شعار قسم مدونات

أصوات مفقودة في الانتخابات المحلية التركية 2024

عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحيي الحشد المتجمع أمام مبنى مجلس المدينة (الأناضول)

شهدت الانتخابات المحلية التركية لعام 2024 تغييرات جذرية في المشهد السياسي للبلاد. حيث خسر حزب العدالة والتنمية، الحاكم منذ عام 2002، العديد من البلديات المهمة، وتراجع عدد أصواته بأكثر من ثمانية ملايين صوت مقارنة بانتخابات 2019.

في المقابل، حقق الحزب الجمهوري المعارض، نجاحا مفاجأ، إذ ربح معظم ما خسره حزب العدالة والتنمية بما في ذلك 21 ولاية، بالإضافة إلى حليفه حزب الحركة القومية، وأصبح يحتل المرتبة الأولى من حيث عدد أصوات الناخبين لأول مرة منذ عام 1989، ومع ذلك، فإن الحزب الجمهوري تمكن من رفع قاعدة ناخبيه بمليون صوت فقط، حيث حصل على 13 مليون و983 ألف و928 صوتا، كما أظهرت هذه الانتخابات تراجعا ملحوظا في أصوات الأحزاب القومية، حيث انخفضت أصوات حزب الحركة القومية وحزب الجيد بنسبة 6% مقارنة بانتخابات 2019.

في مدينة إسطنبول الكبرى، خسر حزب العدالة والتنمية 9 من 24 بلدية فرعية كان قد فاز بها في 2019، بينما رفع حزب الشعب الجمهوري عدد بلدياته من 14 إلى 26 من أصل 39 حيا. وتمكن رئيس بلديتها أكرم إمام أوغلو من الحفاظ على منصبه رغم خسارته أكثر من 300 ألف صوت مقارنة بانتخابات 2019. شهدت هذه الانتخابات أيضا أقل نسبة مشاركة للناخبين في 20 عامًا بلغت 78.5% فقط، مقابل 88.9% في الانتخابات العامة قبل 10 أشهر.

ويرى مراقبون أن أصوات العدالة والتنمية التي فقدها توزعت بين الامتناع عن التصويت والتوجه لأحزاب صغيرة أخرى على رأسها حزب الرفاه من جديد. وهو ما يشير أيضاً إلى عدم تمكن الشعب الجمهوري من استقطاب هذه الأصوات وتوسيع قاعدته الشعبية.

أظهرت قاعدة حزب الشعب الجمهوري تشبثا بالأيديولوجية الخاصة بـ حزبهم، حتى رغم سوء الأداء الذي عانته تحت البلديات التي يحكمها حزبهم. فهم، على عكس بقية المجتمع التركي، اصطفافهم الأيديولوجي يفوق أي اعتبار للخدمات الحكومية أو المحلية.

يمكن تفسير هذه النتائج من خلال عدة عوامل منها:

أولا، يبدو أن الشعب التركي، في ضوء تجربته الحديثة نسبيا مع الديمقراطية، قد أولى أهمية كبيرة للمشكلات الاقتصادية الراهنة، وانطباعاته عن السياسة الخارجية التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية وتأثيرها على القضايا الإقليمية والعالمية، وقرر التعبير عن استيائه من سياسات الحزب الحاكم في الانتخابات، على حساب مكتسباته قصيرة ومتوسطة الأجل في الخدمات اليومية.

ومع ذلك، فإن حجم التأثير الذي قد تتركه هذه التضحية على مصالح الشعب الاستراتيجية طويلة المدى لا يزال غير واضح حتى الآن. هذا الوضع يسلط الضوء على المخاطر المرتبطة بالتركيز المفرط وغير المدروس على جوانب محددة دون إعمال النظر في التبعات الشاملة، مما قد يؤدي إلى تأثيرات مكلفة ذات تأثيرات سلبية على الجميع، بما في ذلك الشعب التركي نفسه.

ثانيا، وعلى الرغم من نجاح حزب الشعب الجمهوري في هذه الانتخابات، إلا أن نجاحه لم يكن نتيجة إثباته لنجاحات في الفترات السابقة، بل على العكس، كان أداؤه سيئًا للغاية وعلى كل المستويات، أيضا، لم ينجح لأنه قدم برامج انتخابية ووعودًا أفضل أو مشابهة لما قدمه حزب العدالة والتنمية، ولم يقدم أيضا وعودًا تلامس تطلعات الشعب التركي على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.

ثالثا، أظهرت قاعدة حزب الشعب الجمهوري تشبثا بالأيديولوجية الخاصة بـ حزبهم، حتى رغم سوء الأداء الذي عانته تحت البلديات التي يحكمها حزبهم. فهم، على عكس بقية المجتمع التركي، اصطفافهم الأيديولوجي يفوق أي اعتبار للخدمات الحكومية أو المحلية، ويظهر ذلك في سلوكهم الانتخابي ومواقفهم الصارمة تجاه باقي المجتمع، حيث يبدون آراءهم بوضوح وبدون تردد، ولا يخفون مواقفهم المتصلبة تجاه بقية فئات المجتمع التركي بحجة أنهم الفئة المتخلفة التي تريد إعادة تركيا إلى "العصور المظلمة".

رابعا، لعبت الأحزاب الصغيرة التي تحاول التنافس على قواعد حزب العدالة والتنمية من خلال برامجها السياسية المحافظة أو الإسلامية دور "حصان طروادة" ضد القواعد التي تستهدفها، حيث تضحي بمصالح هذه القواعد في سبيل إزاحة حزب العدالة والتنمية عن سدة الحكم، في مخاطرة أكبر من وزنها السياسي، فقد وفروا فرصة ذهبية لخصومهم التاريخيين، الذين طالما سعوا دائما لفرض القيم الغريبة على المجتمع التركي وهويته، للوصول على الحكم عن طريق تفكيك الدعم الشعبي لحزب العدالة والتنمية.

خامسا، وعلى الرغم من إعلان حزب العدالة والتنمية مرارا وتكرارا على لسان رئيسه أن "رسالة الشعب قد وصلت" خلال الانتخابات الماضية، إلا أن التحالفات التي عقدها الحزب وأداءه الضعيف شكّلت عائقًا أمام تعزيز بنيته التنظيمية والحفاظ على الارتباط مع قواعده. وبالمثل، لم يتمكن الحزب من تنفيذ إصلاحات جوهرية على مستوى الحزب نفسه، والمؤسسات والبنى الحكومية، أو حتى في سياق المجتمع بشكل عام.

سادسا، أخفق الحزب في تسويق إنجازاته وبرامجه بشكل فعال للناخبين من مختلف شرائح المجتمع التركي، فعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققها خلال سنوات حكمه، إلا أنه لم ينجح في الترويج لها بشكل كافٍ ولم يصل إلى جميع شرائح المجتمع التركي بما فيهم الأقليات والفئات المهمشة.

هذا التقصير في التواصل الفعال مع الجماهير ربما ساهم في حرمان الحزب من أصوات مهمة. في المقابل، استفاد حزب الشعب الجمهوري من الخبرات الانتخابية الغربية، مما سمح له بتفتيت القاعدة الشعبية لحزب العدالة والتنمية. عن طريق دعم الحملات الانتخابية للأحزاب الصغيرة والتحالف مع خصوم تاريخيين، استطاع حزب الشعب الجمهوري مخاطبة كل فئة بلغتها الخاصة، استخدم لغة محافظة مع المحافظين ولغة علمانية مع العلمانيين، وغيرها.

بالنسبة للذين لم يتمكن من كسب أصواتهم، عمل على تحييدهم إما بدفعهم نحو التصويت لأحزاب هامشية أو حثهم على مقاطعة الانتخابات.

سابعا، تشير التراكمات والأخطاء، خاصة في الفترة الأخيرة، إلى أن حكومة حزب العدالة والتنمية تحولت لضرب كل ما تم بناءه خلال أكثر من عشرين عامًا، وتبنت سياسات استرضائية واستنزافية فرضتها عليها المعركة السياسية تحت ضغوط المعارضة السياسية الداخلية والضغوط الخارجية، خاصة في القضايا الجوهرية والمحورية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. كما شهدت سياساتها الخارجية تراجعا في ملفات إقليمية، لا سيما في الدول العربية، فبعد أن نادى أردوغان لسنوات بالعدالة في المنطقة، استدارت السياسة الخارجية التركية ضد كل المبادئ التي نادت بها، وفتحت مشاريع تطبيع وصفت بالمجانية ومحرجة لها.

ثامنا، يعد الرئيس أردوغان شخصية استثنائية في السياسة التركية، لكن في إطار النظم لا يكفي أن يكون القائد مميزا، بل ينبغي للتميز والكفاءة أن تمتد وتتوزع على جميع مستويات العمل داخل الحزب والحكومة. ومع ذلك، بالنظر إلى الوضع الراهن، يبدو أن حزب العدالة والتنمية عانى من غياب الشخصيات الوازنة التي يمكنها تشكيل قيادة مستقبلية إلى جانب أو بعد أردوغان.

فقد هيمن تأثير أردوغان بشكل كبير على الحزب، مما منع بروز أي قيادات ذات حضور مؤثر في الساحة السياسة والاجتماعية، هذا الغياب للعمق القيادي أثر سلباً على أداء ممثلي الحزب في الانتخابات المحلية، ما أظهر نقصا في القدرة على التكيف ومواجهة التحديات السياسية بفعالية، مما انعكس بشكل واضح على تراجع نتائج الحزب في الانتخابات المحلية.

تاسعا وأخيرا، وضع أردوغان وفريقه المقرب المجتمع التركي أمام تحديات كبيرة بسبب الحجم الكبير الذي خطوه بتركيا على كل المستويات، وهو ما لم يتبعه خطوات مساوية لبناء الثقافة المدنية لدى الشعب.

وهذا ما اضطر حزب العدالة والتنمية للوقوع في فخ الاسترضاء المكلف، وشراء القبول الاجتماعي عبر تحويل تركيا، التي لا تملك ثروات باطنية، إلى دولة رعاية يتوقع الشعب منها تقديم كل شيء، وإلا فسيكون هناك "تصويت انتقامي" كما وصفه البعض.

من خلال الانتخابات وغيرها من وسائل التعبير الديمقراطي، يتمتع المواطنون بقدرة غير محدودة على التأثير في الحكومة والسياسات العامة.

ومع ذلك، على الرغم من تراجع نتائج حزب العدالة والتنمية، فقد يكون البديل الذي اختاره الناخبون لا يعبر عن مصالح وتطلعات أولئك الناخبين الذين كانوا يريدون "معاقبة" الحزب. وبالتالي، قد تكون النتيجة هي معاقبة الناخبين أنفسهم، ومن الواضح أن تركيا تواجه مستقبلًا يتطلب الاستعداد والعمل الدؤوب لتجنب العواقب السلبية والبناء على النقاط الإيجابية.

من خلال الانتخابات وغيرها من وسائل التعبير الديمقراطي، يتمتع المواطنون بقدرة غير محدودة على التأثير في الحكومة والسياسات العامة. ومع ذلك، تأتي هذه القدرة مقرونة بمسؤولية كبرى تتطلب منهم اتخاذ قرارات مستنيرة ونشطة لتجنب الورطات المستقبلية وضمان مستقبل مزدهر ومستقر للأجيال القادمة.

تعزيز الوعي السياسي والتعليم المدني يمثل جزءا لا يتجزأ من حل هذه المعضلة، مما يسمح بفهم أعمق لأهمية كل صوت في تشكيل ديمقراطية قوية ومستقرة. من خلال مشاركة أكثر وعيا وفاعلية في الحياة السياسية، يمكن للشعب تجنب السقوط في فخ اختيارات قائمة على أسس ضعيفة، وبدلا من ذلك، بناء مستقبل أكثر إشراقا واستقرارا لتركيا.

في ظل الظروف الجديدة، يجب على الأحزاب السياسية استخلاص الدروس المهمة من انتخابات 2024. عليها إقامة قنوات اتصال فعالة مع الناخبين، وفهم احتياجاتهم ورغباتهم بشكل جيد، كما يتعين عليها تعزيز الثقافة المدنية في المجتمع، والاستجابة للمطالب الشعبية من خلال سياسات وبرامج واقعية وقابلة للتطبيق.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.