شعار قسم مدونات

يوميات الحرب!

عائلة تبحث عن الطعام أسفل أنقاض منزلها في غزة
استهداف وقصف المنازل على رؤوس من فيها من أطفال ونساء ورجال عن طريق صواريخ الطائرات دون تحذير أو إخطار مسبق كما كان يتم سابقا (مواقع التواصل الإجتماعي)

إن الطبيعة الإنسانية والغريزة البشرية تحب الحياة وتعشق وتسعى للخلود في الدنيا والعمار فيها، ولكن هناك أشخاص يقومون بترويض وتهذيب النفس لتعرف أنه لن يصيبها إلا ما كتب الله لها وتفوض أمرها لله. وهذه الطبيعة والغريزة تتعزز وقت الخطر والحرب، ومن البديهي أن يسعى الشخص للحفاظ على نفسه وذاته من المخاطر والمصائب.

وهذا ما حدث معي ومع أفراد عائلتي بداية الحرب، كل شخص منا خائف منها بل تنتابه وتخلجه الرهبة والرعب منها، خاصة أن قوات الاحتلال بدأت تقصف بالطائرات مربعات سكنية على رؤوس من فيها بدون سبب أو مبرر، وتقصف بالمدفعية المنازل بشكل عشوائي.

بين أفراد عائلتي أخذنا النقاش والحديث هل ننتقل ونخلي البيت؟ هل ننتقل لمنطقة أو مكان أكثر أمنا؟ هل نذهب وننزح إلى جنوب قطاع غزة؟

كل فرد من العائلة له وجهة نظر وله مبررات، وأثناء هذا النقاش وبدون مقدمات وإذ بي أقول [ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ] ، هنا سكنت الأنفس ، وتم اخماد الطبيعة الإنسانية والغريزة البشرية، وفوضنا أمرنا لله هو مولانا، وأصبحت هذه الآية هي شربنا وأكلنا بل هوائنا طوال فترة الحرب حتى تهدأ الفطرة البشرية، ومع ذلك لابد من وجود نزوات حيث أنه في بعض المرات ومع اشتداد القصف وضراوة الحرب طلبت وألحت عليّ أمي بأن نذهب وننزح إلى جنوب القطاع، وبعد جدل وإصرار أمي بأن تذهب للجنوب، قلت لها اذهبي أنا باق هنا في جباليا، و [ لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ] و [ أينما تكونوا يدرِككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ]، واقتنعت على مضض .كانت وما زالت وستبقى هذه الآية هوائنا وأماننا في الحرب.

هذا ما حدث في صباح يوم 13/11/2023 حيث تم استهداف منزل عمي المستشار عنان البرش وأدى ذلك إلى دمار المنزل بالكامل واستشهاد كل من عمي عنان البرش وأبناءه موسى ويعقوب وأخيه علام البرش، ولقد كنت من أوائل الموجودين في المكان بعد القصف مباشر

الإحساس

هذه الحرب لها وقع على الإنسان، لقد أثرت في كيانه بالكامل ولكن أكثر شيء أثرت فيه هو النفس والقلب، فأن يفقد الإنسان الإحساس ويتبلد بالكامل عندما يسمع أي خبر أو يرى أي حدث مهما كانت فداحته وفظاعته.

يسمع الشخص خبر استشهاد حبيب أو صديق، أو يتم استهداف منزل لقريب أو جار، واستشهاد جميع من فيه، فلا يتحرك له إحساس بل يتبلد ويتجمد بالكامل وكأن الأمر أصبح طبيعي.

حيث أنه في صباح يوم ١٢/١/٢٠٢4 سمعت خبر استهداف منزل أصدقائنا آل شهاب في جباليا بصواريخ الطائرات، وبالرغم من أن ذلك أدى إلى تدمير مربع سكتي واستشهاد أكثر من ٧٥ شهيد، وما زال هناك عشرات المفقودين تحت الركام والردم، فلم يتأثر الشخص أو يشعر بأي إحساس، لا تدري هل تبلدت الأحاسيس؟

وهذا ما حدث أيضا في صباح يوم 13/11/2023 حيث تم استهداف منزل عمي المستشار عنان البرش وأدى ذلك إلى دمار المنزل بالكامل واستشهاد كل من عمي عنان البرش وأبناءه موسى ويعقوب وأخيه علام البرش، ولقد كنت من أوائل الموجودين في المكان بعد القصف مباشر وشاركت في حمل ونقل الشهداء، وبالرغم من أن علام البرش لم يكن قريب فقط بل كان رفيق عمري في كل المراحل من الحضانة إلى المدرسة والجامعة وبعد ذلك، وكان صاحب فكاهة وسن ضحوك، حتى أنه قبل استشهاده بأيام جلسنا معا، وإذ به يقول لي: "بتعرف يا مري -وهو اسم الدلع لي وأنا صغير- أكبر خازوق إشو هو؟ قلت له: لا، قال: إنه الواحد يعيش أيام الحرب كلها وفي أخر يوم إها يستشهد". إلا أن الأحاسيس خرجت عن الخدمة ولم تعد تعمل.

أدى هذا الاستهداف إلى دمار المربع السكني بالكامل واستشهاد حوالي ٢٣ شهيدا، ولا يزال هناك بعض المفقودين تحت ردم وركام المنازل حتى الآن وعشرات الإصابات التي كانت من بينهم ابنتي إيمان

الخروج من الموت (استهداف منزل آل رضوان)

إن من أصعب وأقصى سياسيات وطرق الإبادة والتدمير التي مارستها قوات الاحتلال في مواجهة غزة وكان له آثار ووقع شديد على المجتمع، هو استهداف وقصف المنازل على رؤوس من فيها من أطفال ونساء ورجال عن طريق صواريخ الطائرات دون تحذير أو إخطار مسبق كما كان يتم سابقا، وكان ينتج عنها عشرات من الشهداء والإصابات والمفقودين ودمار كبير في المربع السكني المستهدف، ولقد ولدت هذه السياسية هاجس وخوف شديد لدى المواطنين، خاصة أن الاستهداف كان يشمل مربع سكاني (عدة منازل مجاورة) وليس منزل واحد فقط.

في حدود الساعة ١١ من مساء يوم ٢٨/١٠/٢٠٢٣ خرجنا بلطف ورحمة الله من الموت بأعجوبة من تحت الركام وغبرة الموت على رؤوسنا، حيث صحونا من النوم على صوت انفجار قوي والركام والأثاث والشبابيك والزجاج على رؤوسنا، وقمت بإشعال المصباح اليدوي بسبب كثافة الغبار والدخان وبدأت اتفقد العائلة واطمأن عليهم واحدا واحدا، فوجدت ابنتي إيمان ذات ٥ اعوام قد أصيبت وغارقه في دمائها فحملتها وأخذت العائلة وخرجنا من المنزل حيث اعتقدنا بأن الاستهداف على البيت الذى نمكث فيه، وعند الباب الخارج  وجدت ردم وركام امام الباب وفي محيط المنزل والغبار والدخان أشد، عندها تبين لنا الاستهداف كان للمنزل المجاور لنا والذي يعود إلى آل رضوان حيث تم قصف المنزل على رؤوس من فيه بصواريخ من طائرة إف -١٦ .

ولقد أدى هذا الاستهداف إلى دمار المربع السكني بالكامل واستشهاد حوالي ٢٣ شهيدا، ولا يزال هناك بعض المفقودين تحت ردم وركام المنازل حتى الآن وعشرات الإصابات التي كانت من بينهم ابنتي إيمان، حيث قامت سيارة الاسعاف بنقلها إلى المستشفى الإندونيسي وتم إزالة شظية في كتفها الأيمن.

لم تنتهي الحرب، ولم تنتهي الأحداث، ولا يزال لنا أحاديث كثيرة، لكنني أدعو الله أن أكتب عنها وقد خلت سماء غزة من الطائرات، وانسحبت الدبابات من أراضيها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.