شعار قسم مدونات

تركيا والصومال.. أبعد من مجرد اتفاقية أمنية

ANKARA, TURKIYE - FEBRUARY 08: (----EDITORIAL USE ONLY - MANDATORY CREDIT - 'TURKISH NATIONAL DEFENSE MINISTRY / HANDOUT' - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS----) Turkish Defense Minister Yasar Guler (R) poses for a photo with Minister of Defense of Somalia Abdulkadir Mohamed Nur (L) during the signing ceremony of Defense and Economic Cooperation Framework Agreement between two countries in Ankara, Turkiye on February 08, 2024. (Photo by Turkish National Defense Ministry / Handout/Anadolu via Getty Images)
وزير الدفاع التركي غولر (يمين) مع نظيره الصومالي محمد نور خلال توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي والاقتصادي (غيتي)

أثار توقيع اتفاقية الدفاع بين تركيا والصومال في وقت سابق من شهر فبراير/شباط 2024 ردود أفعال وتكهنات حول أسبابها وآثارها بشأن تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين أنقرة ومقديشو.

لكن بمتابعة بعض مما كتب من تعليقات المراقبين حول نتائج هذه الاتفاقية، وجدت أن معظم التحليلات تتناول الموضوع من زاويته الإقليمية فحسب وتختزل آثار هذه الاتفاقية في إعادة ترتيب العلاقات التركية – الصومالية من جهة وإعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية بين الصومال وإثيوبيا من جهة أخرى إلى جانب الدور المحوري للصين في القارة السمراء.

فمعظم المراقبين رأوا أن هذه الاتفاقية أتت كرد فعل على الاتفاق الذي أبرمته إثيوبيا مع الكيان غير المعترف به دولياً المسمى "أرض الصومال" بغرض منح إثيوبيا حق استغلال ميناء بربرة كمنفذ لها على البحر الأحمر.

وإن كنت لا أرى في التركيز على تلك الزاوية للتناول عيباً أو قصوراَ، حيث إنها ولا شك مقدمة لفهم أبعاد هذا التحرك التركي المفاجئ في منطقة القرن الأفريقي، إلا أنني أوقن أن هذا الحدث له أبعاد أعمق وتداعيات أوسع نطاقاً من زاوية الاصطفاف وإعادة تشكيل التحالفات في منطقة القرن الأفريقي بالأخص في ظل نظام عالمي جديد يتجهز ليرث النظام الأميركي الأحادي القطبية.

ولتوضيح هذا الأمر، أسوق هنا عددا من النقاط التي لا يجب إغفالها في إطار الرؤية الأشمل والتناول الأوسع للتحرك التركي المشار إليه، وهنا أريد من القارئ فقط أن يقرأ ما تحت العناوين الفرعية الآتية بتمعن، كي يصل معي إلى الخلاصة التي أسوقها في نهاية المقال.

سعت الصين لتفعيل آلية "سياسة فخ الديون" والتي تقوم على أساس قيام تلك الدول بسداد ديونها عينيا في شكل توريدات إنتاجها من البترول والمواد الأولية الأخرى

النفوذ الصيني "فخ الديون"

نشر موقع مؤسسة سيتا SETA للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تقريرا عن القارة الأفريقية، اطلعت عليه أخيرا، أفرد فيه قسما كاملا حمل عنوان "الصعود الأفريقي والفاعلين الدوليين في القارة" تناول فيه الدور التركي المتصاعد في القارة الأفريقية، لكنه أشار أيضا إلى النفوذ الصيني المتمدد في القارة السمراء، فالصين تأتي ضمن أكبر أربع قوى عالمية تحتفظ بتمثيل دبلوماسي ثقيل في القارة. كما أنها أضحت من أكبر المستثمرين الدوليين في أفريقيا، إلى الحد الذي بات ينظر إليها كقوة إمبريالية جديدة تتغلغل وتسيطر على الدول الأفريقية من خلال ما أسماه التقرير "سياسة فخ الديون" Debt Trap Strategy

يشير التقرير بعد ذلك إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن إثيوبيا من أكبر الدول الأفريقية المدينة للصين، (ومعها كل من كينيا وأنغولا)، حيث تواجه كل من إثيوبيا وكينيا تحديدأ صعوبات مستمرة في السداد، وكانت إثيوبيا قد أعلنت بالفعل في ديسمبر/كانون الأول الماضي تعثرها وتوقفها عن سداد أقساط فوائد ديونها.

لذلك -وفي رأيي- سعت الصين لتفعيل آلية "سياسة فخ الديون" والتي تقوم على أساس قيام تلك الدول بسداد ديونها عينيا في شكل توريدات إنتاجها من البترول والمواد الأولية الأخرى، أو من خلال منح مستثمرين صينيين حقوق امتياز واستغلال الموانئ البحرية والمطارات.

لكن إثيوبيا دولة حبيسة لا موانئ لها لتمنحها لرجال الأعمال الصينيين. لذلك ربما جاء التحرك الإثيوبي -بإيعاز وضغط من الصين- في شهر يناير/كانون الثاني الماضي لتوقيع اتفاق استغلال ميناء بربرة لصالحها ولصالح دائنيها وعلى رأسهم الصين، وكذلك ليفتح لإثيوبيا الطريق للتنقيب عن البترول في مياه الصومال الإقليمية كي تتمكن من توفير ثروات تمكنها من سداد ديونها عينياً إن أرادت.

ضع ما سبق في حسبانك، ثم انتقل معي إلى النقطة التالية..

نجاح الصين في الوصول -من خلال إثيوبيا- إلى ميناء بربرة من شأنه أن يخلق وضعاً عسكرياً غير مريح للقوات الأميركية في المنطقة، وهي القوات المنشغلة الآن في حربها مع الحوثيين في البحر الأحمر.

الوجود العسكري الصيني في أفريقيا.. صراع القوى الكبرى

قامت الشركات الصينية -منذ عام 2000- بالاستثمار في أكثر من مئة ميناء بأفريقيا من موريتانيا غرباَ إلى كينيا على سواحل المحيط الهندي شرقا.

إلا أن الوجود الإستراتيجي الأهم للصين هو على مقربة من باب المندب حيث توجد للصين أهم قاعدة بحرية لها في جيبوتي، "قاعدة دعم جيش التحرير الشعبي الصيني في جيبوتي" وهي قاعدة بحرية دائمة يمكن للصين أن ترسي علها حاملة طائرات وغواصات نووية. لكن النقطة الأهم هنا هو أن هذه القاعدة توجد على مرمى حجر من أكبر قاعدة أميركية في كامب ليمونيه في جيبوتي أيضا.

لذلك، فإن نجاح الصين في الوصول -من خلال إثيوبيا- إلى ميناء بربرة من شأنه أن يخلق وضعاً عسكرياً غير مريح للقوات الأميركية في المنطقة، وهي القوات المنشغلة الآن في حربها مع الحوثيين في البحر الأحمر.

وقد يتطور الوضع العسكري في المنطقة، فيخلق فراغا إستراتيجياً تستغله الصين، يتحول معه القرن الأفريقي بأكمله إلى منطقة نفوذ صيني خالص، خاصة وأن كينيا وعددا من الدول الأفريقية الأخرى مدينة أيضا للصين شأنها شأن إثيوبيا.

ضع هذا أيضا في سياق السرد، وانتقل إلى التالي..

الفراغ الجيوسياسي الذي خلقته المنافسة بين الولايات المتحدة والصين من شأنه أن يخلق بيئة تسمح للقوى الإقليمية الفاعلة مثل تركيا أن يكون لها حظوظ أكبر في ملء الفراغ وضبط التوازن الإستراتيجي في أماكن المنافسة

إطار جديد للعلاقات التركية الأميركية

نشر السيد سونير جابتاي مقالا بموقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الجديد، حمل عنوان "مستقبل الروابط الأميركية -التركية: إطار جديد من العلاقات- لا إعادة ضبط.

يؤكد السيد سونير في مقاله، أنه بالرغم من التطورات الإيجابية في العلاقات التركية – الأميركية والتي تمثلت في قيام برلمان تركيا أخيراً بالموافقة على انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) وموافقة الولايات المتحدة في المقابل على رفع العقوبات عن توريدات السلاح إلى تركيا وإقرارها صفقة طائرات إف-16، إلا أن ذلك لا يعني أن أنقرة خضعت مرة أخرى إلى ابتزاز وهيمنة المعسكر الغربي.

لقد أدرك المسؤولون الأميركيون أن التعامل مع تركيا يقتضي اعترافهم بأنها حليف مستقل وإقرارهم بأن الأخيرة ستظل دائماً محتفظة بتوازن دقيق في علاقتها مع الغرب وأنها، تحت قيادة الرئيس أردوغان، تتحرك في فضاءات إستراتيجية متعددة وربما متنافسة، مستفيدة من التنوع في تحالفاتها، الأمر الذي يمنحها هامشاً أكبر للمناورة في أي نزاع إقليمي أو دولي محتمل.

لقد أقتنع الغرب والأميركيون أخيراً أن هذه المقاربة التركية الجديدة في إدارة شبكة علاقاتها الدولية هو نهج مستدام ويتقاطع مع المصالح الغربية على المدي الطويل، بل وأن الإصرار على إخضاع تركيا للغرب -كما كان الحال في عقود القرن العشرين- أصبح غير منتج سياسيا.

وقد تجلى هذا التموضع التركي فيما حققته من نجاحات في ملفات شهدت، ولا تزال، قدرا كبيرا من التوتر مثل الحرب الروسية الأوكرانية أو الحرب في ليبيا وأخيراً الحرب في جنوب القوقاز.

وبناء عليه، فإن الفراغ الجيوسياسي الذي خلقته المنافسة بين الولايات المتحدة والصين من شأنه أن يخلق بيئة تسمح للقوى الإقليمية الفاعلة مثل تركيا أن يكون لها حظوظ أكبر في ملء الفراغ وضبط التوازن الإستراتيجي في أماكن المنافسة والصراع المحتملة بينهما كمنطقة القرن الأفريقي.

أنشأت تركيا مركزاً للتدريب العسكري في العاصمة مقديشو رصدت له ميزانية قدرت بـ 50 مليون دولار باسم تركسوم "TURKSOM" قامت فيه بتدريب عناصر الأمن والجيش الصومالي والتي بلغ عدد المتدربين بها حوالي 15 ألف متدرب

الصعود التركي في القارة الأفريقية

ولا عجب إن قلنا إن تركيا تأتي هي أيضا ضمن أكبر أربع قوى عالمية تحتفظ بتمثيل دبلوماسي قوي لها في القارة السمراء، حيث يمكن القول إنها تقع إلى جانب الصين، بعد كل من الولايات المتحدة وفرنسا.

وقد امتد دور تركيا في أفريقيا إلى مجالات متعددة شمل إلى جانب التعاون الأمني والعسكري، مجالات الطاقة والتعاون الاقتصادي والتعليم والصحة، ولا يخفى على القارئ أن القوات المسلحة التركية نفذت مع كل من ليبيا والصومال برامج تدريبية عسكرية للآلاف من قوات الأمن والجيش بها.

وقد كان الرئيس التركي سبّاقا في التوجه نحو الصومال رغم بعد المسافة بين بلاده وبينها، وزارها لأول مرة في عام 2011 أثناء المجاعة هناك، وقدم لها الكثير من المساعدة والعون. كما كان للقوات التركية دور في مكافحة الإرهاب بالصومال كذلك.

وفي هذا السياق، أنشأت تركيا مركزاً للتدريب العسكري في العاصمة مقديشو رصدت له ميزانية قدرت بـ 50 مليون دولار باسم تركسوم "TURKSOM" قامت فيه بتدريب عناصر الأمن والجيش الصومالي والتي بلغ عدد المتدربين بها حوالي 15 ألف متدرب بالإضافة إلى تدريب عناصر من القوات الخاصة الصومالية في مدينة إسبرطة التركية.

ومن هنا نستطيع القول إن توقيع الاتفاقية الأمنية بين تركيا والصومال، يأتي بمثابة رسم جديد لخريطة التحالفات العسكرية والمصالح الاقتصادية في القرن الأفريقي، فوضت بإدارته تركيا التي هي عضو بحلف الناتو وحليف للغرب وكذا شريك إستراتيجي للصومال من جهة وشريك اقتصادي لكل من إثيوبيا والصين من جهة أخرى، الأمر الذي يؤهلها للعب دور قبانة الميزان الإستراتيجي بين مختلف القوى الكبرى في القرن الأفريقي، وبأنها من الناحية العملية، لا غنى عن دورها كشريك قوي ومتوازن من كافة الأطراف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.