شعار قسم مدونات

سنبقى بشرا..

blogs التسامح ونبذ الطائفية
وقت الشدة يحاول النبلاء والنبيلات التنصل من أغلال الماضي والمبادرة بالمسامحة وإعلانها (رويترز)

لأن الله سبحانه وتعالى يعرف أننا مهما حاولنا الارتقاء في سماوات فضيلة الإنسانية سنبقى بشرا، ولن نتحول إلى ملائكة، وقد نحتاج، عند صدامات الحياة وما يتولد عنها من مرارة، إلى رد اعتبار إنساني. وهذا الشعور، بضرورة رد الاعتبار، لا يخرجنا عن دائرة الإيمان، كما قال سبحانه وتعالى في سورة التوبة: (ويشف صدور قوم مؤمنين) (الآية 14).

صحيح أنه علينا كبشر أن نتجاسر فوق حظوظ ذواتنا، ونقتل الشر الذي يسكن أعماقنا، ونغذي الخير في كياننا، ونمد يد التسامح لمن آذونا وأضروا بنا، خصوصا إذا كان الأمر متعلقا بالماضي، والله سبحانه وتعالى دعانا لذلك فقال في سورة آل عمران: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) (الآية 134).

وصحيح كل ذلك، لكن ماذا عن طينتنا الآدمية التي بسببها قد لا يستطيع الكثير منا الصمود أمام دعوات التسامح والغفران؟ لسان حاله، قولهم: ندوب في القلب لا يشفيها إلا الانتقام!، ولكي تتيقنوا من تلك الحقيقة، انظروا إلى الكثير وهم يتابعون أفلام الحركة والعنف بحماسة تظهر على وجوههم، راقبوهم وهم يرون البطل يفتك بهذا وذاك، ستجدهم منجذبين ومستغرقين بكلياتهم، كأن ما يرونه يعبر عن ما يجيش في صدورهم، جزء من متعة مشاهدة العنف عند البعض في كونها تلبي دفائن الهزائم والمرارات وتعبر عنها بحسم وقوة: أصرخ بكل صوتي وما سواي ينتبه!

ولسنا في حالة جيدة، وعصرنا هذا، عصر التواصل، تعمقت فيه القطيعة، والمؤشرات على ذلك كثيرة، وقطاع غير قليل من الفاعلين في حسابات الفضفضة الإلكترونية وجلساتها الواقعية يرون أن الأواصر الإنسانية المعاصرة ذاهبة في التردي، وأن ثمة أزمة تواصلية تسود المجتمعات، الأمر الذي جعل "حلقة العلاقات" في قناة 8 على اليوتيوب مع المدرب ياسر الحزيمي تتجاوز مشاهداتها في أشهر قليلة 50 مليون مشاهدة! بما يؤكد بأن لدينا مشكلة علاقات نحتاج فيها إلى كثير من الشفافية كما قالوا: المصارحة صابون القلوب، فهي التي تمنع توسع الشقاقات في العلاقات بين الناس، كما قال الشاعر النبطي: لا تخلي البين يكبر بيني وبينك.

وتلك المصارحة التي متى ما حصلت -بالطريقة المناسبة وفي التوقيت الصحيح- ستنظف القلوب، وتطهر الأفئدة، ويفتح فيها جميع الأطراف صفحات جديدة في العلاقات وفق ما يملكون من نبل إنساني، وذوق رفيع.

وكذلك من الضروري في هذا السياق محاولة نسيان تلك الأحداث المؤلمة التي كان للشيطان فيها نصيب، وإن كنا نعرف أنه رغم محاولات نسيان الإساءات، فإن بقاياها تظل موجودة، وتبقى رواسبها في القلوب صامدة مهما عادت العلاقات إلى رشدها بعد ذلك.

فما الحلول التي تقترحونها على هؤلاء الذين أرهقهم عطش المسافات، وكبت المشاعر لسنوات، وتفشى فيهم الألم النفسي والجسدي في فترة من فترات حياتهم، وإذا كان مصدر هذا الايذاء من الأقارب! فالمصيبة أعظم كما قال طرفة بن العبد:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة .. على المرء من وقع الحسام المهند

وفي رأيي أن الدعاء والطلب من الله سبحانه رفع ضغائن القلوب هو أول الطريق، وأكبر اختبار حقيقي وأعظم تمحيص واقعي لهؤلاء المتألمين، حينما تداهمهم أخبار من أساؤوا إليهم، وفاة أو مرضا. هنا تظهر المعادن، حيث سيحاول النبلاء والنبيلات أمام هذا الحدث الجلل التنصل من أغلال الماضي، والمبادرة بعيادتهم في أمراضهم، والدعاء لهم ومشاركة ذويهم أحزانهم حيال وفاتهم، مؤكدين مسامحتهم لهم أمام الملأ، لتبقى شهادة الخلق للعباد أمام ربهم مستمرة في الأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء الله في الأرض) رواه البخاري.

إنهم نسوا الأسماء وتناسوا الأحداث إيمانا منهم بأن الحياة أقصر من حصرها في معارك ماضية، أو تنمية الأعداء، والعيش في سجن الماضي لتغذية المشاعر السلبية! وشعارهم في كل ذلك قوله تعالى في سورة الحديد: (لكيلا تأسوا علىٰ ما فاتكم) (الآية 23).

وربما يكون أذاهم مليئا بالدروس التي تغير الحياة نحو الأفضل، فنعرف طبيعة الناس، ونتعرف على فقه المعاملات معهم، وبهذه الجروح والندبات ننمو حينما نبني حصوننا الداخلية التي تجعلنا أقوى في مواجهة تقلبات الحياة، كما قال الشاعر محمد عبد الباري:

قالت لكل المتعبين: تأرجحوا .. لن يكبر العشاق حتى يجرحوا!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.