت، هي محاولة لإجبارهم على تغيير سياساتهم تجاه الاحتلال الإسرائيلي وإنهاء التعاملات معه وتحجيمه لإنهاء احتلاله، وإبراز الدعم العلني للحق الفلسطيني. وبهذا تكون العولمة خلقت ضد نفسها سلاح الترابط الدولي والمواطن العالمي الذي له أن يؤثر على العالم وهو في مكانه، لأنه الممول المالي الأول والأخير لهذه الشركات العابرة للقارات. فهو يقول لها إما أن تخرجي من سوقي أو أن تكفي عن أفعالك، ناظرا إلى الشركات بصفتها كيانات أكبر تمثل دولاً وحكومات.

لكن العقل الجمعي الذي يعمل بكفاءة في موجة المقاطعة الآن قد يتأرجح أيضا ويتذبذب مع الوقت إن تكاسل المواطن أو تراخى أو توقف عن المقاطعة، وتعويل أسياد العولمة الوحيد أمام المقاطعة هو على ضعف الإنسان هذا، فعلى المواطن أن يستخدم سلاح العولمة بوعيٍ ومثابرة ويكمل دفع عربة المقاطعة عكس تيار النسيان والتراخي، وعلى كل مواطن أن يطبق ما قاله الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو: "إذا لم يتركونا نحلم، فلن نتركهم ينامون".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان