شعار قسم مدونات

الفنون الهادفة وصناعة التأثير

التشريع الإلهي وجه الرسول بتشريع الأذان وأوجبه على المسلمين عند دخول وقت كل فريضة صلاة (وكالة الأناضول)

حب الفن والجمال ومنها حب التغني والترنم وتطريب النفس خاصية وضعها الله في تكوين الإنسان ممزوجة مع فطرته على اختلاف دينه ومذهبه وعرقه، وبناء الذوقية الجمالية لديه هي قيمة يكتسبها في طريقه ليصبح مخلوقا يشعر بإنسانيته، ولابد من استثمار ذلك في تربيته وبناء مخزونه الفكري والوجداني بالشكل الإيجابي الذي يرتقي به ليصنع حياة مميزة مفيدة لنفسه ومجتمعه وإنسانيته، وهو الحيوان الناطق المحب للبيان والتبيان والتعبير عن المشاعر والجمال، والذي يعتبر أية الله في خلقه، وهذه الخاصية التي يمكننا تطويرها لدى الإنسان في عملية صناعة التوجيه الفكري والعقلي والوجداني لديه على مر اختلاف مراحله العمرية.

الجمال موجود في كل شيء. ولأن الله مصور الأشياء والمخلوقات كلها، وهو جميل يحب الجمال لذلك فقد أسبغ بعضا من جماله على خلقه، فالجمال ظاهرة كونية منظورة

لقد جاء الإسلام بتكليفات رئيسية ثلاث أنيطت بعنق كل مكلف، وهي عبادة الخالق جلا وعلا وحده (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56)، وكذلك البلاغ المبين للدين (وما علينا إلا البلاغ المبين) (يس: 17)، وإعمار الأرض بإقامة الحضارة وإحسان الاستخلاف في الأرض (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..) (هود: 61).

وهي دعوة لنا لإعمار هذه الأرض واستعمارها، وذلك بإقامة الحضارة الإنسانية ونشر دين الله عليها. وإبراز جمال الخالق وعبادته بالتجمل في الذات (حسا ومعنى) كما يكون ذلك بتجميل ما حولنا. فالعلاقة ما بين الإسلام والجمال أزلية متماسكة ومطردة فالإسلام دين الحق والخير والجمال.

الجمال موجود في كل شيء. ولأن الله مصور الأشياء والمخلوقات كلها، وهو جميل يحب الجمال لذلك فقد أسبغ بعضا من جماله على خلقه، فالجمال ظاهرة كونية منظورة نلحظ فيها جمال الإنسان وجمال الحيوانات وجمال النباتات وجمال الطيور والفراشات وكل شيء من حولنا. كما أنها ظاهرة مسطورة بما حواه القرأن الكريم من جمال فريد.

والجمال ظاهرة مقصودة تهفو النفوس إليها وتبحث عنها في كل شيء لذلك جاءت فنون الإنسان وإبداعاته لإظهار الجمال المنظور والمسطور وتبينه. ولتوضيح حظ الإنسان من الجمال الذي رزقه الله إياه وفضله به على باقي مخلوقاته. فهناك قوم خصهم الله بجزء من قدرته في صنع الجمال مما يمتع الناس ويؤثر في نفوسهم ويدلهم على الله الذي أودع الجمال في السماء والأرض. فكان هناك من يصنع الجمال بيديه كالمحاريب وأماكن العبادة والقدور الراسيات وهناك من يصنع الجمال بصوته فيشنف الآذان نغما شجيا وهناك من يصنع الجمال بنسج بيانه شعرا كان أم نثرا فكل هذه الأصناف وغيرها لابد أن تدلنا لجمال الخالق ولتعميق الايمان به.

وللناس أن تستمتع بهذه الموهبة البشرية في صنع الجمال ولا تغفل عن ذكر الله وشكره، وعليها أن تعرف أن هذه الموهبة نعمة من نعم الله على صانعي الجمال ويقع عليهم واجب كبير تجاهها، أكثر من واجب الشكر والعرفان. إذ أن التكليف والمسؤولية تزيد وتنقص بقدر الطاقة التي أودعها الله في الإنسان. فالذي وهبه الله القدرة على صنع الجمال يلزمه أن يسخر هذا الجمال في اتساق مع إرادة الخالق الذي خلقه لهدف العبادة والدعوة واعمار الأرض.

فهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأغر هذه الخاصية في فطرة الإنسان فجعل الترنم والتنغم أداة لصنع الانتماء وتكوين الذوقية الجمالية وتقوية العلاقة بين المسلم وقومه ودينه

لذلك نشأت الدعوة للإبداع في الفنون الهادفة وهي مجموعة الفنون المعروفة من غناء ورسم وخط وتشكيل مقدمة بقالب منضبط وفق ضوابط القيم والأخلاق الإسلامية ومفاهيم الشرع الحنيف. فكان النشيد القيمي الهادف الذي يعبر عن وجدان الأمة والمجتمع الإسلامي وقضاياه، والذي انتشر في سبعينيات القرن الماضي، وشرفني الله بأن أكون جزءا من هذه المنظومة الفنية الهادفة خلال تلك العقود الماضية. وما زال الوسط الفني الهادف يتألق بالعديد من الأصوات الشجية ويفرز لنا مواهب متميزة تغني آمال وآلام الأمة على امتداد رقعتها الجغرافية، وتوجه الشباب نحو الخير والحق وتساهم في بناء ذوقيتهم الجمالية والوجدانية.

تستخدم الفنون الهادفة في العملية التربوية حيث تقدم للأبناء والبنات والطلاب والطالبات من أفراد هذا الجيل نماذج من الفنانين الملتزمين الذين فهموا دورهم في إيصال الكلمة الطيبة والفكرة الهادفة بلحن عذب وأداء جميل وفي شتى المجالات الاجتماعية والرياضية والوطنية، فتزرع في أرواحهم جمالا خاصا ينمي أحاسيسهم ويرهف مشاعرهم ويفتح عليهم أبواب تذوق جمال الخلق والفضيلة، ويعلمهم الصفات الحميدة التي لابد أن يتحلوا بها لبناء شخصيتهم وهويتهم الإسلامية المنشودة. وكانت الأنشودة الخاصة بكأس أسيا مثلا والتي تتداول على منصات التواصل الاجتماعي وفي سماء الدوحة حيث تقام البطولة أكبر الأثر للتدليل على دور الأنشودة الرياضية في نشر الفرح والبهجة بين جماهير الكرة المستديرة وكذلك في إثراء روح التنافس الرياضي الشريف بين الجميع في هذه البطولة العالمية.

وعندما نعلم أن الشخصية عند الإنسان تنضوي لمجموعة من العلاقات المتشابكة مابين الروح والعقل والقلب والبدن، والتي تفسر فهم الجمال وصياغته في حياة الإنسان وواقعه. يمكننا أن نحدد هذه العلاقات وأثرها على هذه الركائز الأربعة، والمستوحاة من قول الله تعالى في كتابه الكريم: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا).

لقد فهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأغر هذه الخاصية في فطرة الإنسان فجعل الترنم والتنغم أداة لصنع الانتماء وتكوين الذوقية الجمالية وتقوية العلاقة بين المسلم وقومه ودينه فضلا عن تقويته صلته بالله سبحانه وتعالى فتغنى يوم بناء المسجد وتغنى في الحروب والغزوات وهو يعد الكتائب للقتال من باب التغني للتبني فتغنى وأصحابه بقولهم:

أقسمت يا نفس لتنزلن .. لتنزلن أو لتقتلن

قد أجلب الناس وشدوا الرنة .. مالي أراك تكرهين الجنة!

وكان التشريع الإلهي بداية قد وجه الرسول محمد إلى هذه الخاصية أيضا بتشريع الأذان وأوجبه على المسلمين عند دخول وقت كل فريضة صلاة، فاختار المصطفى صلى الله عليه وسلم بلالا وهو الأندى صوتا ليقوم بمهمة الآذان النشيد الخالد للمسلمين والذي يؤثر في كل مسلم على وجه الأرض ويرسم انتماءه لهذا الدين الحنيف، الله أكبر الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمدا رسول الله.. حي على الصلاة.. حي على الفلاح.. الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.