شعار قسم مدونات

رئيسي وعبد اللهيان.. مباغتة الرحيل سؤال البديل

كومبو بين رئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين امير عبد اللهيان
الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي (يسار) ووزير خارجيته الراحل حسين أمير عبد اللهيان (غيتي)

الرحيل المفاجئ لأربعة شخصيات إيرانية هامة وذات مناصب حساسة وهي: الرئيس الإيراني نفسه سيد إبراهيم رئيسي، ووزير الخارجية أمير حسين عبد الله يان، ومحافظ أذربيجان الشرقية، وإمام جمعتها، والحقيقة أن الرحيل المباغت لا يحمل في تفاصيله خيوط المؤامرة، لكنه يفتح قوس أسئلة عن إمكانات وموارد الدولة البشرية، والتقنية.

الجدل يثور الآن حول ماهية المسيرة التي اكتشفت مكان طائرة الرئيس، وما إن كانت الطائرة التركية هي المخطئة، فيما أصابت نظيرتها الإيرانية؟ وفي المقابل، فكيف للطائرة أن تخرج في وقت ضباب، ومطر، في منطقة جبلية، يذكرنا هذا بحادث مصرع الرئيس العراقي عبد السلام عارف، والذي حملت بعض الشهادات على اليوتيوب المسؤولية فيه لخطأ تقدير الكابتن يومها، والذي افترض أن الغبار لن يؤثر على سير الرحلة، لكنه.. ترك أثرا لا يمحى وقاد للعهد العارفي الثاني الأبيض والنقي الذي لم يشهد العراق الجمهوري وشعبه مثيلا له.

خسارة مدرسة الدبلوماسية الإيرانية بموت وزير الخارجية كبيرة للغاية خاصة أنه من النوع المتدرج في المناصب في وزارة الخارجية، وليس قادما لها بحكم تشكيلة حكومية معينة.

وهذا يفتح بدوره سؤال البديل، والحقيقة أن إجابة السؤال في إيران ما بعد 2009 تبدو واضحة فالتيار الأصولي أصبح هو المهيمن، وحتى وصول رئيس محسوب على الإصلاحيين كحسن روحاني لم يكن في الحقيقة كفيلا بتقديم خيارات داخلية أو سياسات مختلفة خارجيا، ولكن هل يتواصل اختيار مرشحين أصوليين لبقين، وذوي كاريزما كإبراهيم رئيسي؟ من هو القادم الأصولي المقبل هل هو نموذج أحمدي نجاد المليء بالمفارقات أم نموذج رفسنجاني البراغماتي والذكي؟ أم شيء من إصلاحية روحاني الخجولة مقارنة بخاتمي الغائب عن المشهد هو وبقية جيله.

ما يلفت النظر أيضا أن جيل الثورة الأول لم يتبق من رجاله سوى المرشد نفسه، وإبراهيم رئيسي نفسه ربما يعتبر من الصف الثاني في ذلك الجيل، فلم يكن من صناع الحدث البارزين، ولا المؤثرين بل سار بهدوء في السلك القضائي قادما من الحوزة العلمية، متجها نحو السياسة ضمن معادلات بعيدة عن الأضواء.

أما أمير حسين عبد الله يان فهو نموذج لرجال التكنوقراط في عهد الثورة الإسلامية، فليس أكاديميا كجواد ظريف، ولا سكوتا قليل التصريحات كمنوجهر متقي، ولم يظهر كمفاوض بارع كعلي أكبر صالحي، أما بديله المؤقت علي باقري فغير معروف التوجه، وإن كان مقربا من المرشد، ولهذا فإن خسارة مدرسة الدبلوماسية الإيرانية بموته كبيرة للغاية خاصة أنه من النوع المتدرج في المناصب في وزارة الخارجية، وليس قادما لها بحكم تشكيلة حكومية معينة.

ولكن التوقف في دلالات الرحلة هام أيضا، فهو يعكس بوضوح تام ما حاول رئيسي وعبد الله يان فعله، فمحاولة تطبيع العلاقة مع أذربيجان تبدو مهمة للغاية، واختراقا هاما على الصعد كافة، وسيكون أمام الرئيس المقبل هذا السؤال بالتحديد حول العلاقة مع الجوار غير العربي وتركيا خاصة أن العلاقات مع الجوار العربي لن تشهد تغيرات كثيرة لعوامل إيديولوجية.

العلاقة الوثيقة بين إيران وأرمينيا، والدعم الإيراني للأرمن في حرب مطلع التسعينات، والتي قصفت فيها أرمينيا باكو عاصمة أذربيجان، وغيرها من المدن، ما دق إسفينا عميقا بين الشعب الأذري وإيران

فالعلاقات الأذرية – الإيرانية مشوشة وقلقة، فبينما تبرز أصوات قومية أذرية داخل إيران وفي أذربيجان تتحدث عن أذربيجان الكبرى التي تضم ناقورني كاراباخ إضافة للمحافظتين الإيرانيتين أذربيجان الشرقية والغربية، وتسببت خريطة أذربيجان الكبرى هذه في أزمة دبلوماسية مطلع الألفية بين البلدين لأنها كانت معلقة في قنصلية أذربيجان في تبريز، وفي الداخل الإيراني شهدت الحقبة ذاتها توجهات قومية أذرية متطرفة بلغت مرحلة التجمع في ذكرى مقتل بابك الخرمي، والهتاف: أساشيان أذربيجان، مما أدى لتوتر أمني كبير حينها.

ومما يربك المشهد، العلاقة الوثيقة بين إيران وأرمينيا، والدعم الإيراني للأرمن في حرب مطلع التسعينات، والتي قصفت فيها أرمينيا باكو عاصمة أذربيجان، وغيرها من المدن، ما دق إسفينا عميقا بين الشعب الأذري وإيران، لتبدو زيارة رئيسي وعبد الله يان ولقاؤهما مع إلهام علييف ذوي علاقة وثيقة بإحداث اختراق مطلوب مع تغيرات إقليمية كبرى، والبحث عن متنفس آخر، يمنح إيران مجالا للتحرك في الفضاء السوفيتي القديم.

فهل سيواصل خلف رئيسي وخلف عبد الله يان نفس الاتجاهات؟ وما أثر ذلك على العمل التركي في القوقاز وأذربيجان وآسيا الوسطى؟ هذا ما سنترك الأيام تكشف عنه.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.