قد يستغرب البعض من هذا الحل! ويقول البعض: أين السيادة؟ وقد يقول الطرف الآخر: أشرقية هي أم غربية؟ وكيف تكون رعاية المصالح الدولية هي الحل، والعالم مشتعل بالصراعات؟ هل من المعقول أن نرى مصالح دولية في هذه الظروف الحرجة؟
الاجابة: نعم، لأننا نتكلم عن العراق، وليس عن بلد آخر، نتكلم عن العراق بتاريخه المعقد وحاضره المؤلم وتاريخه الذي جعلته المنظومة الدولية جزءًا من اللعبة، ولهذا علينا أن نلعب، وأن نتقن اللعب، وأن نكون في موقع يحمي العراق والعراقيين. وقبل أن ندخل في كيفية اللعب، علينا أن نتعرف على المرحلتين اللتين استخدمتا من قبل النظامين: السابق والحالي، بتعاملهما مع المنظومة الدولية.
الاستقرار السياسي هو من أهم وأسمى الأهداف، وهو أيضًا من أصعب الأهداف الممكن تحقيقها في الشرق الأوسط، وخصوصًا في دول العالم الثالث، لا سيما في بلد مثل العراق، بتاريخه المعقد، وحاضره المؤلم، ومستقبله جزء مهم من اللعبة الدولية
من 1979 إلى 2003، استخدم النظام السابق الانغلاق التام مع المحيط الدولي والمحيط الإقليمي، وحتى دول الجوار، وخاض حربًا دامت 8 سنوات مع إيران، بعدها أخرى مع الكويت، مع مقاطعة سوريا وتركيا، فضلًا عن مقاطعة لأميركا مع تقارب هش مع روسيا.. وكانت النتيجة حروبًا، حصارًا، احتلالًا، تفكيك الدولة بالكامل، وإعدام رئيسها.
بعدها (2003 حتى الآن، نهاية 2024)، استخدمت العملية السياسية الانفتاح التام بلا ضوابط، ومن المظاهر والنتائج لهذه السياسة: سرقة المال العام بدعم دولي، إدخال تنظيم الدولة إلى العراق بدعم دولي، تفكيك اللحمة المجتمعية بمشروع المكونات.. وغيرها الكثير. وهذا بسبب التجاذبات والتقاطعات والصراعات الدولية، ما جعل العراق حقلًا ومكانًا لهذا الصراع.
إذن، لا لانغلاق تام، ولا لانفتاح بلا ضوابط.. الحل هو الانفتاح بضوابط، أي ما يسمي بتفعيل المصالح المشتركة. والمؤكد أن كل فلسفة في التعامل مع المنظومة الدولية تواجهها تحديات، ومن أبرز هذه التحديات:
- نكون برعاية المصالح الغربية أو الشرقية.. بينما أصبح العراق منقذًا لبعض دول المنطقة.
- كيف سترى المصالح، وهناك مصالح محلية تجذرت منذ 2003، تتقاطع والمصلحة العامة للعراق والعراقيين؟
- المنظومة الدولية لا تسلم مصالحها -خصوصًا الإستراتيجية- إلا لمشاريع ذات مواصفات خاصة.
- بناء المشروع العراقي الراعي للمصالح سيكون في وقت، المنطقة فيه مشتعلة، لا في مرحلة هدوء.
- وجود دعوات ومشاريع تدعو إلى التقسيم.
- وجود العديد من النظريات للعديد من دول الجوار لإبقاء العراق ضعيفًا.
- ومن أصعب التحديات أن مشكلتنا مركبة ومتأصلة -أي متزامنة-.
هذه وغيرها من التحديات ستواجه المشروع.. وهنا تتأكد الحاجة إلى خطة (إدارة المخاطر) تكون واضحة قبل الشروع بالعمل، لأن ما ذُكر أعلاه من تحديات حقيقية خطرة.
ما الحل؟.. هل نستسلم؟ الإجابة: لا، بشرط اعتمادنا ما سيذكر من الحلول أدناه.. عندها يمكن أن ترتفع لدينا درجة مستوى السيادة. وهنا علينا أن نفهم أولًا كيف نسوّق أنفسنا للمنظومة الدولية
الاستقرار السياسي هو من أهم وأسمى الأهداف، وهو أيضًا من أصعب الأهداف الممكن تحقيقها في الشرق الأوسط، وخصوصًا في دول العالم الثالث، لا سيما في بلد مثل العراق، بتاريخه المعقد، وحاضره المؤلم، ومستقبله جزء مهم من اللعبة الدولية.
ففي عالم السياسة اليوم، إما أن تكون شريكًا أو أداة (والأدوات مستويات) أو ضحية.
رغم ما ذُكر أعلاه فإن مستويات الاستقرار السياسي مختلفة من بلد إلى آخر، فهناك دول من العالم الثالث أكثر استقرارًا؛ بسبب قدرتها على بناء تفاهمات مع المنظومة الدولية، مقابل أن لهذه المنظومة نسبة لا بأس بها من السيادة على بلدها.
لكن المنظومة الدولية لا تقبل أي مشروع يرعى مصالحه، وخصوصًا المشاريع والمصالح الإستراتيجية؛ فالمصالح الآنية لا مانع من رعايتها في بعض المشاريع، التي تستخدم مؤقتًا كأدوات، ثم تُرمى في مزبلة التاريخ .ولهذا، الأمر متعلق بالمنظومة الدولية أكثر من تعلقه بالمشاريع المحلية.. هذا واقع علينا الاعتراف به، ولذلك لا يمكن أن نفكر بحلول منطقية إلا بعد أن تتوفر لدينا قناعات بما ذُكر أعلاه.
إذن، ما الحل؟.. هل نستسلم؟ الإجابة: لا، بشرط اعتمادنا ما سيذكر من الحلول أدناه.. عندها يمكن أن ترتفع لدينا درجة مستوى السيادة. وهنا علينا أن نفهم أولًا كيف نسوّق أنفسنا للمنظومة الدولية، من خلال هذا التسويق يمكننا رفع مستوى السيادة، وأن نبتعد عن مستوى التبعية المطلقة.
على المشروع السياسي الناضج أن يفقه التغيير ثلاثي الأبعاد (منهج، وقيادة، ثم بيئة حاضنة) وأن يمتلك مهارات إدارة التوازنات وإدارة التناقضات، وأن يمتلك مهارة الاحتواء
الحلول تبدأ باعتماد مجموعة من القيم السياسية، والتي من خلالها تبدأ عملية التسويق. ومن أهم القيم السياسية:
- قيمة مؤسسية: المنظومة الدولية لا تسلم مصالحها الإستراتيجية لأحزاب قائمة على أساس أشخاص، وإن حدث وتعاملت مع أحزاب شخصية أو فئوية، فاعلم أنها مصالح وقتية، والخاتمة خطيرة جدًا.
- قيمة ترتيب الأولويات: على المشروع السياسي المحلي أن يتواجد ويعمل في مناطق ذات أولوية للمنظومة الدولية (سواء كانت على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي).. ترتيب الأولويات سيولد انسجامًا وتوافقًا فكريًا وسياسيًا ومعلوماتيًا.
- قيمة البناء التكاملي للمشروع السياسي المحلي: المنظومة الدولية تعي جيدًا أن المشاكل مركبة ومتأصلة، ويستحيل أن يعالجها مشروع سياسي واحد (لأنها هي من صنع هذه الفوضى)، ولهذا تحتاج من المشروع المحلي قدرته على بناء تحالفات تكاملية، نسبة العامل المشترك فيها لا تقل عن 50%.
- قيمة التخطيط: المنظمة الدولية تريد معرفة مستوى التخطيط، وما قوة مصادر المعلومات، وما السيناريوهات المتوقعة في إدارة المخاطر.. فهي لا تعتمد مشاريع ليس لها خطة إستراتيجية مقسمة إلى تكتيكية وتشغيلية.
- قيمة الاحتواء: ومن أهم القيم هنا معرفة الموارد البشرية التي يضمها المشروع، وقدراتها، وما مستوى التنوع بالتخصصات، وما تأثيرها في الشارع.. كل هذا وغيره يؤثر على قرار التعامل المنظومة الدولية.
- قيمة الواقعية: رغم أهمية ما ذُكر أعلاه إلا في البداية والتأسيس يكون محليًا.
- القيمة الاقتصادية: أي أن يكون مشروعًا سياسيًا قلبه اقتصادي.
على المشروع السياسي الناضج أن يفقه:
- التغيير ثلاثي الأبعاد (منهج ثم قيادة ثم بيئة حاضنة).
- وأن يمتلك مهارات إدارة التوازنات وإدارة التناقضات.
- وأن يكون لديه خارطة طريق منبثقة من خطة إستراتيجية لعشر سنوات قادمة.
- وأن يمتلك مهارة الاحتواء.
مع ما ذُكر أعلاه من قيم سياسية تكون رعاية المصالح الدولية هي الحل، وأن يكون الشعار "الإنسانية تجمعنـا، وبها نسمو"، بدلًا من أن ندخل في جدلية (إسلامية أو علمانية).. نريدها إنسانية تجمع كل من فيه صفة الإنسانية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

