شعار قسم مدونات

فضائل عابرة!

لئن حاد أناس عن الطريق فإن آخرين ثبتوا على دينهم وأخلاقهم ومبادئهم (مواقع التواصل الاجتماعي)

ذكروه في مجلس كنت فيه فقالوا: "تراه إذا توافر له المال يتصابى في حركاته وزيِّه، ويتنقل بين دور اللهو، فإذا افتقر لبس لباس زاهد وطاف في المساجد".

للوهلة الأولى بدا المشهد لي غريباً، ولكني استحضرت في ذهني أشياء أخرى لمستها أو سمعتها أو قرأت عنها، فوجدت أن حالة ذاك لها نظائر وأشباه، قد تختلف عنها في التفاصيل، ولكنها جميعاً تشترك في أصل الحكاية.. وفي أصل الحكاية أن الفضيلة شيء، وصور محاكاتها العابرة شيءٌ آخر، ويستوي في ذلك أن تكون الفضيلة جوانب إيمانية، أو تجليات أخلاقية، أو مظاهر سلوكية.

تدور الأيام وتحدث تغييرات تأخذ بهؤلاء للعيش في بلاد بعيدة ووسط مجتمعات أخرى.. ويمر شهر يتبعه آخر وآخر، فتتوالى الأنباء عن أولئك الذين عرفناهم تؤكد أنهم ما عادوا كما عرفناهم، فقد اتخذوا ماضيهم ظِهريّا، وانسلخوا من لبوس الالتزام

فكم من ممارسات لها شكل الفضيلة، يأتيها فلان من الناس إذا ناسبت واقعه وظرفه، أو يلتزمها بحكم العادة ليس إلا، فإذا ما أتيح له غيرها، وأُغري به، ووجد أن هذا الغير يلبي رغباته ولذائذه، تحول عن حاله الأول، وأقبل على ما يغريه، ولربما قلنا حينها إن هذا انتكس إيمانه، أو هذا تخلى عن مبادئه، أو ذاك تنكر لدعوته.. والحقيقة أنه لم يكن في ذلك انتكاسة ولا تخلٍّ ولا تنكر، وإنما هو زوال الوهم وظهور الحقيقة.

أعرف وتعرفون حكايات عن أناس عاشوا بيننا حينا من الدهر، خالطناهم والتقيناهم في مجالس ومناسبات، فبدا لنا أنهم في مسيرتهم وسلوكهم على درجة من الالتزام بالمعايير الدينية والأخلاقية التي نشأ الناس عليها في بلداننا ومجتمعاتنا؛ وتدور الأيام وتحدث تغييرات تأخذ بهؤلاء للعيش في بلاد بعيدة ووسط مجتمعات أخرى.. ويمر شهر يتبعه آخر وآخر، فتتوالى الأنباء عن أولئك الذين عرفناهم تؤكد أنهم ما عادوا كما عرفناهم، فقد اتخذوا ماضيهم ظِهريّا، وانسلخوا من لبوس الالتزام، وأخذوا من الحرية أسوأ معانيها، فصارت حياتهم جريا مع الفلتان وغرقا في التيه.

وليس بعيدا عن ذلك حال صنف آخر من الناس، أظهروا لنا التململ من ظلم الحكام، وحدثونا عن جور المسؤولين، وعندما ثار الناس في وجه الظلم الآخذ بهم والحيف الواقع عليهم، ركب أولئك موجة الثورة وتصدروا المشهد، وأسلمهم الثائرون القياد بعد أن ظنوا بهم خيرا، ليوجهوا الرّكب والمركبة؛ فلمّا تمكن أولئك من بسط سيطرتهم وإحكام نفوذهم أظهروا وجها آخر، صاروا فيه أظلم وأطغى، بل ربما صاروا وسيلة عودة الظالمين لتثبيت أركان حكمهم، بعد أن أُغروا بمتاع قليل تحولوا به إلى خنجر مسموم يطعن الثورة في ظهرها، ويُمكِّن أعداءها منها.

وانظروا معي لنرى أناسا كانوا وهم في الفقر يشكون إعراض الأغنياء عنهم، فلمّا دار الزمان دورته وصاروا هم في مصافّ الأغنياء، وقعوا في ما كانوا يجدونه مآخذ على غيرهم، فصدوا الفقير ومنعوا الماعون.. ولعلّنا هنا نستذكر قصة أقرع وأبرص حدثنا عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافاهما الله من البلوى، وأغناهما بعد فقر؛ ثم ابتلاهما بعد زمان فأرسل إليهما ملَكا في هيئة رجل مسكين تقطعت به الحبال في السفر، يطلب بالذي أعاهما الصحة والمال عونا يتمكن به من متابعة السفر، فأعرض كل منهما وأنكر نعمة الله عليه، زاعما أنه ورث المال كابرا عن كابر.

إن بين الذين أعلنوا الانتماء لثورة الحق جماهير بقيت على الوفاء لها، فما غيّرت ولا بدّلت، لم تجزع لفقر أو آلام، ولم تبطر في الغنى والنعيم..

ونقف هنا لنتساءل: أيمكن للترحال أن يغيّر الإنسان؟ أتغيره السلطة؟ أيغيّره الغنى بعد فقر؟!. لو توخينا الدقة في الإجابة لقلنا إن الذي تغير في ما ذكرناه لم يكن الإنسان، وإنما تغيرت الظروف المحيطة به فأظهرت عنده ما كان خافيا!.

ولكن.. قد يقول هنا قائل: ما دام الأمر كذلك، أفيكون للفضيلة وجود حقيقي، أم إنها صورة سرعان ما تزول إذا أتتها ظروف الابتلاء والامتحان؟ ألا فلنعلم أن ما عرضناه بعض القول، وإن له تتمة..

في زمان الأقرع والأبرص كان هناك أيضاً أعمى، ومثلهما أغناه الله، ورد عليه بصره.. ومثلهما جاءه الملك بعد زمان فقال: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك.

ولقد ارتحل عن البلاد كثيرون، ولئن حاد أناس عن الطريق، فإن آخرين ثبتوا على دينهم وأخلاقهم ومبادئهم، بل ربما صاروا بهذا الثبات مثار إعجاب لمن رآهم وعاين ما هم عليه من تمسك بنهج، يسعد السائرون عليه في دنياهم، وينتظرون السعادة الكبرى في أخراهم، فكانوا بذلك قدوة وسببا في إقبال غيرهم على صراط الله المستقبم.

وإن بين الذين أعلنوا الانتماء لثورة الحق جماهير بقيت على الوفاء لها، فما غيّرت ولا بدّلت، لم تجزع لفقر أو آلام، ولم تبطر في الغنى والنعيم.. لم تحرفها عن سبيلها إغراءات برّاقة، ولا لانت أمام قهر البغاة، لا يزيدها خذلان الأنذال إلا ثباتا، ولا تترك فيها الجراح إلا تصميما.. وإننا لو وجهنا أنظارنا اليوم إلى غزة لرأينا من هؤلاء كثيرين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.