شعار قسم مدونات

التربية الإخبارية وتأثيرها على تدفق الأنباء في العالم

تؤثر الأخبار الاقتصادية على أموالك الشخصية، حيث تعتبر اتجاهات السوق والمخاطر والفرص المحتملة عوامل مهمة في مستقبلك المالي.
أصبح كل مواطن مشاركا في عملية صناعة الأخبار من خلال صحافة المواطن والمدونات (غيتي إيميجز)

فرضت ثورة الاتصال على كل الدول التفكير في تعليم المواطنين كيف يمكن أن يقيّموا الأخبار ويتفاعلوا مع الأحداث؛ لذلك ظهر مفهوم التربية الإخبارية ليفتح مجالاً علمياً جديداً، فالأخبار قبل ثورة الاتصال كان يتم اختيارها بواسطة حراس البوابات الذين يتحكمون في بناء الأجندة العامة، ويقوم الصحفيون المهنيون بتغطية الأحداث كما يقومون باختيار المعلومات التي تتدفق إلى الجمهور الذي يتلقى هذه المعلومات بشكل سلبي.

لكن عملية تدفق الأنباء إلى الجماهير تعرضت لتحديات بعد ثورة الاتصال، من أهما: أن المتلقي لم يعد سلبيا، بل إنه يمكن أن يكون مشاركا فاعلا في التأثير على عملية تدفق الأنباء وتقييم الأحداث وتغطيتها.

الدولة التي تنجح في تحقيق التربية الإخبارية لمواطنيها وزيادة قدراتهم على أن يكونوا فاعلين في صناعة الأخبار، يمكن أن تزيد قوتها وتأثيرها على تدفق الأنباء في العالم.

تدفق الأخبار في مجتمع المعرفة

لقد أصبح كل مواطن مشاركا في عملية صناعة الأخبار، من خلال صحافة المواطن والمدونات وإعادة إنتاج الأخبار ومشاركتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ونتيجة لذلك، لم تعد المؤسسات الإعلامية الفاعل الوحيد في تدفق الأنباء، ولم تعد قادرة على التحكم في معرفة الجماهير، بل إن المواطنين يمكن أن يستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات تزيد قدرتهم على المشاركة في بناء مجتمع مدني، وتزيد قدرتهم على المشاركة السياسية.

لكن ذلك يحتاج إلى عملية تعليم المواطنين وزيادة معرفتهم بكيفية تغطية الأحداث واختيارها وتحديد قيمتها الإخبارية.

في ضوء ذلك، فإن الدولة التي تنجح في تحقيق التربية الأخبارية لمواطنيها وزيادة قدراتهم على أن يكونوا فاعلين في صناعة الأخبار، يمكن أن تزيد قوتها وتأثيرها على تدفق الأنباء في العالم، كما يمكن أن تمكن مواطنيها من تقاسم المعرفة والمشاركة السياسية وبناء المجتمعات المعرفية.

الحكم على مصداقية الأخبار

كما فرضت ثورة الاتصال على الدول أن تعمل على تطوير القدرات النقدية للمواطنين، لتمكينهم من تقييم الأخبار والحكم على مصداقيتها قبل إعادة نشرها على وسائل الإعلام الجديد، فتلك القدرات تساهم في إعداد المواطنين للعمل والحياة في مجتمع المعلومات، والمشاركة في بناء مجتمع المعرفة والتأثير على تدفق الأنباء.

وقد أصبح التأكد من مصداقية الأخبار من أهم التحديات في عالمنا المعاصر، حيث انتشرت الأخبار الكاذبة والزائفة على الشبكات الاجتماعية، وارتبط انتشار هذه الأخبار الزائفة بحملات تستهدف تضليل الجمهور وتجهيله.

ظاهرة الأخبار الزائفة تفرض على الدول أن تعمل على تطوير قدرات مواطنيها على تقييم الأخبار على أساس أهميتها وشروط نشرها وأخلاقيات الإعلام

لمواجهة خطر الأخبار الزائفة!

لذلك وصف المنتدى الاقتصادي العالمي انتشار الأخبار الزائفة بأنه "النار الرقمية"، وأنه يشكل خطرا عالميا، فالكثير من مستخدمي الإنترنت ينشرون أخبارا زائفة دون أن يدركوا أنها كاذبة أو تتضمن معلومات غير صحيحة.

لذلك يرى بعض الباحثين أن المجتمعات الغربية أصبحت محاصرة بالأخبار والمعلومات الزائفة، وأن ذلك شكل خطرا يهدد الديمقراطية الغربية؛ حيث أصبح على الجماهير التي تتعرض للتضليل أن تختار في الانتخابات طبقا للمعلومات التي تحصل عليها من وسائل التواصل الاجتماعي.

لذلك، فإن الدولة التي تريد أن تقيم نظاما ديمقراطيا يعبر عن الشعب، لا بد أن تقوم بجهد منظم طويل المدى لزيادة وعي الجمهور وقدراته في اختيار المعلومات، والتأكد من مصداقية الأخبار قبل نشرها، وتوفير وسائل تقدم للجمهور تغطيه شاملة ومتكاملة ومتعمقة للأحداث.

إنّ ظاهرة الأخبار الزائفة تفرض على الدول أن تعمل على تطوير قدرات مواطنيها على تقييم الأخبار على أساس أهميتها وشروط نشرها وأخلاقيات الإعلام. فمن أهم الأسس التي يجب أن تقوم عليها قوة الدولة في مجال تدفق الأخبار: المصداقية؛ فهي أهم الأسس التي تقوم عليها القوة الإعلامية والاتصالية، لذلك فإنها تستحق المزيد من الاهتمام، وتستحق تطوير النظم التعليمية بشكل عام لزيادة قدرات المواطنين على المشاركة في عملية تدفق الأنباء والمعلومات، بشرط التأكد من صحتها ودقتها بهدف الحصول على ثقة الجمهور.. ولكن كيف؟

مقياس جديد لمصداقية الأخبار

من الصعب أن نطور مقياسا لمصداقية الأخبار والمعلومات، لكن هناك مجموعة من الأسس التي يمكن أن نبني عليها الحكم بصلاحية الخبر للنشر.

أهمية هذا الخبر للمجتمع، وما الفائدة التي يمكن أن يحصل عليها الجمهور من معرفة هذه المعلومات؟ وهذا الأساس يمكن أن يفتح لنا مجالا جديدا لتطوير صناعة الأخبار بشكل عام، فمعظم الأخبار الزائفة هي التي تتعلق بالتسلية أو المعلومات المسلية، حيث يبحث الإعلاميون عن الأخبار الغريبة والطريفة والمثيرة والتي تتعلق بالمشهورين، وهذه المعلومات المسلية شكلت انتهاكا لحق الحياة الخاصة للمواطنين، وانتشار صور مفبركة ووثائق مزورة.

في ضوء ذلك، فإن الفصل بين صناعة الإعلام والتسلية والعمل على التأكد من صحة المعلومات ودقتها، يمكن أن يمهد لبناء صناعة إعلامية توفر المعرفة للجماهير.

نشر الأخبار والمعلومات ذات الجودة العالية والمهمة يمكن أن تزيد مكانتك الاجتماعية، وتقنع الناس بأنك قائد رأي يستطيع أن يقيم الأحداث وينقل للجمهور المعلومات المهمة.

نوعية جديدة من الأخبار

إنّ قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين تقوم على مساهمة مواطنيها في تدفق نوعية جديدة من الأخبار التي تزيد معرفة الجمهور وتشبع احتياجاته لمعلومات تجعل لحياته معنى.

لذلك استخدم ذكاءك وحسك العام وانتماءك لدولتك وحضارتك لتحديد مدى أهمية الخبر، قبل أن تقوم بنشره، فهناك الكثير جدا من الأحداث التي تستحق أن تبذل جهدك لنقلها لجمهورك لتزيد وعيهم بالتحديات وقدرتهم على مواجهتها. ويجب أن تدرك ان المعلومات المسلية الغريبة من المحتمل أن تكون زائفة، وهي قليلة القيمة ولا تساهم في تحقيق مصلحة عامة، لذلك اهتم بنشر المعلومات التي ترى أنها مهمة، ويمكن أن تكون حقيقية، وتساهم معرفتها في ترقية حياة المواطنين.

ويجب أن تتأكد من أهمية الخبر قبل أن تقوم بنشره، فلا يليق بك كإنسان يساهم في بناء الحضارة أن تنشر تسلية معلوماتية وأخبارا قليلة القيمة تؤدي إلى هروب الناس من مواجهة المشكلات والتحديات.

إنّ تربية المواطنين على تقييم الأخبار طبقا لأهميتها، يمكن أن يساهم في بناء صناعة أخبارية وإعلامية جديدة تشكل بديلا لصناعة الأخبار والإعلام والمضمون الغربية التي شكلت عصر الزيف.

كما أن نشر الأخبار والمعلومات ذات الجودة العالية والمهمة يمكن أن تزيد مكانتك الاجتماعية، وتقنع الناس بأنك قائد رأي يستطيع أن يقيم الأحداث وينقل للجمهور المعلومات المهمة.

تأكد من مصداقية المصدر

قبل أن تقوم بنشر الخبر يجب أن تتأكد من أن مصدره يمكن الاعتماد عليه، وأنه جدير بالثقة. ولكي تعرف ذلك، لا بد أن تتأكد من علاقته بالحدث أو المعلومات، وفي معظم الأحيان يفضل الصحفيون ووسائل الإعلام الاعتماد على المصادر الرسمية، وأدى ذلك إلى تحيز وسائل الإعلام للسلطات، والتركيز على مواقف السلطات وخطابها.

وفي الكثير من الأحيان، تروّج السلطات معلومات زائفة عن معارضيها، لذلك ساهمت السلطات في التقليل من مصداقية الوسائل الإعلامية.

لذلك لا بد من العمل على تحقيق التوازن بين المصادر الرسمية وغير الرسمية، وعرض وجهات النظر المختلفة.

لكن هل يمكن أن تساهم الإنترنت في تقديم الرواية البديلة لرواية السلطات التي تعتمد عليها وسائل الإعلام؟

إن الاعتماد على مصادر متعددة ومتنوعة وتقديم وجهات نظر الأطراف المختلفة في القضية أو الصراع، يمكن أن يشكل أساسا لتطوير نوعية الأخبار وجودتها وزيادة مصداقيتها، فالمصادر تكشف معلومات مختلفة، والمقارنة بين هذه المعلومات يمكن أن تساهم في كشف الحقيقة.

في ضوء ذلك، فإن اهتمامنا بتطوير مقياس لمصداقية الأخبار على وسائل الإعلام، يأتي في إطار البحث عن معايير لجودة المعلومات، وهذا يشكل أساسا للوفاء بحق الجمهور في المعرفة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.