شعار قسم مدونات

اللقاء المتأخر

رابعة العدوية.. عن أيقونة الحب الإلهي
ما أعظمها! بل ما أعظم الله! كيف سواها وأبدعها وارتضاها قمرا يستنار به (مواقع التواصل)

رآها للجمال آية وللأنوثة سلطانة، وليس ذلك فحسب ما شغله وأشغله؛ فقد مر في حياته القليل والكثير باستثناء ما رآه فيها، فما مر إلا في أحلامه، أو قل في أحلى أحلامه.

إنها بحق امرأة من السماء، ملائكية الحضور والجاذبية والتأثير، تفتنه حتى عن نفسه؛ فينقاد إلى حسنها كأنه لم ير حسنا من قبل، ويسحر في حضرتها كأنه حجر في سبحتها أو حرف من حروف وردها، مسكون بعالم من الشغف الذي لم ترسم له حدود، ولم ترفع فوقه سماء؛ الشغف بكل تفاصيلها التي ما انفك يسبح ربه كلما بدا له شيء منها.

سبحان من صورها وأبدعها! فائقة الجمال ومقاربة الكمال، تملأ كله وتجتاح عمره، فلا أحد إلاها ولا دنيا سواها، إليها السعي ذهابا وإيابا، وبها الطواف قلبا وإقبالا.

كانت لقاءاته بها معطاءة بلا حدود وممكنة بلا مستحيل تجاوز بشعوره الزمان والمكان؛ فلا حد لهبات طلتها ولا نهاية لانتشائه بفتنتها.

ما أعظمها! بل ما أعظم الله! كيف سواها وأبدعها وارتضاها قمرا يستنار به، حتى غدت في عينه كأنها معجزة عصرها وأعجوبة دهرها، ليس لها شبيه في كمال جمالها، وليس له شبيه في أنسه بقربها.

ظل مفتونا بالإبداع الذي يتجلى فيها بأبدع ما يمكن أن يكون، فيجعله بأجمل ما يتمنى أن يكون.

ما أعظم الله! كيف سوّاها وأبدعها وارتضاها قمرا يستنار به، حتى غدت في عينه كأنها معجزة عصرها وأعجوبة دهرها

كان قبلها يحاول بكل ما بقي منه أن يعيد بناء دنياه التي خسر جلها في نوائب دهر أضنته مباغتة وكثرة، وأضناها صبرا وحيلة، إلى أن استطاع مؤخرا الوقوف على قدميه مرة أخرى، ولكنه وقوف الناجي من الكارثة.

ولك أن تتخيل حجم الحرب المشتعلة في صدره بين خيبة أمله وتجديد عزيمته، لقد كان بحق مسجونا بين الإحباط والإصرار، لا يخرجه من سجنه إلا ضحكات يطلقها هنا وهناك حملت وتحملت عنه الكثير، كأنها سلاحه الباقي الذي يواجه به تعاسة حظه، وأصبحت فلسفة يومه، تنسيه ما فات وتلهيه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا عما هو آت.

حتى قابلها فاستسلم لها عقلا وقلبا، أو قل انقاد كله لهذا القدر، ولهذا الجمال الذي رآه كاملا شكلا ومضمونا.

ليس أجمل منها حقيقة وحلما؛ إنها الكل إذ تحيي كله، فيقبل الوقت الذي جاء بها، ويعشق الدنيا التي جادت بقربها، ويشكر ربه على الهبة العظمى والهدية الكبرى والنعم التي لا تحصى كلما غمرته أنوار وجهها، أو أبصر الجنة في مطلع ضحكتها.

ليس أجمل منها حقيقة وحلما؛ إنها الكل إذ تحيي كله

تساءل: لماذا لم يلتقيا في بداية العمر؟! وهل كان يجب أن يمر في كل ما مر به قبل أن يقابلها؟ راوده الخاطر للحظات حتى أرجعته نفسه إلى الوراء متأملا؛ ليدرك يقينا أن السر في العمر؛ العمر الذي كان يجب أن ينتصف قبل اللقاء؛ فيعلمه ما قدر له أن يتعلم، قبل أن يدرك حاجته إليها، وتعطشه لجمالها المتكامل، فضلا عن فهمه.

إن فهم القيمة وإدراك الحاجة أحيانا لا بد لهما من مرور العمر، لا بد من دفع ضريبة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.