شعار قسم مدونات

صلِّ قبل أن تكبر

الإنسان يجدر به عند الابتلاء بالنقم أن يكون أقرب إلى الله من وقت راحته وأيام رخائه ونعمته (الجزيرة)

في حياتنا نحتاج إلى أن نتمثل أخلاق الصلاة في "أفعالنا، وأقوالنا، وتقريراتنا" لكي نصل بالفعل قبل أن نكبر إلى ما يريده الله سبحانه وتعالى منا في تأثير عباداتنا على معاملاتنا، وحسن أخلاقنا كما قال سبحانه في سورة العنكبوت: (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) (45).

فدع سفينة صلاتك تنطلق قبل أن تكبر حينما تكبح جماح نفسك الأمارة بالسوء التي تريد جرك نحو الهوى حيث غواية الشيطان، كما قال سبحانه في سورة النساء: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) (60).

هذا الشيطان الذي طالت قصتنا معه منذ نشأت الخليقة حينما سرد لنا الله سبحانه وتعالى قصة الغواية الأزلية، فقال في سورة البقرة: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (36).

وفي سياق ذات القصة قال سبحانه في سورة الأعراف: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) (27).

الشيطان الرجيم متنوع الوساوس؛ فيأتي للإنسان فيما يقلقه ويخيفه من تقلبات الأيام، وتغيرات الأحوال الاقتصادية.

ورغم الهبوط من الجنة فإن قصة الغواية الشيطانية لم تنتهِ حينما جاء في سورة الأعراف: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم) (16)، فتهديدات إبليس للبشرية باقية وتتمدد، ولذلك جاءت التحذيرات الربانية والنبوية من إغوائه والسير خلفه حتى تزل الأقدام في مستنقع الزقوم حيث الكارثة الأبدية!.

فجاءت الآيات القرآنية متتابعة بتوجيهات الله سبحانه وتعالى للخليقة بقوله في سورة البقرة: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) (168)، وفي ذات السورة (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) (208).

هذا الشيطان الرجيم متنوع الوساوس؛ فيأتي للإنسان فيما يقلقه ويخيفه من تقلبات الأيام، وتغيرات الأحوال الاقتصادية، كما قال سبحانه في ذات السورة: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ۖ والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم) (268).

ويقف الشيطان في طريق الخير قاطعا على الإنسان جميع التوجهات النبيلة كما قال سبحانه في سورة آل عمران: (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) (155).

ولأن أكثر ما يشغل هواجس الإنسان خوفه من الماضي وقلقه من المستقبل؛ كان الشيطان حاضرا بوساوسه الخاطئة كما قال سبحانه في ذات السورة: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (175).

تعد الخطيئة هي ملعب الشيطان المفضل، وساحته السيئة التي يحب أن يجر البشرية إلى ظلماتها الخاطئة.

وصحبة الإنسان للشيطان قفزة كبرى نحو الجحيم كما قال سبحانه في سورة النساء: (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) (38)، وفي نفس السورة قال سبحانه: (فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) (76)، وقال سبحانه في ذات السورة: (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) (119-120).

وقد بشرنا سبحانه في هذه الآية الكريمة بضعف الشيطان وقلة حيلته، وهذا ما يحفزنا أكثر للانتصار عليه بقوة الإيمان وبرحمة الرحمن كما قال سبحانه في ذات السورة: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) (83).

وتعتبر الخطيئة هي ملعب الشيطان المفضل، وساحته السيئة التي يحب أن يجر البشرية إلى ظلماتها الخاطئة، كما قال سبحانه وتعالى في سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) (90-91).

وسيبقى تزيين الشيطان اقتراف الأخطاء من الإنسان هو شغله الشاغل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره" رواه البخاري.

فرغم أن الإنسان يجدر به عند الابتلاء بالنقم أن يكون أقرب إلى الله من وقت راحته وأيام رخائه ونعمته، فإن الشيطان دائما له رأي آخر، كما قال سبحانه في سورة الأنعام: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) (43).

بيّن لنا سبحانه وتعالى أهمية الاستعاذة من الشيطان حينما يعترينا النقص البشري فنكاد أن ننجرف خلف هذا الرجيم.

وقد ينسى الإنسان نفسه، فيمضي متبعا شيطانه، غارقا في شهواته حتى يستيقظ من غفلته، ويسلط شمس وعيه على ظلمة غواية الشياطين كما قال سبحانه في نفس السورة: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) (68)، وقال سبحانه في نفس السورة: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) (142).

تلك الخطوات التي يميل فيها الإنسان إلى هواه منسلخا من قيمه ومبادئه، متخليا عن إنسانيته نحو غواية الشيطان، حيث الترنح والتيه والحيرة والضياع كما قال سبحانه في سورة الأعراف: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) (175)، وقال سبحانه أيضا: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) (30).

وبين لنا سبحانه وتعالى أهمية الاستعاذة من الشيطان حينما يعترينا النقص البشري فنكاد أن ننجرف خلف هذا الرجيم، فقال سبحانه في ذات السورة: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (200-201)، وقال سبحانه في سورة المؤمنون: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون) (97-98).

والغريب بعد كل هذا أن الشيطان هو أول من سيفر يوم القيامة من أولئك الذين تركوا الصراط المستقيم، ومضوا يتبعوه في سبل الضلال وطرق الخطيئة، كما قال سبحانه في سورة إبراهيم: (وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إنّي كفرت بما أشركتمونِ من قبل إنّ الظالمين لهم عذاب أليم) (27).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.